عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي من أعلام المحققين والمصححين المعاصرين (9): السيد أحمد صقر

كُتب : [ 08-17-2017 - 07:02 AM ]


من أعلام المحققين والمصححين المعاصرين
السيد أحمد صقر
(1410هـ- 1989م)


العلاَّمة اللُّغوي الأديب الأستاذ: السيد أحمد صقر
المحقِّق الناقد، الباحث الدؤوب(*)



طَوْقُ المُجِدِّ أَتَى بِهِ صَقْرُ مِنَنًا لَهَا مِنْ جِيلِهِ الفَخْرُ
أَكْبَرْتُهُ وَاللهِ وَهْوَ فَتًى مَا زَالَ يَخْضِرُ عَودَهُ العُمْرُ
وَعَجِبْتُ كَيْفَ لِمِثْلِهِ نَهَمٌ يَعْيَا بِمِثْلِ قَلِيلِهِ الدَّهْرُ
حَلِّقْ وَلَا تَعْبَأْ بِمَنْ حَسَدُوا فَاللهُ عِنْدَ رِحَابِهِ الأَجْرُ


من الكتب ما تقتنيها لجلالة مؤلِّفيها، الذين أحكموا أصول علومهم، واستوعبوا أطراف فنونهم، وأضافوا إلى ذلك غزارة المادة، وعمق الفكرة، ودِقَّة الاستنباط، وروعة البيان، وإن صحب ذلك صحة معتقد، وسلامة منهج، واعتناء بالحجة والدليل والبرهان، وتعظيم لجناب الشريعة، فهو الغاية التي لا وراءها غاية، والمطلب ما بعده مطلب.

ومنها ما تقتنيها لبراعة مُحَقِّقيها وناشريها، الذين خبروا مناهج الكتب في مختلف فنون العربية، وعرفوا مصطلحات الأقدمين وأعرافهم العلمية، والذين اشتهروا في أعمالهم بإعطائها حظها من النظر، والفقه، والصبر، وبذْل غاية الوسع والطاقة في التحرير والتحقيق، والإخراج المعجب الأنيق المتكامل، حتى غدت أسماؤهم على طرة الكتب ضمانًا على الجودة، ودليلاً على الأمانة، ولذَّةً ومتاعًا لعقل القارئ وعينه.

وإن من أبرز أولئك المحققينَ الذين ازدانت بهم سماء مصر عقودًا منَ الزمن، واستضاءت بِنُورهم صفحات المكتبة العربية في كل فن - العلاَّمة الراوية المحقِّق اللغوي الأديب المصري: السيد أحمد صقر - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - المولود عام: (1335هـ/ 1915م)، والمتوفَّى بالقاهرة عام: (1410هـ/ 1989م).

وإن بين هذين التاريخين حياة عالِمٍ عجيبة موغلة في العجب، غريبة مسرفة في الغرابة؛ إذ يُعَدُّ العلاَّمة السيد أحمد صقر - رحمه الله تعالى -: رابع أربعة[1] في مصر، هم أعلام تحقيق التُّراث ونشره في عصرهم، يوم كان التحقيق علمًا ورواية، قبل أن يصبحَ اليوم فنًّا وصناعة، الذين دخلوا ميدانه بزادٍ قويٍّ من علم الأوائل وتجاربهم، ومدفوعينَ بروح عربية إسلامية عارمة، استهدفتْ إذاعة النصوص الدالة على عظمة التراث، الكاشفة عن نواحي الجلال والكمال فيه:
أولهم: العلامة المحدِّث أحمد محمد شاكر (1892م - 1958م)، الحائز - بعد وفاته بنصف قرن - على وسام العلوم والفنون منَ الطبقة الأولى، المُقَدَّم من رئاسة الجمهورية المصرية.
وثانيهم: شقيقه العلاَّمة اللغوي الراوية محمود محمد شاكر (1909م - 1997م)، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والحائز على جائزة الدولة (مصر) التقديرية في الآداب عام 1982م، والحائز أيضًا على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام 1984م.
وثالثهم: العلامة اللغوي عبدالسلام محمد هارون (1909م - 1989م)، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، والحائز على جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام1981م.

بَيْد أن السيد أحمد صقر من بين هؤلاء لا تكاد تجد له ذكرًا في كتاب، أو شكرًا في خطاب، خلا شذرات منَ الثناء عليه، تجد صداها عند الخاصة من أرباب المحاضَرة، وأصحاب المذاكرة.

ولعلَّ من أسباب ذلك تلك العزلة التي ضربها على نفسه عدة سنين، وتلك الصفات التي لازمته منَ الصرامة، والجفوة، وحدة الطبع، والاعتداد بالنفس، وهي التي كانت طبيعيَّة لرجل يريد أن يثبت لأقرانه الدكاترة: أن التفوق والنبوغ بالجدِّ والبحث، وأن الدرجة الجامعية وحدها لا تُنْفَق في سوق العلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: قلة إنتاجه العلمي مقارنة بأولئك، وعدم تكامُله، وعدم خوضه مجال التأليف الحر، حيث لم يخلف السيد أحمد صقر - طوال حياته في التحقيق الذي بدأه وهو في شرخ الشباب[2] - سوى ستة عشر تحقيقًا من ذوات المجلَّد الواحد، ثلاثة منها بالاشتراك، وخمسة منها ناقصة، لم يخرج منها سوى جزء واحد فقط، حتى انتقد بعضهم صنيع الدكتور الطناحي، في قرن السيد أحمد صقر بمن تَقَدَّم ذكرهم من أعلام تحقيق التراث ونشره، وعدُّوه ضربًا منَ الُمجامَلة كفاء ما لقيه السيد أحمد صقر منَ التجاهُل في حياته.

إلا أن الدكتور محمود الطناحي - برَّد الله مضجعه - رأى أن علم العالم لا يقاس بكثرة إنتاجه العلمي، أو شهرته، أو منصبه، ورتبته؛ بل أصحر بقول لا يدفعه دافع، وهو أن السيد أحمد صقر: "من أقدر الناس على تقديم كتاب، وتقويم نصٍّ، وتوثيق نقل، وتخريج شاهد، واستقصاء خبر، ثم إن له من وراء ذلك كله علمًا جامعًا بالمكتبة العربية، وإدراكًا للعلائق بين الكُتُب"، ومن قبله أستاذهم جميعًا المُحَدِّث أحمد شاكر، حين قال: "إن له مدى مديدًا في الاطِّلاع والتقَصِّي، ونفذات صادقة في الدقائق والمعضلات، يندر أن توجد في أنداده؛ بل في كثير مِن شيوخه وأساتذته".

نعم، إن كل قارئ لآثار السيد أحمد صقر - ناهيكَ عن رجل لابسه وعرف دخائله مثل الدكتور محمود الطناحي - لا يملك إلاَّ أن يشعرَ نحوها بالإجلال والإكبار، ولصاحبها بالموَدَّة والتقدير، ولعلمه بالتواضع والخُضُوع؛ إذ كان منَ المحقِّقينَ القلائل، الذين لا يتوارَون خلف نصوصهم المحقَّقة؛ بل يطالعك بشخصه، ويواجهك برأيه من دون تزيد أو إملال، إن في مقدماته الفذَّة للكتب التي تولَّى تحقيقها، التي تبين قيمة الكتاب، وتشرح فكرته، وتكشف حقيقته، والتي امتازت بغزارة المادة، وعمق الفكرة، ودقَّة الاستنباط، وروعة البيان، وظهرت فيها شخصيته واضحة المعالِم، بيّنة القسمات، والتي تحمل في أطوائها الكثير منَ الجدة والإبداع، والأفكار والآراء، والتي حوت من خبايا العلوم وكنوز المسائل ما أدهش كل مطَّلع؛ ناهيك عن أسلوبها الجزل المشرق الرصين، أو في تعليقاته النفيسة التي نتجتْ عن طول التأمُّل، وحسن التأنِّي، أو في مقالاته النقدية المتقنة في المجلات والدوريات لطائفة من كُتُب الأدب والتُّراث، التي أبانتْ عن قدرة فذَّة في اكتشاف الأوهام والتصحيفات، وموهبة عجيبة في استكناه المعاني المغلَقة، وحل الألفاظ المستعصية، بل إن بعض تلك المقالات أشبه بإعادة لتحقيق الكتاب المنقود، ومنَ الطريف أن أول مقالة كتبها - وهو في المرحلة الثانوية - كانت نقدًا لديوان النابغة الشيباني باعتناء الشاعر المطبوع أحمد نسيم، وفي الوقت نفسه كانت كشفًا لفضائح القس لويس شيخو، صاحب كتاب "شعراء النصرانية بعد الإسلام"، حين جعل النابغة من شعراء النصرانية، فكتب السيد صقر عشر مقالات نقدية، كانت محلَّ إعجاب مشرفي مجلة الهداية الإسلامية الغراء.


أَنَا الشَّمْسُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مُنِيرَةً وَلَكِنَّ عَيْبِي أَنَّ مَطْلَعِيَ الغَرْبُ
وَإِنَّ مَكَانًا ضَاقَ عَنَّي لَضَيِّقٌ عَلَى أَنَّهُ فَيْحٌ مَذَاهِبُهُ سُهْبُ
وَإِنَّ رِجَالاً ضَيَّعُونِي لَضُيَّعٌ وَإِنَّ زَمَانًا لَمْ أَنَلْ خِصْبَهُ جَدْبُ
هُنَالِكَ تَدْرِي أَنَّ لِلبُعْدِ قِصَّةً وَأَنَّ كَسَادَ العِلْمِ آفَتُهُ القُرْبُ



اسمه ومولده:
هو الأستاذ/ سيد بن أحمد بن محمد بن صقر؛ وكانَ - رحمَه اللهُ تعالى - يكتبُ اسمَه (السيد أحمد صقر)، فيظنُّ من لا يعرفُه أنَّه (أحمد)، وأن (السيد) لقب له، وليس كذلك، بل هو (سيد)، واسم أبيه (أحمد)، وبعضهم يظن أن اسمه مركبٌ (السيد أحمد)، والصواب ما أثبتناه أولاً، وعلى هذا الوهم الشائع يعلِّق الدكتور محمود الطناحي - رحمه الله - بظرفه المعهود: "ولم يبعد عن الصواب من ظن هذا، فهو (سيد) اسمًا وصفة"[3].

ولدَ السيد أحمد في عام 1334هـ/1915م، في قريةِ (صِفْط تراب)، إحدى قرى الريف المصري، والتي تقع على بعد نحو 21 كيلو متر من طنطا، عاصمة محافظة الغربية، وهي القرية نفسها التي ولد بها العالم المصري المشهور الدكتور يوسف القرضاوي، وقد نظم القرضاوي فيها شعرًا يُخَاطب فيه الصحابي الجليل عبدالله بن الحارث الزبيدي، الذي ظل في هذه القرية بعد الفتح الإسلامي، وتزوَّج بها وأنجب، حتى وافاه أجله بها سنة 86هـ، ومما قال فيها مخاطبًا الصحابي الجليل:

وَأَسْلَمَ أَهْلُ صِفْطَ عَلَى يَدَيْكُمْ وَدَانَوْكُمْ بِصِهْرٍ وَاقْتِرَابِ
وَعِشْتَ بِهَا وَمُتَّ بِهَا هَنِيئًا لَها بِكَ مِنْ جِوَارٍ مُستَطَابِ
وَحُقَّ لِصِفْطِنَا بِكَ أَنْ تُسَمَّى بِصِفْطِ التِّبْرِ لاَ صِفْطِ التُّرَابِ [4]



نشأته وشيوخه:
انتقل السيد أحمد صقر مع أسرته في مقتبل عمره إلى القاهرة، حيث كان أبوه الشيخ أحمد محمد صقر مدرسًا بكلية أصول الدين بالأزهر، فنشأ السيد أحمد صقر في بيت كريمٍ من بُيُوت العلم، على عفَّة وصيانة، مرضيَّ الحال، محمودَ الأقوال والأفعال، موصوفًا بالنُّبْل والفَهم والحذق، طالبًا للعلم، حريصًا عليه، مجتهدًا فيه، فاختلف إلى حلقات الأزهر الشريف وعمره خمس سنوات، وكانت في ذلك الوقت متاحة لكل راغب في العلم، وطالب للمعرفة، فتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة، وأكمل حفظ القرآن وله تسع سنين، ثم التحق بمعهد القاهرة الديني التابع للأزهر، وحصل منه على الشهادة الابتدائية، ثم الثانوية عام 1937م، ثم واصل طريقه في الجامعة الأزهرية، ودخل كلية اللغة العربية، فتخرج فيها عام 1944 م، وكانت مناهج الدراسة في ذلك الزمان مما يغذي الملكات، وينمي المواهب، مع صفوة منَ العلماء المدرسين المبرزين الموسوعيين في النحو، والصرف، واللغة، والأدب، والتاريخ.

وممن اتصل بهم وصحبهم، واقتبس من مشكاتهم، و تخرج على أيديهم:
1- والده الشيخ أحمد صقر: المُدَرِّس بكلية أصول الدين بالأزهر، وكان من فضلاء علماء الأزهر، وكان - رحمه الله - مع مجموعة من علماء الأزهر يترددون على مدارس تحفيظ القرآن، ويتعهدونها حسبة وزُلفى إلى الله[5]، "وكان يخطب الجمعة في جامع قريته "صفط تراب" إذا زارها في بعض الأحيان؛ إذ يعتبر من علمائها المرموقين، وربما خلفه بعض المرات ابنه السيد أحمد صقر حين أصبح يافعًا"[6]، وقد كتب السيد صقر على طرة كتاب (شرح ديوان علقمة) - باكورة أعماله حين كان في شرخ الصبا وميعة الشباب -: " أتوج هذا الكتيب برفعه إلى الوالد العزيز، حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ أحمد محمد صقر، المُدَرِّس بالمعهد الأزهري"[7].

2- العلامة سيد بن علي المرصفي (ت 1931م): صاحب كتاب "رغبة الآمل شرح الكامل"؛ للمُبَرد، شيخ أعلام النهضة الثقافية بمصر، والذي تخرَّج على يديه كثير من القيادات الفكرية والأدبية؛ أمثال: مصطفى المنفلوطي، وأحمد الزيات، وطه حسين، وزكي مبارك، ومصطفى الرافعي، ومحمد محيي الدين عبدالحميد، وعباس العقاد، وأحمد شاكر، وأخوه محمود شاكر، وقد كان هذا الأخير يوصي السيد أحمد صقر بمُلازمة العلاَّمة المرصفي والقراءة عليه، ولكن صِغر سن السيد أحمد صقر آنذاك، وشيخوخة العلامة المرصفي، لم يمكِنا السيد أحمد صقر منَ الاستفادة الحقيقية منَ العلامة المرصفي، إلا أن هذا لم يقف حائلاً دون الحضور عنده، واستماع بعض توجيهاته، وكان السيد أحمد صقر يقول: "إن العلامة المرصفي هو الذي أشار إليه بالتوجه إلى تحقيق النصوص، وتخريج الآثار؛ لما رأى فيه من الذكاء اللماح، والبصر النافذ"[8].

3- العلاَّمة محمد الخضر حسين (ت 1958م): وكان السيد أحمد صقر قد أطلعه على شرحه لديوان علقمة، فكتب العلامة محمد الخضر حسين في مجلة الهداية الإسلامية - التي يرأس تحريرها - تقريظًا وثناءً على شرح السيد أحمد صقر، قال فيه: "عني حضرة الشاب الأديب الفاضل الشيخ السيد أحمد صقر بالبحث عن شعر علقمة الفحل، فجمعه في ديوان، وتناوله بشرح موجز نفيس، وصدره بمقدمة في تاريخ حياة ذلك الشاعر، وآراء الأدباء في شعره، وقد اطَّلَعنا عليه، فرأيناه شاهد صدق على ألمعيَّة المؤلِّف، وحسن بيانه، فنشكر حضرته على الجمع والتحرير والطبع، ونحث أهل العلم على اقتناء هذا الكتاب العامر بالفوائد اللُّغوية والأدبية"[9].

وقد كان السيد أحمد صقر يزوره، ويستفيد منه، ومن مكتبته العامرة، يقول السيد أحمد صقر: "وقد أخبرني فضيلة الأستاذ الشيخ/ محمد الخضر حسين، عضو مجمع اللغة الملكي أنَّ جزءًا كبيرًا مِن ديوان بشار موجود في تونس عند صديقه الأستاذ محمد الطاهر بن عاشور، شيخ الإسلام المالكي، وأطلعني على الخطاب الذي ورد إليه حديثًا من صديقه، يخبره فيه بوُجُود الدِّيوان عنده"[10].



رد مع اقتباس