ــــــــــ
(1) راجع مقدمة: خزانة الأدب الكبرى، و ص 128 ج 1 من المزهر الفصل الثاني.
/ صفحة 389 /
فهم مختلفون – كما ترى – في المرويّ عن تلك القبائل على قلتها. و لخلافهم أثره العملي في استنباط قواعدهم وتدوين أحكامها و تطبيقها على ألسنة المتكلمين و أقلام الكاتبين فكيف الشأن و قد غفلوا عن أكثر القبائل، و أهملوا الأخذ عنها؛ مع مالها من تراث لغوى فياض قد تسلل الكثير منه إلى النحاة، مخالفا في بنيته ، أو ضبط حروفه، أو تركيب أساليبه لما اقتصروا عليه؟ و من ذلك ما رواه الأشموني في باب كان من قوله: (لا فرق في دخول الباء في خبر ما بين أن تكون حجازية أو تميمية كما اقتضاه إطلاقه و صرح به في غير هذا الكتاب و زعم أبو عليّ أن دخول الباء مخصوص بالحجازية و تبعه على ذلك الزمخشري و هو مردود فقد نقل سيبويه ذلك عن تميم و هو موجود في أشعارهم (كقول الفرزدق: لعمرك ما معن بتارك حقه.)
فلا التفات إلى من منع ذلك).
* * *
و بديه أن لغات القبائل الست و لهجاتهم لا تحوى جميع اللغات و اللهجات في باقي القبائل الكثيرة فذلك ينافي طبيعة اللغة و يعارض القانون الواقعي الذي تسير عليه في نشأتها و تدرجها و تفرعها(2) و مهما تميزت به القبائل الست من القوة و الجاه و النفوذ و بسطة الرقعة – في رأي الرواة – فلن تغير من طبيعة الأشياء و لا من الواقع المشاهد.
من هنا ندت كلمات أصيلة، و أساليب كثيرة صحيحة عما جمعه اللغويون. وفاتهم ذخر لغوي وافر؛ بسبب اقتصارهم في جمع اللغة على بعض القبائل دون بعض بل على القليل دون الكثير؛ و من ثم فات الرعيل أول من النحاة كثير من منابع الأخذ و مراجع الاستنباط كشفت عنهاالأيام بعد ذلك فأثبتت تقصير اللغويين و قصور النحو المؤسس على ما جمعوه، و وقعت بسبب ذلك كله ملاحم و اتهامات بين الشعراء (3) و النحاة المؤيدين من رجال اللغة إذ يقع في كلام أولئك ما لا يرضاه
ــــــــــ
(2) راجع نشأة اللغة و تدرجها في ص 8 من كتاب: بعض الأصول النحوية و اللغوية.
(3) كالذي كان بين الفرزدق و بينهم أو بين بشار كذلك أو المتنبي.
/ صفحة 390 /
هؤلاء. يصفونه بالخطاء و الخروج عن المأثور المنقول فيدفع الشعراء التهمة بأنها وليدة جهل، أو قصور في المواهب، أو في الاستقصاء و يستنبط النحاة مما تهيأ لهم قاعدة عامه (كتجريد الفعل المسند للظاهر من علامة تثنية أو جمع) فيفاجئون بنصوص عربية تخالف ذلك. و يقررون أن المبتدأ لا يكون نكرة و أن الحال لا يكون معرفة و أن التمييز لا يتقدم على عامله و أن المستثنى بإلا في كلام تام يجب نصبه و أن فاعل نعم و بئس لايكون علما و … و … و … فتدهمهم الأمثلة التي تعارضهم. فماذا يصنعون؟ يلجئون إلى التخلص من هذا الضيق بتأويل تلك الأمثلة، أو وصفها بأنها شاذة، أو نادرة، أو قليلة، أو مخطيء صاحبها … أو ماشاءوا من مثل هذه الأسماء التي أصيبت بما أصيب به النحو عامة من اختلاف في تحديد أحكامه، ومرامي قواعده. و نالها ماناله من تفرق في الرأى؛ و اضطراب في الدلالة؛ إذ لم يتفقوا – حتى اليوم – على تعريف هذه الأشياء تعريفا دقيقا و بيان أحكامها في وضوح و ضبط فما الكثير؟ و ما القليل؟ و ما الشاذ؟ و ما النادر؟ … و ما حدّ كل واحد من هذه الألفاظ و أمثالها؟ و من هنا صح ما يقال: إن اللغويين أصحاب الفضل الأول على النحويين، و إنهم كذلك أهل الإساءة الأولى للنحو و النحاة. و هؤلاء و هؤلاء قد أحسنوا أيما إحسان إلى العربية و الناطقين بها و إن كانوا قد مزجوا إحسانهم بإساءة، و خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا.
و غريب أى غريب أن يغفل جامعوا اللغة عن ذلك، و أن يشركهم في الغفلة النحاة مع ما امتاز به الفريقان من أصالة رأى، و ثاقب فكر، و ناجح تدبير، و لا يشفع للغويين أن يقال في الدفاع عنهم إنهم اقتصروا على القبائل الست لأنها – في زعمهم – التي صحت ألسنتها من هجنة العجمة ، و احتفظت بنفسها و لغتها عن الأجنبي و الدخيل (فلم يأخذوا عن حضري قط، و لا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم ، فإنه لم يؤخذ: لا من لخم و لا جذام لمجاورتهم أهل مصر و القبط، و لا من قضاعة و غسان و أياد لمجاورتهم أهل الشام، و أكثرهم نصارى يقرءون بالعبرانية، و لا من تغلب و اليمن فإنهم كانوا بالجزيرة
/ صفحة 391 /
مجاورين لليونان، و لامن بكر لمجاورتهم للقبط و الفرس، و لا من عبد القيس و أزد عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند و الفرس، و لا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، و لا من بني حنيفة و سكان اليمامة، و لا من ثقيف و أهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، و لا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم و فسدت ألسنتهم. و الذي نقل اللغة و اللسان العربي عن هؤلاء و أثبتها في كتاب فصيرها علما و صناعة هم أهل البصرة و الكوفة فقط من بين أمصار العرب)(4).
فهذا دفاع واهن غاب عن أصحابه ما غاب عن جامعي اللغة أن هذه قبائل عربية أصيلة، و أنها تملك من اللغة أضعاف ما تملكه القلة المحصورة في الستة، و أنه لا يعيبها أن تسكن الحضر و أطراف البلاد و تقارب الأعاجم و النصارى هناك، ذلك أنها بحكم أصالتها العربية، و أنها من أهل شبه الجزيرة الخلص تملك أن تنشيء الكلمات إنشاء و تخترعها ابتداء؛ بل لكل فرد منها ذلك ما دام بعيدا عن التجريح (أي ليس متهما بالغفلة أو الجنون أو الكذب أو المرض المذهل) و لها أن تأخذ من لغات العجم ما تشاء فتنقله إلى لغتها باسم المعرب أو غيره من الأسماء، و إلا فكيف خلقت الألفاظ العربية الصحيحة أول ما خلقت؟ و كيف دخلت الألفاظ المعربة في حوزة العربية و اندمجت مع أخواتها العربيات، و نطق بها خلصاء العرب القدامي، و نزل بها القرآن في آيات كثيرة و مواضع متعددة لأمم أعجمية مختلفة بين فارسية و حبشية و يونانية؟ كيف نوفق بين استبعاد تلك القبائل العربية الكثيرة و إباحة خلقها الكلمات ابتداء، و ابتكارها ما تشاء منها؟
كيف نوفق بين استبعادها عن ميدان الاستدلال بلغتها و كلامها من أجل تلك التعلة الواهية التافهة – و وجود المعرب الذي جرى على لسان العرب جميعا و بتخلل أبلغ كلام عربي مبين و هو القرآن الكريم؟ إن وجود المعرب أقطع دليل على أن العرب الناطقين به عاشروا العجم طويلا أو قصيرا و أخذوا عنهم بعض لغتهم بسبب
ــــــــــ
(4) الألفاظ و الحروف لأبي نصر الفارابي (عن ص 128 ج 1 من المزهر).
/ صفحة 392 /
هذه المعاشرة أو بغيرها من الأسباب فارتضوه و قبلوه و أدخلوه في لغتهم و أجروه على لسانهم و أخذ مكانه من القرآن و غيره فليس مقبولا و لا معقولا بعد ذلك أن نرفض كلاما عربيا من إحدى القبائل بشبهة مهلهلة هي شبهة اتصالها بالأعاجم اتصالا قد يغريها بأخذ بعض ألفاظ أعجمية زوجّها في غمار العربية. على أنا نعلم أن بعض القبائل الست اتخذ له رحلات رتيبة إلى أطراف شبه الجزيرة شمالا حيث الرومان و السريان و بعض الناطقين بالعبرانية و جنوبا حيث النزلاء من الهنود و الفرس و اليونان. فقد كانت قريش (و هى أظهر تلك القبائل و أعظمها) ترحل كل عام رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام و تقيم فيهما و تخالط أهلهما ما شاءت لها دواعى التجارة و أسباب الحياة و كذلك كان بعض القبائل الأخرى يرحل إلى أطراف البلاد الشرقية حيث الفرس و حيث إخوانهم الذين أخضعهم الفرس لسلطانهم حينا من الزمان فليس من النصفة أن نفرق بين القبائل العربية في الحكم اللغوي و نجعلها درجات بعضها فوق بعض في الوقت الذي يسجل فيه أعلام الأئمة أن العرب الخلص سواسية من حيث صحة كلامهم و الاستشهاد بلغتهم لا فضل لأحدهم على الآخر من هذه الناحية و ليس بينهم فاضل و لا مفضول فكلهم في هذا سواء. و إذا انفردت قبيلة أو عربي أمين بكلمة أو أكثر لم يسعنا إلا قبول ما انفرد به، و لم يجز لنا الرفض أو التجريح؛ يقول بذلك ابن جنى و أبو حيان و أبو عمرو و ابن فارس و الشافعي و غيرهم ممن تصدوا لبحث هذه المسألة فقد انتهوا فيها للرأى السالف الذي سجلناه في بحث آخر.