عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-17-2017 - 07:04 AM ]


4- المُحَدِّث الشيخ أحمد محمد شاكر (ت 1958م): يقول السيد أحمد صقر في مقدمة تحقيق تفسير "غريب القرآن"؛ لابن قُتَيبة: "وقدِ اعتمدتُ في نشر هذا الكتاب على صورة شمسيَّة كانت في حيازة أستاذي الكريم، الشيخ أحمد محمد شاكر، تغمده الله برضوانه، وأذاقه من رحمته كفاء ما جاهد في سبيل الإسلام والمسلمين، وما قدم من معونة صادقة لتلاميذه المخلصين"، ويقول العلامة أحمد شاكر في بعض ما كتب: "والأستاذ الأديب السيد أحمد صقر مني بمنزلة الأخ الأصغر، نشأ معي، وعرفته وعرفني، وتأدبنا بأدب واحد في العلم والبحث، وفي فقه المسائل، والحرص على التقصِّي ما استطعنا، وإن له مدى مديدًا في الاطلاع والتقصِّي، وَنَفَذات صادقة في الدقائق والمُعضلات، يندر أن توجدَ في أنداده؛ بل في كثير من شيوخه وأساتذته، وهو أنفذ بصرًا مني في الشعر وما إليه"[11].

5- الشيخ محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد (ت 1973م): عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وعضو مجمع اللغة العربيَّة، ورئيس (لجنة إحياء أمهات كتب السُّنَّة) بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، التي كان السيد أحمد صقر عضوًا فيها، يقول الشيخ محيي الدين في تصديره لكتاب "معرفة السنن والآثار"؛ للبيهقي بتحقيق السيد أحمد صقر: "وقد قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق هذا الكتاب تحقيقًا علميًّا بارعًا، وعلق عليه، وخَرَّج أحاديثه تخريجًا دَلَّ على مهارة ونبوغ في هذه البَابَة، والأستاذ معروف لكل أعضاء لجنة (إحياء أمهات كتب السنة) معرفة زمالة وخبرة، وكلهم - والحمد لله - مِن أبنائي البَرَرة في طلب العلم، فوق أنه مشهور في أنحاء العالم العربي بالتفوُّق في تحقيقه، فما من حاجة بنا إلى الحديث عنه، والله - تعالى - نسأل أن يجزيه خيرًا، وأن ينفعَ بهذا العمل، إنَّه - سبحانه - سميع الدعاء"[12].

6- الدكتور زكي مبارك (ت 1952م): وقد كان السيد أحمد صقر معجبًا بأدبه وبأسلوبه - دون آرائه وسلوكياته - وكان يوصي بقراءة كتبه ويقول: يكفيه أنه الدكاترة"، ويقول السيد أحمد صقر في مقدمة "شرح ديوان علقمة": "والآن نمسك بالقلم عنِ استرساله في التعريف بالشاعر وشعره؛ إذ كفانا ذلك فخر الشباب العصامي الناهض، الأستاذ النابغة الدكتور زكي مبارك، فقد تفضل - حفظه الله - بكتابة بحث قيِّم، وفصل ضاف ممتع، حلينا به صدر الكتاب"[13].

ومما قاله الدكتور زكي مبارك في تقديمه: "لقد طربتُ حين زارني الأديب السيد أحمد صقر، وطلب مني أن أكتب مقدمة لهذا الديوان؛ لأن شارح هذا الديوان طالب بالقسم الثانوي، ولَمَّا يبلغ العشرين، والعشرون ليست بالسن القليل - أو القليلة إن شئتم - لكنها في حي الأزهر أقل من القليل، ولأن في مقدور هذا الشاب أن يكون أديبًا، إن جرى على الفطرة، وأطاع الطبع، وفهم أن الأدب بحر عجاج، وأن لا سبيل إلى الفوز إلا بالجد الموصول...".

إلا أن هذه الصلة العلمية لم تمنع السيد أحمد صقر من الرد على الدكتور زكي مبارك في بعض ما ذهب إليه من آراء، لم يسلك فيها الطريق السوي في البحث والتقصي[14]، ومثله الدكتور أحمد أمين (ت 1954م)، فقد كان السيد أحمد صقر معجبًا به في أول أمره، متصلاً به، واشتركا في تحقيق كتابين من كتب التراث؛ بل كانت للسيد صقر اليد اليمنى في الإشراف على مجلة الثقافة التي كان يرأسها أحمد أمين، إلا أن أحمد أمين لم يحافظ على هذا الودِّ بعادات غريبة، كان يواجه بها بعض أعيان عصره؛ مثل: الإغارة على جُهُودهم العلمية، حتى نفض السيد أحمد صقر يده من إتمام بعض المشاريع العلميَّة معه.

7- الأديب عباس محمود العقاد (ت 1964م): أحد أصدقاء السيد أحمد صقر الكبار، وقد كان بينهما ودٌّ وإعجاب كبيران، يقول الدكتور حامد طاهر - أحد تلامذة السيد أحمد صقر، في المرحلة الثانوية، في عام 1961م -: "وذاتَ يوم، اقترح علينا السيد صقر أن نقومَ بزيارة منزل العقاد، وأوصانا أن نكتبَ له قصائد تحية، وبالفعل كتب كل واحد منا قصيدة، وذهبنا إلى ندوة العقاد بمصر الجديدة، وهناك قدمنا أنفسنا للعقاد، وألقينا قصائدنا أمامه، وسعد الرجل بها كثيرًا، ونهض فصافح كلاًّ منا، وفى نهاية الندوة قال لنا العقاد: "احتفظوا جيدًا يا أولاد بأستاذكم هذا؛ فإنه رجل مجهول القدر فى هذا البلد"[15].

8- العلاَّمة محمود شاكر (ت1997م): شيخ العربية أو الأستاذ الراوية - كما يُسَمِّيه السيد أحمد صقر - وقد كان يكبر السيد أحمد صقر بست سنين، إلا أن هذا الفارق في السن لم يمنع كلاًّ منهما أن يَفِيد من الآخر في البحث والمذاكرة، والعلم والأدب، فقد كانا يتسابقان في قراءة الدواوين الشعرية واقتنائها؛ وربما سبق محمود شاكر أخاه السيد أحمد، لا لشيء إلا لضيق يد السيد أحمد صقر عن اقتناء الكتب وتحصيلها، فكان يذهب إلى مكتبة أستاذه، وشقيق منافسه، الشيخ أحمد شاكر فيقرأ عنده ما تيسر له[16]، ويقول السيد أحمد صقر في بعض ما كتب: "ولمَّا كنت لا أعرف أن لأجزاء ما جاء في القُرْط أسماء خاصة بها، فقد سألت صديقي الراوية الأستاذ محمود محمد شاكر، فقال:...."[17]، وقال في موضع آخر حول كلمة محرَّفة لم يدرك وجه تصويبها: "... ويرى صديقي الراوية الأستاذ محمود محمد شاكر أن صوابها..."[18].

وقال السيد أحمد صقر في موضع ثالث يُعَلِّق فيه على أحد المعقبين اللغويين: "هذا؛ وإني أنصح الأستاذ المعقب بنصيحة خالصة، نصحني بها منذ أكثر من عشرة أعوام صديقي الراوية، الأستاذ محمود محمد شاكر، ونحن نقرأ حماسة ابن الشجري، قال لي عندما قرأت قول باعث اليَشْكُرِي (وَكَتِيبَةٍ سُفْعِ الوُجُوهِ بَوَاسِلٍ): وهذه كلمة - يعني (بواسل) - أغفلتْها المعاجم فيما أغفلتْ من أوابد اللغة وشواردها؛ ومِن ثم أنصح لك ألاَّ تقطع برأي فيما لا تجده في المعاجم إلا بعد تثبيت؛ فإن كثيرًا من ألفاظ اللغة موجودة في الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي، ولم يقيّده الرواة في معاجم اللغة، واقتصروا أيضًا في شرح بعض الكلمات على ما ورد في أبيات بعينها مما رووه، وفيما لم يرووه ولم يشرحوه كثير مما ينبغي أن يشرح مرة ثانية بدلالة هذا الشعر، هذه نصيحة صديقي الأستاذ محمود محمد شاكر، وهي نصيحة قيمة، تعصم من اتبع هداها من التَّرِّدي في مهاوي العثرات"[19].

ولما خرج كتاب "طبقات فحول الشعراء"؛ لابن سلام، بتحقيق محمود شاكر، كان أول مَن انتقده السيد أحمد صقر، وفي هذا يقول محمود شاكر في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب: "وقد نقد هذه الطبعة جماعة من أهل العلم والفضل، أوَّلهم صديقي وأخي وعشيري الأستاذ السيد أحمد صقر، وقدِ انتفعتُ بما أرشدني إليه..."[20]، ومما قاله السيد صقر في نقده: "كان لظهور هذا الكتاب النفيس رنة فرح عظيمة في نفسي، أشاعت فيها الغبطة والبهجة، ومردُّ ذلك إلى الودِّ الخالص الذي أكنُّه للكتاب ومؤلفه وشارحه جميعًا، أما ابن سلام، فإنِّي أعتقد فيه رجاحة العقل، ورهافة الذوق، وأشعر نحوه بشعور يفيض إجلالاً وإعظامًا، وأما شارح الكتاب - وهو الأستاذ محمود محمد شاكر فإني أعرفه، راويةً، غزير المادة، قويّ الذاكرة، وناقدًا، ثاقب الفكر، أَلْمعي النظر، بصيرًا بأسرار اللغة ووقائعها، خبيرًا بعلوم العرب ومعارفها، ومنازعها في بيانها وتبيينها، وسننها في منظومها ومنثورها.

وهو إلى ذلك كاتب قدير، تلمح فيما تُدَبجه يَرَاعَتُه أصالة الرأي، وصدق الحس، ووضوح الفكرة، ونصاعة الحجة، وقوة التصوير، وفحولة التعبير، وشعره كذلك شعر رائع، تلمس فيه فورة الشعور، وثورة العاطفة، وذكاء القلب، واشتغال الفكر، والتمرُّس البصير بأشعار الفصحاء من القدماء، وإن شرحه هذا لشرح دقيق جليل، لا تكاد تمضي فيه حتى تحس أنك أمام رائد أدبي ممتاز، يرتاد بك منازل الكتاب، مفسرًا لما غمض من ألفاظه، موضحًا لما انبهم من معانيه، في غير إسراف ولا إسفاف - كما يصنع بعض الناشرين - لأنه يُقَدر وقتك ولحظك حق قدرهما، فلا يعوج بك إلا ريثما يطرفك بفائدة لغوية، أو نكتة أدبية، تُجَلي لك أسرار نص، أو تقفك على مفاتن شعر، أو تبصرك بمداحض زلل زلق فيها بعض الأولين، فإذا ما استغلق عليه أمر آذنك به في بسالة متواضعة، ثم مضى بك كاشفًا موضحًا، وهاديًا ممهدًا، ومضيت معه مبتهجَ النفس، وادِعَ الفكر، منشرح الصدر، حتى تفرغ من الكتاب مبهورًا محبورًا..."[21].

طلبه للعلم وشَغفه بالمَعْرفة:
أخذ السيد صقر نفسه بالجد في طلب العِلم، يبتغي إليه الوسيلة بالقوة في العلم والأدب، فأفرغ له باله، وأخلص له فكره، وكان له من توقد ذكائه، والتهاب خاطره، وسرعة حفظه، وشغفه بالمعرفة ما مَكَّن له من ناصية التَّفَوُّق، وذلَّل له من شماس النبوغ، فتوجه في أول أمره إلى تحصيل عُلُوم الأدب واللغة، فانقطع لطلبها، وقصر عليها نفسه، ووقف عليها جهده، وأنفق أوقاته في طلبها، واستنزف أيامه في معاناتها، حتى مهر فيها وأتقنها وأحكمها، وبلغ منها موضعًا جليلاً، يرمى بالأبصار، ويشار إليه بالبنان، وعُدَّ أديبًا منَ الطراز الأول، ثم اتَّجه بعد ذلك إلى عُلُوم الشريعة - خاصَّة بعد أن خلتِ الساحة بوفاة الشيخ المحدِّث أحمد شاكر - فتضلع منها، وتبَحَّرَ فيها وتعمَّق، واستقصى أطرافها وأحاط بأصولها وفروعها، واقتنى نوادر مخطوطاتها، حتى نفذ إلى أسرارها، وأحاط بقضاياها.

وظائفه وأعماله:
عمل بعد تخرجه مدرسًا للأدب العربي بمدارس التربية والتعليم التابعة للأزهر، وانتدب في وقت من الأوقات لإحدى المدارس الأجنبية بالقاهرة؛ كمدرسة اللِّيسِيه الفرنسية، وبعد أن ذاعت شهرته في تحقيق التراث، عيِّن مدرسًا بكلية أصول الدين بالأزهر، وأشرف على بعض الرسائل في الدراسات العليا هناك، وقد عُيِّن خبيرًا بوزارة الثقافة والإعلام، واختير أيضًا عضوًا في بعض اللجان العلمية؛ كلجنة إحياء التراث بوزارة الثقافة، ولجنة إحياء التراث بمؤسسة الأهرام، ولجنة إحياء أمهات كتب السنة، بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، برئاسة فضيلة العلامة محمد محيي الدين عبدالحميد.

وفي حدود عام 1957م، وجِّهت له دعوة من وزير المعارف بالكويت، الأستاذ عبدالعزيز حسين، وقد كان هذا الوزير متخرجًا في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، ولما عرف وسمع عن علم السيد أحمد صقر، قام بترشيحه للتدريس هناك، ولم يستمرَّ هناك سوى ثلاث سنوات، عاد بعدها إلى مصر، ولما عاد إلى مصر، جعلوه مدرسًا للمرحلة الابتدائية، وهي مرحلة لا تليق برجل في مثل حجم وجلالة السيد أحمد صقر، لكنه ابتلي بكثير من الناس الذين يترصدونه، ويأخذون بمَخْنِقِه؛ حسدًا وبغيًا وعدوانًا، وما نقموا منه إلا أنه حصَّل ما لم يحصل غيره، وفقِه ما لم يفقهه سواه، وحين كلَّت خطاهم عن اللحاق به ضيَّقوا عليه، حتى تولى الشيخ عبدالرحمن بيصار مشيخة الأزهر، فساهم مساهمة متأخرة في ترقية السيد أحمد صقر، فجعله أمينًا عامًّا مساعدًا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عام 1967م تقريبًا.

ثم اختير بعد ذلك - مع كوكبة من العلماء المصريين - للتدريس في السعودية بكلية الشريعة بمكة المكرمة (جامعة أم القرى لاحقًا)، واستمر بها لمدة عشر سنوات تقريبًا، وقد عومل هناك وظيفيًّا تحت بند (كفاءات نادرة)، وهو بند يَعتمد في التقويم على الشهرة والمكانة في العلم، وليس على الشهادة، وقد كان للسيد أحمد صقر - رحمه الله تعالى - جهودٌ كبيرةٌ في الدراسات العليا هناك، وأشرف على طائفة من رسائل الماجستير والدكتوراه.

السيد أحمد صقر مدرسًا:
اشتغل السيد أحمد صقر بالتدريس شطرًا كبيرًا من حياته؛ بل وفي جميع المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية، وقد كان من المدرسين الذين: "لا يكتفون بنشر علومهم بين طلابهم، وإنما يعنون بتخريجهم، وتقويم أوَدِهمْ، وتعهد مواهبهم بالرعاية والعناية، حتى تستحصد وتستغلظ وتستوي قائمة على أصولها في غدها المرتقب المأمول، حتى تتابع أجيال العلماء قوية مقتدرة على حمل أمانة التبليغ، الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويظل العلم قويًّا فتيًّا، متصل الحلقات، متدارك الموجات، فتحيا به الأمة، وتكون بحق كما أرادها الله: خير أمة أخرجت للناس، بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وجمعها بين الإيمان الصريح، والعلم الصحيح".

وقد كان أسلوبه في التدريس قائمًا على الجد والصرامة والإتقان، يقول الدكتور حامد طاهر في مقدمة ديوانه: "وفي سنة 1961م، دخل فصلَنا أستاذٌ جديد؛ لتدريس مادة الأدب العربي، وهو السيد أحمد صقر، المحقق الكبير، وفوجئت بأنه لا يرتدي الزي الأزهري المعهود، وقد كان مغضوبًا عليه من الأزهريين، فعاقبوه بالتدريس في المرحلة الابتدائية، ثم شمله العفو قليلاً، فانتقل إلى المرحلة الثانوية، أحدث هذا الرجل انقلابًا هامًّا في حياتي، فقد طرح على الطلاب سؤالاً مثيرًا: ماذا قرأ كل منكم في الإجازة الصيفية؟ وتعددت الإجابات المضحكة: كنت ألعب الطاولة مع زملائي بالقرية، كنت أساعد أبي في الحقل، فثار ثورة عارمة على كل مَن أجابوا، واصفًا إياهم بأنهم {خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4]، ثم راح يشرح لهم أن الثقافة العامة شيء، والمقررات الدراسية شيء آخر تمامًا... وباختصار كان هذا الرجل هو الثورةَ التي حدثت أمامي داخل الأزهر، وهو الذي شجعني على كتابة الشعر"[22].

ويقول الدكتور محمد حسن بخاري: "وقد أكرمني الله بأستاذٍ، صبرت على قسوته الشديدة، فأضحت مرحمة لي من حيث أدري ولا أدري، فلازمته ملازمة طويلة، وقد تدرج بي لاقتحام أمهات الكتب والمراجع، ودربني وأرشدني، وأحيانًا كان يجبرني على بعض الاقتناصات من طريقته ومنهجه، بتركيز فكري على عمل من أعماله، فعلمني وتعلمت منه"[23].

ولم يكن السيد أحمد صقر من المدرسين الذين يكثرون الثرثرة العلمية، والعموميات التي لا يعود منها الطالب بشيء؛ بل كان يأخذ طلابه إلى المكتبات العامة، وربما استضافهم في بيته؛ ليريهم نفائس الكتب والمخطوطات التي اقتناها؛ بل وصل به الحال إلى أخذ طلابه في زيارات ميدانية إلى منازل الأدباء والعلماء الكبار في ندواتهم المعروفة، يقول الدكتور أحمد معبد في حوار أجري معه: "بداية الاهتمام بالمخطوطات ترجع إلى المرحلة الثانوية، وأستاذنا الشيخ سيد صقر - عليه رحمة الله - مدرس المطالعة والبلاغة في المرحلة الثانوية، كان لديه اهتمام بالمخطوطات، وكان يصطحب معه في الدرس بعض هذه المخطوطات، التي أذكر منها الآن "شرح الخطابي لصحيح البخاري"، فحببني فيها، ونبهني إلى أماكنها في مصر"[24].

ويقول الدكتور حامد طاهر: "وقد دعاني الأستاذ السيد صقر إلى منزله بشارع محمد علي، حيث أطلعني على حجرة مكتبه التي تمتلئ بأندر المخطوطات، والمطبوعات النفيسة، وهناك حدثني عن أنه يمتلك طبعة دار الكتب أو طبعة بولاق من كتاب كذا وكذا، فعلمت أن الكتب مستويات، كما كلفني بنسخ عدد غير قليل من المخطوطات القديمة، حتى تمرست بحل مشكلات خطوطها الصعبة، ومازلت أذكر أنني نسخت له كتاب "الإلماع" للقاضي عياض، وهو مكتوب بخط مغربي خالٍ من النقط، وفى وضع مهترئ للغاية، ومن مكتبته استعرت بعض أمهات التراث العربي: "البيان والتبيين" للجاحظ، و"زهر الآداب" للحصري، و"العقد الفريد" لابن عبدربه، وغيرها، وعلى يديه تعلمت فن التحقيق، ومقابلة النسخ، وتمييز الخطوط، وتخريج الأحاديث، والأبيات الشعرية النادرة"[25].

ويقول الدكتور عامر حسن صبري: "كان السيد أحمد صقر لا يعطيك شيئًا من علمه، إلا بعد أن تصبر عليه أولاً، ثم تتحدث معه في قضايا علمية معينة ليست تقليدية، ثم بعد ذلك يفيدك بما فتح الله عليه، ولقد كان أستاذًا لنا في الدراسات العليا بمكة في مادة (قاعة بحث)، وكانت المحاضرات تتم في المكتبة، وكانت طريقته أن نقرأ في مصادرَ مختلفةٍ في الأدب واللغة، والحديث والتفسير، وغير ذلك، ثم يشرح باختصار طريقة المؤلف في كتابه، ثم يذكر لنا بعض القضايا النقدية، ولقد استفدتُ منه فوائدَ جليلةً"[26].

وقد كان كثيرَ التشجيع لطلابه، فَقَبَّل مرةً جبينَ أحد طلابه، عندما أذكره بيتًا من الشعر كان قد نَسِيَه[27]، ويقول الدكتور عامر حسن صبري: "وأذكر أني أتيته بأول كتاب صدر لي، وهو "قطف الثمر في رفع المصنفات في الفنون والأثر"، ففرح به كثيرًا وشجعني عليه، وقال لي كلمته التي لا أنساها: "الآن يحق لسيد صقر أن يفرح"، ويقول الدكتور محمد بخاري: "سافرت إلى إستانبول برفقة أهلي؛ لأبحث عن مخطوطة بمكتبة سليم أغا، ومكثت بها خمسين يومًا، ووجدت ما أبحث عنه، وسجلت ما أحتاج من معلومات، ولما عدت وذكرت للسيد أحمد صقر ما اكتسبتُه من رحلتي، وجدت غالب ما ذكرته قد سطره شيخي في مفكرة خاصة به، فقلت له: يا شيخ، لِمَ تكلفنا هذا العناء الكثير؟! فلو أنك ذكرت لي أسماء هذه الكتب من قبل، لوفرتَ عليَّ تكاليف هذه الرحلة، التي لم أعد منها بجزء مما هو موجود في مفكرتك، فردَّ عليَّ السيد أحمد صقر: يا أغبى من نفسه، والله إني لفرِحٌ أنْ جعل الله في طلابي مَن يسافر إلى المكتبات للبحث عن المخطوطات، والله إنكم ستدركون قيمة عملكم هذا في المستقبل"[28].



رد مع اقتباس