من تجليات البيان القرآني في قوله تعالى:(قالوا لَئِن لَم تَنتَهِ يا نوحُ لَتَكونَنَّ مِنَ المَرجومينَ)
د. أحمد محمود عبد القادر درويش
هنا سؤالان اثنان
الأول : لمَ قالوا يا نوح ، مع جواز حذفه ؟
الثاني : لمَ قالوا ( لتكونن من المرجومين ) ولم يقولوا ( لتكونن مرجوما ) ؟
أما الأول : فقد قالوا ( يا نوح ) وذلك لسوء أدبهم وجفائهم وقلة حيائهم ( كما يقول المفسرون ) نادَوه باسمه مجردا ، ولم يوقروا ، كما استخدموا أداة النداء التي للبعيد ( يا) ؛ إيماء إلى شدة بُعدهم عن دعوته ، وتغيظهم من نشاطه وحركته ، فهو لا يني ليلا ولا نهارا ...مع العلم أنا لو قلنا بدلالة القرب في ( يا ) وهو جائز أيضا ، فهو قرب مكان لا مكانة ، فهم في الأخير غير مؤمنين ولا مصدقين ...
هذا ، وقد استنبط العلماء ضرورة تكريم أصحاب العلم والدين ، لأنه لا أحد يضارعهم ولو عند ندائهم ...
أما الثاني : فالرجم هنا أسوأ قتلة وأقبحها كما قال المفسرون ، وقد قالوا ( لتكونن من المرجومين ) لا ( لتكونن مرجوما) ؛ وعيدا له وتخويفا ، وكأنهم يقولون : لست أول من يُرجم ، ولن تكون آخرَهم ؛ فقد سبقك كثيرون قد رجموا وأهينوا ، فإن لم تنته يا نوح فإنك ستكون واحدا من هؤلاء المرجومين ، وهذا دليل على عراقتهم في التنكيل والتعذيب والقتل ؛ ف (من )؛التبعيضية رسمت صورة لجمع مرجوم ، وهو واحد منهم ؛ تقليلا من شأنه ومكانته ...
غير أن التعبير لو خلا من (من) فصار ( لتكونن مرجوما )، فلن يرسم صورة التخويف في ذهنه ؛ لأنه لن يتخيل كيفية الرجم ، فلن يخاف أو يرعوي ، لكن عرض صور المرجومين قبله ، فيه من الزجر والتخويف ما فيه ...
ولم يكن هذا شأنَ نوح وحده ، فكثيرون قيل لهم ( من المسحرين ) ( من المخرجين ) ...
وليُقَس ما لم يُقَل ... كما قال ابن مالك
اللهم علمنا القرآن ، واجعلنا من أهله