وهو مذهب الفراء الذي يجيز توجه عامليَن إلى معمول واحد إذا كان موافقا، إن سلمنا بهذا وألغينا باب التنازع فما نقول في الصور الأخرى؛ لأنه قد يتنازع الفعلان فاعلاً ومفعولا به، نحو: (رآني ورأيت الرجال) وقد يطلب أحد الفعلين الاسم على أنه مفعول به والآخر على أنه فاعل، نحو: (رأيت ورآني الرجال) وقد يطلبان جره بحرف الجر، نحو قوله تعالى: {اجْتَباهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ} [النحل: 121] .
وأما د. شوقي ضيف فقد ذكر آراء سيبويه والنحاة وما قاله أبو عمر الجرمي وابن مضاء ثم أعلن أن باب التنازع إنما هو من افتراضات البصريين والكوفيين وأنه حري بأن يحذف من النحو إذ يعرض صورا من التعبير لا تجري في العربية ولا نطق بها العرب.
هذا القول ليس مقنعًا، والأدلة التي قدّمها ليست مرضية، سبق أن ذكرت أن الصور التي لم ترد عن العرب تحذف من النحو، هذا لا يعني أننا نحذف الباب كله؛ لأن أمثلة التنازع قد وردت في التنزيل وفي كلام العرب فلا يمكن إنكارها.
وأما محمد صلاح الدين مصطفى بكر فقد ذهب إلى أنه ليس هناك تنازع بين الأفعال في المعمولات، فكل الأفعال موجهة للعمل في هذه الأسماء، وهذا القول قد يكون مستساغاً إذا كان العاملان يطلبان مرفوعا أو منصوبا وأما إذا كان الأول رافعًا والثاني ناصبًا أو إذا كان الأول ناصبًا والثاني رافعًا فلا يكون مستساغًا؛ لأن العاملَين لا يمكن أن يتوجه إلى معمول واحد في آن واحد.
الخاتمة:
أحمد اللهَ العليم الحكيم الذي أعانني على اجتياز درب هذا البحث الوصفي التحليلي المحفوف بالصعوبات؛ لأن مسائل باب التنازع غير المجلات في مظانها المختلفة تكاد تسيطر على كثير من مسائله. ولقد مهدت لي هذا الدرب رغبة قوية دفعتني إلى اجتيازه كلما اعتراني الفتور، ويشفع لهذه الرغبة القوية أن هذا البحث يدور في فلك التنزيل. ومن المعلوم أن النص اللغوي العربي يتمثل في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر والنثر؛ فالقرآن الكريم هو المنبع الأصيل بحيث لو استشهد الصرفي والنحوي استشهادا شاملا بنص قرآني لكانت كافية كلمة الصرف والنحو، ولجاءت القواعد موحدة وقد توصل هذا البحث المتواضع إلى كثير من النتائج الجزئية المتناثرة في موضوعاته وسأكتفي بذكر أهم هذه النتائج وهي على النحو التالي:
1 اتضح من خلال البحث أن مصطلح (التنازع) قد ظهر في الوجود أول ظهوره في نهاية القرن السابع الهجري لدى ابن هشام الأنصاري على الرغم من أن المفهوم كان واضحًا لدى سيبويه في النصوص لا في العنوان.
2 إن تسمية التنازع كانت دقيقةً وموفقةً ومنطقيةً؛ لأن كل عامل من العوامل يطلب المعمول لنفسه وكأنما يريد أن ينزعه من الآخر ليستأثر به.
3 إن التعريفات التي استقرت في كتب النحو تنطلق من نقطة واحدة هي أن التنازع هو عبارة عن توجه عاملين أو أكثر إلى معمول واحد أو أكثر.
4 يجوز التنازع في التوسط والتقدم.
5 لا يقع التنازع بين حرفين؛ لأن الحروف لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب المعمولات كما لا يقع بين حرف وغيره من فعل واسم. ولا يقع التنازع بين عاملين جامدين؛ لأن التنازع يقع فيه الفصل بين العامل ومعموله
والجامد لا يفصل بينه وبين معموله.
6 ولا يمتنع التنازع في السببي المنصوب، نحو: (زيدٌ ضرب وأكرم أخاه) . ولا يقع التنازع في الاسم المرفوع بعد إلا على الصحيح.
7 إن التنازع قد يقع في الظرف والمفعول المطلق والمفعول معه ولا يقع في المفعول له وفي الحال والتمييز.
8 والكثير في التنازع الاقتصار على عاملين ومعمول واحد، ولا يعرف في الأساليب القديمة الزيادة على أربعة عوامل ولكن لا مانعَ من الزيادة عند وجود ما يقتضيها.
9 بعد تتبعي في القرآن الكريم ومظان اللغة العربية تبيّن لي أن باب التنازع باب أصيل وأن مذهب البصريين أسهل وأحسن وموافق تماما للقرآن الكريم حيث إن الأمثلة الواردة فيه تؤيد المذهب البصري في إعمال الثاني في المعمول المتنازع فيه، وأما مذهب الكوفيين فلا يتوافق مع القرآن الكريم ألبتة وإن كان قد يوافق بعض الشواهد الشعرية ولكنها لقلتها لا تصل إلى درجة القياس.
10 يمتنع التنازع في الأفعال المتعدية إلى مفعولَين أو ثلاثة مفاعيل، وينبغي أن يقتصر في الباب على السماع والقياس دون الإتيان بصيغ معقّدة عسرة لم ينطق بها العرب.
11 أظهر البحث أن دعوة بعض المحدَثِين إلى إلغاء باب التنازع لا تستند إلى أدلة مقنعة؛ لأن ظاهرة التنازع قد وردت في آيات قرآنية كثيرة وأشعار العرب وكلام الفصحاء ولن يمكن إغفالها.
الاقتراحات والتوصيات
أقدّم الاقتراحات والتوصيات التالية:
1 لقد ثبت من خلال البحث في القرآن الكريم ومظان اللغة أن باب التنازع باب أصيل، ولن يمكن إلغاؤها بناء على ما قدم بعض المحدثين.
2 إلغاء التنازع في الأفعال التي تتعدى إلى مفعولَين أو ثلاثة مفاعيل؛ لأنها لم ترد في القرآن الكريم، ولا في أشعار الشعراء ولا في كلام العرب.
3 ينبغي أن ينظر في تيسير النحو كما ذكره بعض النحاة وذلك لا يتم من خلال إلغاء الباب، لعله يتم من خلال الأمور التالية:
أتشكيل لجنة خاصة تقوم بمراجعة كتب قواعد اللغة العربية
ودراستها دراسة علمية متعمقة شاملة وتقوم بجمع رؤوس مسائل النحو في موطن واحد حتى لا يتيه المتعلم والمتلقي في هذه الموضوعات المتفرقة في أبواب شتى ثم تصنيفها تصنيفا ميسرا.
ب تطوير الدراسات النحوية على جميع المستويات بغية تسهيل القواعد العربية وخاصة باب التنازع.
ج وضع مناهج عصرية لتدريس المواد النحوية د تبسيط أسلوب العرض ليتلاءم مع الطلبة والبعد عن التعقيدات.
هـ إنشاء مراكز خاصة لإعداد المعلِّمين وتدريبهم على ضوء ما تصل إليه لجنة التطوير.
وتكثيف التدريبات والتطبيقات والتمارين على الصعوبات التي تكشف عنها الدراسات الحديثة.
ز دراسة الأساليب النحوية من خلال القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وكلام العرب الفصحاء.
الهوامش والتعليقات
---
( [1] ) ابن هشام: السيرة النبوية، ط2، شركة مكتبة مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1375هـ، 1: 270.
( [2] ) روي في إرشاد الأريب عن عبد الله بن مسعود، 1: 82.
( [3] ) ابن جني: الخصائص، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1374هـ، 2: 8.
( [4] ) إرشاد الأريب: 1: 77.
( [5] ) عبد المجيد عابدين: المدخل إلى دراسة النحو العربي، مطبعة الشبكسي، مصر، 1951م، ص: 103 وما بعدها.
( [6] ) سيبويه: الكتاب، ت: عبد السلام محمد هارون، ط3، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1408هـ 1988م، 1: 73.
( [7] ) أبو حيان الأندلسي: تذكرة النحاة، ت: د. عفيف عبد الرحمن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1406هـ 1986م، ص: 337.
( [8] ) ابن عصفور الإشبيلي: شرح جمل الزجاجي، ت: صاحب أبو جناح، القاهرة، 1971م،
1: 613.
( [9] ) المبرد: المقتضب، ت: محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت، (د ت) ، 3: 112.
( [10] ) سابق الدين ابن يعيش الصنعاني: كتاب التهذيب الوسيط في النحو، ت: د. فخر صالح سليمان قدارة، دار الجيل، بيروت، 1411هـ 1991م، ص: 400.
( [11] ) الزمخشري: المفصل في صنعة الإعراب، ت: علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط1، 1993م، ص38.
( [12] ) موفق الدين ابن يعيش: شرح المفصل، مكتبة المتنبي، القاهرة: 1: 77.
( [13] ) ابن هشام الأنصاري: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، لبنان، د: 186
( [14] ) المرجع نفسه: 2: 186، وانظر ابن عصفور الإشبيلي: شرح جمل الزجاجي: 1: 613، وخالد بن عبد الله الأزهري: شرح التصريح على التوضيح، دار الفكر (د ت) : 1: 315.
( [15] ) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: مختار الصحاح، المكتبة الأموية، بيروت، دمشق، مادة نزع، ص: 654، وانظر ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، مادة نزع: 8: 352، ومحمد بن علي الصبان: حاشية الصبان، ترتيب مصطفى حسين أحمد، دار الفكر، 1: 97، والخضري: حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، دار الفكر، 1398، ص: 182.
( [16] ) سيبويه: الكتاب: 1: 73.
( [17] ) ابن عصفور الإشبيلي: شرح جمل الزجاجي: 1: 613.
( [18] ) المبرد: المقتضب، 3: 112.
( [19] ) ابن يعيش الصنعاني: كتاب التهذيب الوسيط في النحو: ص: 400.
( [20] ) ابن يعيش: شرح المفصل: 1: 77.
( [21] ) ابن المعطي: شرح ألفية ابن المعطي، ت: د. علي موسى الشوملي، مكتبة الخريجي، ط1، 14-5هـ 1985م، ص: 651.
( [22] ) ابن عقيل: شرح ابن عقيل، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، 1399هـ 1979م، 2: 157.
( [23] ) أبو حيان الأندلسي: تذكرة النحاة: ص: 337.
( [24] ) ابن هشام الأنصاري: أوضح المسالك: ص: 186.
( [25] ) عباس حسن: النحو الوافي، ط9، دار المعارف، (د ت) ، 2: 187.
( [26] ) المرجع نفسه: 2: 187.
( [27] ) محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة السالك إلى تحقيق أوضح المسالك: 2: 186.
( [28] ) ياسين بن زين الدين الحمصي: حاشية على شرح الفاكهي لقطر الندى، ط2، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، 1390 هـ 1971م، ص: ص: 90.
( [29] ) محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة السالك: 2: 187.
( [30] ) الأزهري: شرح التصريح، دار الفكر، (د ت) ، 1: 318.
( [31] ) المرجع نفسه: 1: 318.
( [32] ) المرجع نفسه: 1: 318.
( [33] ) المرجع نفسه: 1: 318.
( [34] ) محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة السالك: 2: 187.
( [35] ) الصبان: حاشية الصبان: 2: 97، 98.
( [36] ) الأزهري: شرح التصريح: 1: 318.
( [37] ) عبد القاهر الجرجاني: كتاب المقتصد في شرح الإيضاح، ت: د. كاظم بحر المرجان، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، الجمهورية العراقية، 1982م: 1: 575.
( [38] ) محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة السالك: 2: 187.
( [39] ) الأزهري: شرح التصريح: 2: 419.
( [40] ) الصبان: حاشية الصبان: 2: 98.
( [41] ) محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة السالك: 2: 188.
( [42] ) المرجع نفسه: 2: 188.
( [43] ) المرجع نفسه: 2: 188.
( [44] ) المرجع نفسه: 2: 188.
( [45] ) المرجع نفسه: 2: 188.
( [46] ) الأزهري: شرح التصريح: 1: 316.
( [47] ) محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة االسالك: 2: 189.
( [48] ) الأزهري: شرح التصريح: 1: 317.
( [49] ) المرجع نفسه: 1: 317.
( [50] ) المرجع نفسه: 1: 317.
( [51] ) المرجع نفسه: 1: 317.
( [52] ) الشاطبي: المقاصد الشافية: 1: 175.
( [53] ) الأزهري: شرح التصريح: 1: 319.
( [54] ) رضي الدين الإستراباذي: شرح كتاب الكافية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1405هـ 1985م: 1: 78.
( [55] ) ديوان امرئ القيس، ص: 39، وانظر كتاب سيبويه: 1: 79، والخزانة: 1: 158، والإنصاف: 39، ومغني اللبيب: 417، وشرح قطر الندى: 81، والأشموني: 407، وشرح المفصل: 95.
( [56] ) من شواهد سيبويه: 1: 78، والإنصاف: 40.
( [57] ) الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، 1982م، مسالة 13، ص: 83 وما بعدها.
( [58] ) قد اسشهد كل من سيبويه: 1: 87، وشرح المفصل: 1: 78، وشواهد العيني: 3: 22، والهمع: 1: 66، والأشموني: 2: 105، وديوانه: 37.
( [59] ) ابن المعطي: شرح ألفية ابن المعطي: 1: 655.
( [60] ) ديوانه: 441، وشرح مشكلات الحماسة: 134، وشرح جمل الزجاجي: 1: 615.
( [61] ) ابن عصفور الإشبيلي: شرح الجمل: 1: 615.
( [62] ) المصدر نفسه: 1: 613.
( [63] ) الأنباري: الإنصاف: 1: 87.
( [64] ) أبو حيان الأندلسي: تذكرة النحاة: 348.
( [65] ) ديوان الفرزدق: 844، وانظر كتاب سيبويه: 1: 77، والإنصاف: 42.
( [66] ) ديوان طفيل: 7، وانظر كتاب سيبويه: 1: 77، والإنصاف: 43.
( [67] ) الشاهد في كتاب سيبويه: 1: 77، والإنصاف: 44.
( [68] ) الأنباري: الإنصاف: 1: 87 89.
( [69] ) المصدر نفسه: 1: 92.
( [70] ) سيبويه: الكتاب: 1: 76.
( [71] ) المصدر نفسه: 1: 79.
( [72] ) أبو حيان: تذكرة النحاة: 348.
( [73] ) الأنباري: الإنصاف: 1:93.
( [74] ) أبو حيان: تذكرة النحاة: 349.
( [75] ) الأنباري: الإنصاف: 1: 94.
( [76] ) أبو حيان: تذكرة النحاة: 349.
( [77] ) المصدر السابق: 1: 350.
( [78] ) سيبويه: الكتاب: 1: 79.
( [79] ) الأزهري: شرح التصريح: 1: 321، والشاهد أيضا يوجد في أوضح المسالك: 2: 201، وحاشية الصبان: 1: 102.
( [80] ) محمد محيي الدين عبد الحميد: عدة السالك: 2: 202.
( [81] ) ديوانه: 332، وإصلاح المنطق: 303، والمقتضب: 2: 179، والمخصص: 17: 100، وشرح جمل الزجاجي: 1: 619.
( [82] ) سيبويه: الكتاب: 1: 41، الفراء: معاني القرآن: 1: 129.
( [83] ) ابن عصفور: شرح جمل الزجاجي: 1: 620.
( [84] ) الأزهري: شرح التصريح: 1: 321.
( [85] ) ابن عصفور: شرح الجمل: 1: 618.
( [86] ) الأزهري: شرح التصريح: 1: 321.
( [87] ) ابن عقيل: شرح ابن عقيل: 2: 161 وما بعدها.
( [88] ) المرجع نفسه: 2: 163، وانظر الأزهري: شرح التصريح: 1: 321، وابن هشام: أوضح المسالك: 2: 202 وما بعدها.