" أن يتقدّم عاملان فصاعدًا من فعل أو شبهه غير حرف ليس أحدهما للتأكيد مجتمعين على معمول فصاعدًا ... " ( [23] ) . وقد ارتضى ابن هشام الأنصاري (ت: 671هـ) تعريفًا لا يخرج مع طوله عن التعريفات السابقة ولكنه يزيده إيضاحًا حيث قال:" أن يتقدّم فِعْلاَنِ متصرّفان، أو اسمان يُشْبِهانهما، أو فعلٌ متصرّف واسم يُشْبِهه، ويتأخر عنهما معمول غير سببي مرفوع، وهو مطلوب لكل منهما من حيث المعنى" ( [24] ) . وقد تابعه الذين جاؤوا بعده واستقرّ في كتبهم جميعًا، ويذكر عباس حسن من المُحْدَثِين عن النحاة تعريفًا شاملا وقال: " ما يشتمل على فِعْلَيْنِ غالبًا متصرّفَيْن مذكورَين، أو على اسمين يشبهانهما في العمل، أو على فعل واسم يشبههه في العمل، وبعد الفِعْلَين وما يُشْبِههما معمول مطلوب لكل من الاثنين السابقين" ( [25] ) .
يبدو لي أن هذه التعريفات التي استقرّت في مؤلفات النحو تنطلق من نقطة واحدة هي أن التنازع هو عبارة عن توجُّّه عامِلَيْنِ أو أكثر إلى معمول واحد أو أكثر.
ركنا التنازع:
للتنازع ركنان ( [26] ) :
1 الفِعْلاَن أو ما يُشبههما يسمّيان:" عامِلَيْ التنازع".
2 والمعمول يسمّى:" المتنازع فيه".
ولكل واحد من هذين الركنَيْنِ شروطٌ عامة، وهي أربعة شروط عند الجمهور:
الشرط الأول ( [27] ) :
" أن يكون بين العاملين ارتباط فلا يجوز أن نقول: (قَامَ قَعَدَ أَخُوْكَ) إذ لا ارتباطَ بين الفِعْلَيْن، ويحصل الارتباطُ بين العاملين بواحد من ثلاثة أشياء:
الرابط الأول: عطف ثانيهما على أولهما بحرف من حروف العطف، نحو أن تقول: " قَامَ وقَعَدَ أَخُوْكَ) .
الرابط الثاني: كون أولهما عاملا في ثانيهما، نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوْا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا} [الجن:7] فالعاملان المتنازعان هما (ظنوا وظننتم) ، والمعمول المتنازع فيه هو (أن لن يبعث الله أحدا) ، و (كما ظننتم) معمول ل (ظنوا) ؛ لأن الجار والمجرور صفة لمصدر يقع مفعولا مطلقًا ناصبُهُ (ظنوا) ، والتقدير: ظنوا ظنًّا مماثلا لظنكم أن لا يبعث الله أحدا.
الرابط الثالث: أن يكونَ ثاني العامِلَيْن جوابًا للأول معنويا، نحو قوله تعالى:
{يَسْتَفْتُوْنَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيْكُمْ فِيْ الكَلاَلَةِ ... } [النساء:176] ، أو صناعيًا، نحو قوله تعالى: {قَالَ آتُوْنِيْ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ... } [الكهف:96] ( [28] )
الشرط الثاني: " أن يكونَ العامِلان متقدِّمَين على المعمول، فليس من التنازع عند جمهور النحاة، نحو قولك: (زيدٌ قَامَ وقَعَدَ) ولا نحو قولك: (زيدًا لَقِيْتُ وأَكْرَمْتُ) لتقدّم المعمول في هذين المثالَيْن" ( [29] ) .
وأجاز بعض المَغَارِبَة تقدُّم المعمول على العامل، " مستدلاً بقوله تعالى: {بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَءُوْفٌ رَحِيْمٌ} [التوبة: 128] ( [30] ) ، فإن كلمة (بالمؤمنين) تتعلق ب (رءوف) وكذلك تتعلق ب (رحيم) ، فيكون من باب التنازع. وقد ردَّ الأزهري وقال: " ولا حجةَ له؛ لأن الثاني لم يجئ حتى استوفاه الأول، ومعمول الثاني محذوف لدلالة معمول الأول عليه" ( [31] ) .
" وما قاله بعض المغاربة قال به الرضي وعبارته:" وقد يتنازع العاملان ما قبلهما إذا كان منصوباً، نحو: (زيدًا ضربتُ وقتلتُ) و (بِكَ قمتُ وقعدتُ) . وتعقبه البدر الدماميني فقال: يلزم عليه إعمال الثاني تقدم ما في حيّز حرف العطف عليه وهو ممتنع" ( [32] ) .
وليس من التنازع عندهم، نحو قولك: (قَعَدَ زيدٌ وتَكَلَّمَ بخيرٍ) ، ولا نحو قولك: (لقيتُ زيدًا وأكرمتُ) لتوسُّط المعمول بين العاملين خلافًا للفارسي: " ومال المرادي في شرح التسهيل إلى جواز التنازع في التوسط والتقدم" ( [33] ) .
الشرط الثالث: أن يكون كل واحد من العاملين موجهًا إلى المعمول من غير فساد في اللفظ أو في المعنى ( [34] ) ، فلاتنازعَ في نحو قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ سَفِيْهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} [الجن::4] ، لاحتمال عمل (كان) في ضمير الشأن؛ فلا تكون متوجةً إلى (سفيهنا) ، ولم يشترط ذلك آخرون، فجوّزوا التنازع في المثال على تقدير عملها في ضمير الشأن، وهذا هو الأظهر ( [35] ) . ولا يقع التنازع في نحو قول جرير ( [36] ) :
فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيْقُ ومَنْ به وهَيْهَاتَ خلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه
خلافًا للفارسي والجرجاني ( [37] ) ؛ لأن الطالب بالمعمول وهو (العقيق) إنما هو (هيهات) الأول وأما (هيهات) الثاني فلم يؤت به للإسناد إلى العقيق، بل لمجرد التقوية والتوكيد لهيهات الأول، فلا فاعلَ له أصلاً ولهذا قال الشاعر:
فَأَيْنَ إِلَى أَيْنَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِيْ أَتَاكَ أَتَاكَ اللاَحِقُوْنَ احْبِسِ احْبِسِ
فليس كل واحد من (أتاك أتاك) موجها إلى قوله (اللاحقون) إذ لو توجه كل واحد إليه لقال: أتوك أتاك اللاحقون، أو قال: أتاك أتوك اللاحقون، بل المتوجه إليه منهما هو الأول، والثاني تأكيد له ( [38] ) .
الشرط الرابع: أن يكونَ مذكورين ( [39] ) ؛ " فلا تنازع بين محذوفين، نحو: (زيدًا) في جواب (منْ ضربتَ وأكرمتَ؟) ووجّهَ الروداني كون (زيدا) في المثال ليس من التنازع بأن الجواب على سنن السؤال، و (ضربت وأكرمت) لم يتنازعا (من) لتقدمها، بل عمل فيها الأول، وعمل الثاني في ضميرها محذوفًا فهو مثل (ضربتُ زيدًا، وأكرمتُ زيدًا) ولا تنازع في ذلك، فحينئذ يكون الجواب كالسؤال، والتقدير: (ضربتُ زيدًا، وأكرمتُ زيدًا) فذكر مفعول أحد العاملين المقدرين، وحذف مفعول الآخر: من باب دلالة الأوائل على الأواخر أو العكس لا من التنازع.
ولا بين محذوف ومذكور، لقولك في جواب هذا السؤال: (أكرمتُ زيدًا) . ( [40] )
ثم اعلم ثانيًا أن العاملين
1 إما أن يكونا فِعْلَيْن، ( [41] ) نحو قوله تعالى:
{كُلُوْا واشْرَبُوْا مِنْ رزْقِ اللهِ ... } [البقرة:60] ، وقال أيضا: {قُلْ تَعَالَوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.....} [الأنعام:151] ، وقال أيضا: {آتُوْنِيْ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف:96] .
2 وإما أن يكونا وصفَيْن (أ) إما اسمي فاعلَين، ( [42] ) نحو قوله تعالى:
{رُسُلاً مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِيْنَ لِئَلاَّ يَكُوْنَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... } [النساء: 165] ، (ب) وإما اسمَيْ مفعولَيْن، نحو قول كثير عزة:
قَضَى كُلُّ ذِيْ دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيْمَهُ وَعَزَّةُ مَمْطُوْلٌ مُعَنَّى غَرِيْمُهَا
(ج) وإما أن يكونا اسمَي تفضيل، ( [43] ) نحو: (زيدٌ أضبطُ الناسِ وأجمعُهُمْ للعلمِ) (د) وإما أن يكونا صفتَيْن مشبهتَين، ( [44] ) نحو: (زيدٌ جميلٌ ونظيفٌ ظاهرُهُ))
وكقوله تعالى: {وَإِنْ أَدْرِيْ أَقَرِيْبٌ أَمْ بَعِيْدٌ مَّا تُوْعَدُوْنَ} [الأنبياء:109] .
3 وإما أن يكونَ العامِلان مصدرَيْن، نحو قولك: (عَجِبْتُ من حبِّك وتقديرِكَ زيدًا) ، ( [45] ) ونحو قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيْ الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتَاعٌ إِلَى حِيْنٍ} [البقرة:36] ، وقال أيضا: {وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ ... } [السورة نفسها: 233] ، أو يكون ثلاثة مصادر، كقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءِ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلمُسْلِمِيْنَ} [النحل:89] .
4 وقد يكونان مختلفَيْن ( [46] ) (أ) أحدهما فعل والآخر اسم فعلٍ، نحو قوله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرُءُوْا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] ، (ب) أو أحدهما فعل والآخر اسم فاعلٍ، نحو قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّيْ فِيْ المِحْرَابِ ... } [آل عمران:39] ، (ج) أو أحدهما فعل والآخر مصدر، نحو قوله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُوْنَ} [النحل:1] ، (د) أو المتنازع فعل ومصدران، نحو قوله تعالى: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ... } [المائدة:14] .
" ويُشْتَرَطُ في الفعل زيادة على الشروط العامة التي قدّمنا ذكرها أن يكون متصرفا؛ فلا يجوز أن يكون جامدًا كعسى وليس، وفعل التعجب، ونعم وبئس، وفي هذا خلاف لبعض النحويين ...
ويُشْتَرَطُ في غير الفعل أن يكون مشابهًا للفعل في العمل، فلا يجوز أن يكون وصفًا غير عامل كاسم الفاعل واسم المفعول إذا كانا بمعنى الماضي". ( [47] )
وعُلِمَ مما قدّمنا " أن التنازعَ لا يقع بين حرفَيْن؛ لأن الحروف لا دلالةَ لها على الحدث حتى تطلب المعمولات وأجاز ابن العلج التنازعَ بين الحرفين مستدلاً بقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوْا ... } [البقرة: 24] ؛ فقال تنازع (إِنْ ولَمْ) في (تفعلوا) وردّ بأن (إِنْ) تطلب مثبتًا و (لَمْ) تطلب منفيًا وشرط التنازع الاتحاد في المعنى". ( [48] )
" ولا يقع التنازع بين حرف وغيره من فعل واسم ومن أجاز بين حرفين أجازه بين الحرف وغيره، كما نقل ابن عمرون عن بعضهم أنه جوّز تنازع لعلّ وعسى، نحو: (لعل وعسى زيد أن يخرجَ) على إعمال الثاني، (ولعل وعسى زيدًا خارج) على إعمال الأول، وردّ بأن منصوب عسى لا يحذف". ( [49] )
ولا يقع التنازع بين عاملَيْن (جامدين) ؛ لأن التنازع يقع فيه الفصل بين العامل ومعموله والجامد لا يفصل بينه وبين معموله. ( [50] )
" ولا يقع التنازعُ بين جامد وغيره من فعل أو اسم متصرف وعن المبرد في كتابه المدخل إجازته في فِعْلَيْ التعجب مع جمودهما سواء كانا بلفظ الماضي أو بلفظ الأمر فالأول، نحو: (مَا أَحْسَنَ وأَجْمَلَ زيدًا)) فتعمل الثاني في الاسم الظاهر وتعمل الأول في ضميره وتحذفه؛ لأنه فضلة، والثاني، نحو: (أَحْسِنْ بِهِ وأَجْمِلْ بعمرو) فتعمل الثاني في الظاهر المجرور وتعمل الأول في ضميره المجرور ولا تحذفه". ( [51] )
ولا يمتنع التنازعُ في السببي المنصوب، نحو: (زيدٌ ضرب وأكرمَ أخاه)) ؛ لأن السببي وهو (أخاه) منصوب بأحد العاملَين والربط موجود بالضمير المستتر، أو بالمضاف إليه السببي، ومنع الشاطبي ( [52] ) التنازع في السببي المنصوب وعلله بأنك إن أعملت الأول أو الثاني فلابد من ضمير يعود على السببي، وضمير السببي لا يتقدم عندهم عليه، قال ابن خروف: " لأنه لو تقدّم كان عوضا من اسمين مضاف ومضاف إليه وهذا مما لا سبيلَ إليه". فالوجه امتناع التنازع في السببي مطلقًا". ( [53] )
وإن كان المتنازع فيه ضميرًا منفصلاً منصوبًا، نحو: (ما ضربتُ وما أكرمتُ إلا إياك) جاز أن يكون من باب التنازع، وتكون قد حذفت المفعول مع (إلا) من الأول مع إعمال الثاني، أو من الثاني من إعمال الأول، إذ المفعول يجوز حذفه بخلاف الفاعل، وكذا المجرور المنصوب المحل، نحو: (قمتُ وقعدتُ بك) فعلى هذا يجوز التنازعُ في المضمر المنفصل والمجرور ولا سيما إذا تقدّم ذلك الضمير على العاملَيْنِ، نحو: (إياك ضربتُ وأكرمتُ) . ( [54] )
أي العاملين يعمل في حال التنازع:
اتفق البصريون والكوفيون على جواز إعمال أي العاملين شئت، ثم اختلفوا في المختار، فاختار الكوفيون إعمال الأول، والبصريون إعمال المتأخر.
" واحتجّ الكوفيون بالنقل والقياس على أن إعمال الأول أولى. أما النقل فلمجيئه في كلامهم كثيرًا، قال امرؤ القيس: ( [55] )
فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيْشَةٍ كَفَانِيْ ولَمْ أَطْلُبْ، قَلِيْلٌ مِنَ المَالِ
فأعمل الفعل الأولَ، ولو أعمل الثاني لنصب (قليلا) وذلك لم يروه أحد. وقال المرار الأسدي: ( [56] )
وسُوْئِلَ لَوْ يُبِيْنُ لنا السُؤَالاَ
فَرَدَّ عَلَى الفُؤَادِ هَوًى عَمِيْدًا
بِهَا يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدَالاَ
وَقَدْ نَغْنَى بِهَا ونَرَى عُصُوْرًا
فأعمل الأول ولذلك نصب (الخرد الخدالا) ولو أعمل الفعل الثاني لقال: (تقتادنا الخرد الخدال) بالرفع". ( [57] ) " وقال عمربن أبي ربيعة: ( [58] )
تُنْخل فاسْتاكتْ بِهِ عُوْدُ إِسْحَلِ
إذَا هِيَ لَمْ تَسْتَكْ بِعُوْدِ أَرَاكَةٍ
فرفع (عود إسحل) ب (تنخل) ولو أعمل الثاني لقال: فاستاكت بعود إسحل؛ لأن استاكت لا يتعدّى بنفسه". ( [59] ) " وقال ذو الرمة: ( [60] )
لئيما أن يكونَ أَفَادَ مالاَ
وَلَمْ أَمْدَحْ لأُرْضيه بشعري
ف (لئيما) منصوب بأمدح بدليل الإضمار في قوله: لأرضيه". ( [61] )