وَأَلْغِ أَحَادِيْثَ الوُشَاةِ؛ فَقَلَّمَا
والشاهد: (ترضيه ويرضيك) ؛ فالأول يطلب (صاحب) مفعولا به والثاني يطلبه فاعله، فأعمل الثاني. ولم يحذف من الأول ضميره مع أنه فضلة، والقياس حذفه من الأول، فتقول: (ترضي ويرضيك) .
وإن كان العامل المهمل هو الثاني وجب الإضمار، أي: ذكر ضمير المنصوب أو المجرور، فتقول: (أكرمني وأكرمته خالد، ومرّ بي ومررت به خالد) ، ولا يجوز حذف الضمير في الثاني، فلا تقول: (أكرمني وأكرمت خالدٌ، ولا مرّ بي ومررت خالدٌ) . ( [91] ) وقد جاء في الشعر حذف الضمير في العامل الثاني، كقول عاتكة بنت عبد المطلب: ( [92] )
- إذا هُمُ لَمَحُوْا - شُعَاعُهْ
بِعُكَاظَ يُعْشِي النَاظِريْن
ف (يعشي) يطلب (شعاعه) فاعلاً، ولمحوا يطلبه مفعولاً به، وقد أعمل الأول ولم يذكر ضميرًا في الثاني، مع أنه حقه الذكر، والقياس: أن يقول: لمحوه لكنه ترك الإضمار شذوذا.
وجوب الإظهار في العامل المهمل بدل الإضمار:
" يجب أن يؤتى بمفعول الفعل المهمل ظاهرًا إذا لزم من إضماره عدم مطابقته لما يفسّره، لكونه خبرًا في الأصل عما لا يطابق المفسِّر، كما إذا كان في الأصل خبرا عن مفرد ومفسِّره مثنى، نحو: " أظنّ ويظناني زيدًا وعمرا أَخَوَيْن" ف (زيدا مفعول أول لأظن و (عمرا) معطوف عليه، و (أخوين) مفعول به ثانٍ لأظن، والياء مفعول أول ليظنان، فيحتاج إلى مفعول به ثانٍ، فلو أتيت به ضميرًا فقلت: (أظن ويظناني إياه زيدًا أخوين) فكان (إياه) مطابقا للياء في أنهما مفردان، ولكن لا يطابق ما يعود عليه وهو (أخوين) ؛ لأنه مفرد، و (أخوَين) مثنى، فتفوت مطابقة المفسِّر للمفسَّر وذلك لا يجوز، وإن قلت: (أظن ويظناني إياهما زيدا وعمرا أخوين) حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر، وذلك لكون (إياهما) مثنى وأخوين كذلك، ولكن تفوت مطابقة المفعول الثاني الذي هو خبر في الأصل للمفعول الأول الذي هو مبتدأ في الأصل، لكون المفعول الأول مفردا وهو الياء، والمفعول الثاني غير المفرد وهو (إياهما) ولابد من مطابقة الخبر للمبتدإ، فلما تعذرت المطابقة مع الإضمار وجب الإظهار، فتقول: (أظنّ ويظنّاني أخا زيدًا وعمراً أخوَين)
ف (زيدًا وعمرا أخوين) مفعولا أظن، والياء مفعول يظنان الأول، و (أخا) مفعوله الثاني.
وقد خرجت هذه المسألة من باب التنازع؛ لأن كلا من العاملَين عمل في ظاهر، وهذا مذهب البصريين. وأجاز الكوفيون الإضمار مراعى به جانب المخبر عنه، فتقول: (أظن ويظناني إياه زيدًا وعمرًا أخوَين) وأجاز أيضا الحذف، فتقول: (أظن ويظناني زيدًا وعمرا أخوين) ". ( [93] )
تعدد العامل والمعمول في أسلوب التنازع:
" ليس من اللازم الاقتصار في أسلوب التنازع على عاملَين متقدمَين ولا على معمول واحد ظاهر بعدهما؛ فقد يقتضي الأمر " أن يتنازع العاملان أكثرَ من معمول، نحو (ضربتُ وأهنتُ زيدًا يومَ الخميس) . وقد تكون العوامل ثلاثة متقدمة من غير أن يتعدد المعمول، نحو: (يجلس ويسمع ويكتب المتعلم) . ( [94] ) ومنه قول الشاعر: ( [95] )
عفوًا وعافيةً في الروحِ والجسدِ
أَرْجُوْ وَأَخْشَى وَأَدْعُوْ اللَّهَ مبتغيًا
فقد تنازع ثلاثة عوامل في العمل في لفظ الجلالة (الله) ، وهي أرجو وأخشى وأدعو. ( [96] ) وفي هذه الحال، يجوز أن يكون معمولا لأي منها، إلا أن البصريين يفضّلُون أن يكونَ معمولاً للأخير منها، لقربه، والكوفيون يفضّلون الأول منها، لتقدمه، ونضمر معمولا للآخرين.
وقد تتنازع ثلاثة وقد يكون المتنازع متعددًا، ( [97] ) نحو قوله عليه السلام: ((تسبّحون وتحمدون وتكبّرون دبرَ كل صلاة ثلاثا وثلاثين)) . ( [98] ) " فدبر: ظرف وثلاثا: مفعول مطلق، وهما مطلوبان لكل من العوامل الثلاثة". ( [99] )
" يستنبط من تمثيل ابن هشام بهذا الحديث أمران:
الأول: أن المتنازع فيه قد يكون ظرفًا وقد يكون مفعولا مطلقا، وذلك لأن (دبر كل صلاة)) ظرف، و (ثلاثا وثلاثين) مفعول مطلق مبين للعدد وظاهر إطلاق المؤلف أن التنازع يكون في جميع المعمولات، لكن قال ابن الخباز ( [100] ) : إن التنازع لا يقع في المفعول له ولا في الحال ولا في التمييز ويجوز في المفعول معه، تقول: (قمت وسرت وزيدا) على أنك أعملت الثاني، فإن أعملت الأول قلت: (قمت وسرت وإياه وزيدًا) .
الأمر الثاني: أنه إذا تنازع أكثر من عاملَين أعملت الأخير منها كما في الحديث، فقد أعمل (تحمدون) في لفظ المعمولين، وأعمل العامل الأول والعامل الثاني في ضميريهما، وحذف الضميرين لكونهما فضلتين، ولو أعمل الأول لأعمل الثاني والثالث في ضميريهما ولم يحذف الضميرين فكان يقول: (تسبحون، وتحمدون الله فيه إياه وتكبرون الله فيه إياه) ، ولو أعمل الثاني لأعمل الأول في ضميريهما ثم حذف منه الضميرين لكونهما فضلة، وكان يعمل الثالث في الضميرين ولم يحذفهما، فكان يقول: (تسبحون وتحمدون وتبكرون الله فيه إياه)) فلما لم يقل إحدى العبارتين استدللنا على أنه أعمل الثالث كما قلنا أولا.
وهل يجوز في تنازع أكثر من عاملين إعمال الأول والثاني والثالث أو يتعين إعمال الثالث؟ والجواب عن ذلك أن ابن خروف ( [101] ) زعم أنه استقرأ كلام العرب فوجدهم يعملون الأخير ويلغون ماعداه، ووافقه ابن مالك ( [102] ) على هذه الدعوى، ولكن أثبات الرواة ردوا منهم المرادي ( [103] ) ذلك وقالوا: إنهم عثروا على ما يدل على أن العرب تعمل أول العوامل وتضمر فيما عداه، من ذلك قول أبي الأسود الدؤلي: ( [104] )
أَخٌ لَكَ يُعْطِيْكَ الجَزِيْلَ ونَائِلَهْ
كَسَاكَ وَلَمْ تَسْتَكْسِهِ فَاشْكُرَنْ لَهُ
فههنا ثلاثة عوامل وهي: كساك، ولم تستكس، واشكرن، وقد أعمل أولها فرفع الأخ به، وأضمر في الثاني والثالث، وأظهر هذا الضمير؛ لأنه لا يترتب على إظهاره محظور على ما هو قاعدة الباب". ( [105] )
" والكثير في التنازع الاقتصار على عاملين ومعمول واحد، ولا يعرف في الأساليب القديمة الزيادة لى أربعة عوامل" ( [106] ) . كقول الحماسي: ( [107] )
قعدت ولم أبغِ الندى عند سائبِ
طلبتُ فلم أُدْرِكْ بوجهي وليتني
ولا يكون التنازع في الحال والتمييز؛ لأنهما لا يضمران فإذا قلت (قمتُ وخرجتُ مسرعًا أو تصببت وامتلأتُ عرقا) كان من الحذف للدليل لا من التنازع، ( [108] ) وقال تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ} [يوسف:12] ، (وإنا له لحافظون) : جملة حالية، والعامل الأمر أو الجواب، ولا يكون ذلك من باب الإعمال؛ لأن الحال لا تضمر، والإعمال لابد فيه من الإضمار إذا أعمل الأول. ( [109] )
وكذلك لا تنازع في مجرور حتى، قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ... } [التوبة: 6] . (حتى) يصح أن تكون غاية، أي إلى أن يسمع، ويصح أن تكون للتعليل وهي متعلقة ب (أجره) ولا يصح أن يكون من باب التنازع، لكن من ذهب من النحويين إلى أن (حتى) تجر المضمر يجوز عنده أن يكون ذلك من باب التنازع، وكون (حتى) لا تجرّ المضمر هو مذهب الجمهور. ( [110] )
يجوز أن يكون المتنازع فيه فاعلاً، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَّ ضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُوْنَ} [الأنعام:94] وقوله تعالى {وَإِنْ أَدْرِيْ أَقَرِيْبٌ أَمْ بَعِيْدٌ مَا تُوْعَدُوْنَ} [الأنبياء:109] .
ومفعولاً به، نحو قوله تعالى: {يُرِيْدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اللذِّيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... } [النساء:26] ، وقوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى ... } [هود:102] .
وظرفا، نحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا اذْكُرُوْا اللهَ ذِكْرًا كَثِيْرًا وَسَبِّحُوْهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب:41 42] .
ومفعولا لأجله، نحو قوله تعالى: {لاَ تَرْفَعُوْا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوْا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ ... } [الحجرات:2] ، وقوله تعالى {عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس:1 2] .
وجارا ومجرورًا، نحو قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيْ الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِيْنٍ} [البقرة:36] وقوله تعالى {كُلُوْا وَاشْرَبُوْا مِنْ رِزْقِ اللهِ ... } [السورة نفسها: 60] .
أساليب التنازع:
ولما كان العاملان قد يتفقان أو يختلفان في طلبهما من حيث الرفع والنصب، كان للتنازع دائمًا أربع صور كلها جائز وإليك بيانها: ( [111] )
أ " إذا كان العاملان يطلبان مرفوعاً". لهذه الحالة أربعة أساليب، وهي كالآتي:
(قام، وقعد الرجالُ) : هنا نجد الاسم الظاهر (الرجال) أعطي فاعلا للفعل الثاني (قعد) ، وأما الفعل الأول فلم يُعَطَ شيئًا. هذا الأسلوب لا يقبله سيبويه، فعنده أن العامل الذي يطلب مرفوعًا لابد من إعطائه هذا المرفوع إما ظاهرًا وإما مضمرًا، فالأسلوب الصحيح عنده يقال: قاموا وقعد الرجالُ ( [112] ) . وأما الكسائي والفراء فقد أجازا هذا الأسلوب كما سبق.
(قَامَ، وقَعَدَ الرجالُ) : هنا نجد العكس: فقد أعطي الظاهر للفعل الأول، أما الثاني فلم يعط شيئا.
(قاموا، وقعد الرجالُ) : هنا نجد الفعل الثاني قد أخذ الظاهر، ولكن الأول لم يحرم حرمًا تامًا، بل أرضي بالضمير.
(قام، وقعدوا الرجالُ) : هنا نجد الظاهر قد أعطي للأول، وأما الثاني فقد أرضي بالضمير.
ب ((إذا كان العاملان يطلبان منصوبًا)) ، وصورها أربع أيضا كلها جائز:
(رأيتُ وضربتُ زيدًا) : أعطيت الثاني وحرمت الأول.
(رأيتُ وضربتُ زيدًا) : أعطيت الأول وحرمت الثاني.
ومن النحاة من لم يجز هذا الأسلوب، كما سبق، وطالب بإرضاء الثاني بالضمير إن حرم من الظاهر، وهو مردود بقول الشاعرة عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي عليه السلام:
إِذَا هُمُوْ لَمَحُوْا شُعَاعُهْ
بِعُكَاظَ يُعْشِيْ النَّاظِرِيْنَ
(رأيته، وضربت زيدًا) : ومن النحاة من لم يجز هذا الأسلوب ذاهبا إلى أن الأول إذا حرم من الظاهر فلا يعطى الضمير، إذا كان يطلب منصوبا، وهو مردود بقول الشاعر:
جِهَارًا، فَكُنْ فِيْ الغَيْبِ أَحْفَظَ لِلعَهْدِ
إِذَا كُنْتَ تُرْضِيْهِ وَيُرْضِيْكَ صَاحِبٌ
(رأيتُ وضربتُهُ زيدًا) : أعطيت الظاهر للأول وأرضيت الثاني بالضمير.
ج (إذا كان الأول رافعًا والثاني ناصبًا) : والصور الأربع نفسها ستتكرر:
(رآني ورأيت الرجالَ) : أعطيت الظاهر للثا رأوني ورأيت الرجالَ ني، وأما الأول فحرمته مرفوعه لدلالة منصوب الثاني عليه.
(رآني ورأيت الرجالُ) : أعطيت الظاهر للأول مرفوعا أما الثاني فحرمته منصوبه.
(رأوني ورأيت الرجالَ) : أعطيت الظاهر للثاني منصوبا وأما الأول فأرضيته بالضمير.
(رآني ورأيتهم الرجالُ) : أعطيت الظاهر للأول وأما الثاني فأرضيته بالضمير.
د ((إذا كان الأول ناصبا والثاني رافعا)) : والصور الأربع نفسها ستتكرر:
(رأيتُ ورآني الرجال) .
(رأيت ورآني الرجال) .
(رأيتهم ورآني الرجال) .
(رأيت ورأوني الرجال) .
آراء العلماء في التنازع:
1 رأي أبي عمر الجرمي (ت: 255هـ) :
إن أبا عمر الجرمي كان يأبى التعقيد في النحو وكثرة التقديرات، ومما يؤكد ذلك عنده أنه كان يمنع التنازع في الأفعال التي تتعدى إلى مفعوليَن أو ثلاثة، ذاهبًا إلى أنه ينبغي أن يقتصر في الباب على السماع والقياس عليه دون الإتيان بصور معقدة لم يرد لها مثيل عن العرب، فإن في ذلك تكلفًا وإيغالاً في تمرينات لا تفيد في تعلم العربية، وإن كان النحاة لم يستمعوا إلى رأيه فقد مضوا يطبقون الباب في (ظن) وأخواتها و (أعلم) وأخواتها، مما كان سببًا في أن يحملَ عليهم ابن مضاء، في كتابه الرد على النحاة، حملة شعواء. ( [113] )
2 رأي ابن مضاء القرطبي (ت592 هـ) :
يدرس ابن مضاء باب التنازع في النحو درسًا مفصلاً، وهو درس أراد به أن يصور ما تجره نظرية العامل من رفض بعض أساليب العرب، وأن يضع النحاة مكانها أساليب لا تعرفها العربية، فإنهم يرفضون في باب التنازع صورًا من التعبير دارت على ألسنة العرب، وذلك أنهم قد يعبرون بعاملَين، ثم يأتون بعدهما بمعمول واحد على نحو ما نرى في مثل (قام وقعد إخوتك) وقول علقمة:
رِجَالٌ فَبَذَّتْ نَبْلَهُمْ وكَلِيْبُ
تَعَفّقَ باِلأَرْطَى لَهَا وأَرَادَهَا
وقد رفض النحاة هذه الصورة من التعبير؛ لأنه لا يصح أن يجتمع عاملان على معمول واحد، أو كما يقولون لا يصح أن يجتمع مؤثران على أثر واحد، وإذن فإما أن نعمل الأول ونضمر في الثاني، أو نعمل الثاني ونضمر في الأول. اختار الكوفيون إعمال الأول لسبقه، واختار البصريون إعمال الثاني لقربه، فيطلبون إلى صاحب المثال الأول أن يقول (قام وقعدوا إخوتك) أو يقول: (قاموا وقعد إخوتك) ويطلبون إلى علقمة أن يقول (تعفقوا.... وأرادها رجال.... وكليب) وهي جمع كلب أو يقول (تعفق ... وأرادها رجال ... وكليب) .