عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-13-2017 - 04:30 PM ]



2-موقف السيوطي التطبيقي من الأغلاط اللغوية:
اعتقدت أول وهلة أن السيوطي ترجح في موقفه التطبيقي كما ترجح في موقفه النظري. بيد أنني انتهيت من فحص الأغلاط اللغوية التي ذكرها إلى شيء آخر مختلف. وهذا بيان بموقفه التطبيقي من الاحتجاج بالقرآن والحديث وكلام العرب، يقود إلى النتيجة التي انتهيت إليها.

أ-الموقف التطبيقي من الاحتجاج بالقرآن الكريم:
احتج السيوطي في كتاب الاقتراح بتسع عشرة آية من القرآن الكريم، وردت إحدى عشرة آية منها في الصفحات الأربع التي تحدث فيها عن الاحتجاج بالقرآن، ووردت ثماني آيات في أمكنة متفرقة من الكتاب. وهذا يعني أن السيوطي لم يكثر من الاحتجاج بالقرآن، بل كان مقلاً فيه. وإذا أنعمنا النظر في الآيات التي احتج بها لاحظنا أنه لم يكن يوضح أحياناً موضع الشاهد وطبيعة الآية المحتج بها. فقد احتج بقوله تعالى: )استحوذ عليهم الشيطان( (33) مرتين (34)، مكتفياً بالإشارة إلى أن فعل (استحوذ) مسموع يُحتج به ولا يُقاس عليه.

وكأن السيوطي يعتمد على معرفة القارئ بأن واو (استحوذ) وردت في الآية على الأصل من غير إعلال كما هي حال أخواتها (استقام واستباع). كذلك الأمر بالنسبة إلى الآية (ويأبى الله إلى أن يُتم نوره) (35). فقد ذكرها مثالاً على المسموع الذي يُحتج به ولا يقاس عليه، معتمداً على أن القارئ يعلم أنه لم يجئ عن العرب فِعْلٌ على فَعَلَ يَفْعَل، مفتوح العين في الماضي والمضارع، إلا ثانيه أو ثالثه أحد حروف الحلق (الهمزة –الهاء –العين –الغين –الحاء –الخاء) غير أبي يأبى.

بيد أن الاتجاه العام لدى السيوطي هو تقديم إشارة موجزة إلى موضع الشاهد في الآية. فقد ذكر قوله تعالى (فبذلك فلتفرحوا) (36) دليلاً على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب (37). كما ذكر قوله تعالى (ولنحمل خطاياكم) (38) دليلاً على إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بالنون. وحرص في أثناء هذه الإشارة الموجزة إلى موضع الشاهد على أن ينص على أن القراءة شاذة في الآية الأولى ومتواترة في الثانية.

وقد لاحظت أن الآيات التي احتج بها السيوطي هي الآيات التي احتج سابقوه بها على الأمور نفسها. وذلك يعني عندي أنه لم ينقل آراء سابقيه فحسب، بل تطبيقاتهم أيضاً. ولعل الآيات التي أغفل السيوطي موضع الاحتجاج فيها وردت لدى سابقيه غفلاً من توضيح موضع الشاهد، والآيات التي وضح موضع الشاهد فيها وردت لدى سابقيه مقترنة بالتوضيح نفسه. ففي كتاب الاقتراح دليل على أن ابن جني هو الذي أستشهد بالآية الكريمة )استحوذ عليهم الشيطان( على المسموع الذي يُحتج به ولا يقاس عليه (39). وقد توفي ابن جني عام 932ه‍كما هو معروف. كما أن ابن مالك (المتوفى عام 672ه‍) لم يكن أول من احتج بالآية (وتساءلون به والأرحامِ) (40) على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، بل سبقه إلى ذلك الفخر الرازي (41) ولم يكن ابن مالك نفسه أول من احتج بالآية ( قتل أولادهم شركائهم (42) على جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، بل سبقه إلى ذلك ابن الأنباري (المتوفى عام 577ه‍) في كتابه المعروف (الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين) (43). وهذا يعني أن السيوطي لم يكن محقاً حين نص على أن المتأخرين، ومنهم ابن المالك، ردوا على مَنْ عاب قراءة عاصم وحمزة وابن مالك. كما أنه لم يكتف بنقل آراء سابقيه، بل نقل الآيات التي احتجوا بها، وتبعهم في إغفالهم توضيح موضع الشاهد حيناً وذكره أحياناً. وهذا ما يجعل موقفه التطبيقي من الاحتجاج بالقرآن الكريم سبيلاً إلى الشك في موقفه النظري نفسه، والمراد هنا أنه لم يذكر في أثناء إيراده رأيه النظري أنه نقل من سابقيه حرفاً، ولكن موقفه التطبيقي دل على أنه نقل الآيات التي احتج بها سابقوه، فهل يعني ذلك أنه نقل الآراء وشواهدها معاً؟ أكاد أعتقد ذلك. ومهما يكن الأمر فإن عدد الآيات التي ذكرها السيوطي في الاقتراح قليل جداً، لا يوازي حماسته للاحتجاج بالقرآن الكريم.

ب-الموقف التطبيقي من الاحتجاج بالحديث الشريف:

أعتقد أن موقف السيوطي التطبيقي من الاحتجاج بالحديث الشريف يختلف عن موقفه النظري. فقد أكثر من الاحتجاج بالحديث في المزهر والأشباه والنظائر في النحو، واكتفى في الاقتراح بالاحتجاج بتسعة أحاديث. ويهمني القول إنه وظف الأحاديث التي احتج بها لأغراض عدة، أبرزها الدلالة على أن الرسول r أول من استعمل بعض العبارات الفصيحة، كقوله: "مات حتف أنفه، حمي الوطيس، لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين(44). كما احتج بالحديث الشريف للدلالة على أصل في اللغة والنحو، كما فعل في الأشباه والنظائر في النحو حين تحدث عن الإتباع. إذ احتج بستة أحاديث (45) وفي الاقتراح حين تحدث عن أن اللهجات على اختلافها حجة (46).

كما التفت السيوطي أحياناً إلى أحاديث شريفة احتجّ اللغويون بها على صحة تركيب نحوي. من ذلك مثلاً (47) ما روى أبو حيان عن أن ابن مالك استشهد على لغة "أكلوني البراغيث" بقول الرسول الكريم r: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". فقد وهن السيوطي لغة أكلوني البراغيث بإيراده رواية البزّار (المتوفى عام 583ه‍) للحديث، وهي رواية تُعنى بذكر بداية الحديث الشريف نفسه، وهي: "إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". وعلى الرغم من أن السيوطي لم يوضح مراده من رواية الحديث كاملاً، فإن عمله يدل على قاعدة لغوية مهمة، هي عدم الاكتفاء بالكلام الأبتر، ووجوب العودة إلى مظانه إن كان شعراً، ومعرفة ما قبله وما بعده إن كان نثراً (48). وقد أورد السيوطي الرواية التي ذكرها البزّار للحديث الشريف ليقول بشكل غير مباشر إن واو (يتعاقبون) لا ترجع إلى (ملائكة) التي بعدها، بل ترجع إلى (ملائكة) التي قبلها، وبذلك يُنْفى الشاهد النثري على صحة لغة (أكلوني البراغيث)، وتبقى هذه اللغة مقصورة على الضرورات الشعرية.

إن إكثار السيوطي من الاحتجاج بالحديث الشريف يدل على شيء مغاير لما نص عليه في موقفه النظري. فالأحاديث الشريفة المروية بلفظ النبي r كثيرة جداً، حفظتها لنا كتب الحديث، وبذل العلماء في جمعها والتدقيق فيها الوقت والجهد لأنها أكثر كلام العرب فصاحة بعد القرآن الكريم.

ج-الموقف التطبيقي من الاحتجاج بكلام العرب:

لا أشك في أن موقف السيوطي التطبيقي من الاحتجاج بكلام العرب أكثر وضوحاً وتحديداً. ذلك لأنه لم يكن في حديثه عن الاحتجاج بالقرآن الكريم والحديث الشريف مضطراً إلى تخطئة شيء وتصويب آخر. أما كلام العرب ففيه من الاستعمالات اللغوية ما يدفع السيوطي إلى تطبيق معايير الصواب التي استقر عليها اللغويون العرب. فقد جعل النوع الخمسين من أنواع المزهر خاصاً بمعرفة أغلاط العرب (49). وسبق القول إنه نقل الأغلاط من سبعة كتب ليس بينها كتاب خاص باللحن. ويمكنني القول إن الأغلاط التي ذكرها في هذا النوع قسمان: قسم يتعلق بالنثر وقسم يتعلق بالشعر، وسأناقش نماذج من هذين القسمينبغية توضيح الموقف التطبيقي من كلام العرب.

ذكر السيوطي نقلاً عن الخصائص لابن جني أن همز (مصائب غلط، فقال: "ذلك أنهم شبهوا مصيبة بصحيفة، فكما همزوا صحائف همزوا أيضاً مصائب. وليست ياء مصيبة بزائدة كياء صحيفة، لأنها عين عن واو، وهي العين الأصلية، وأصلها "مصوبة" لأنها اسم فاعل من أصاب. وكأن الذي سهل ذلك أنها وإن لم تكن زائدة فإنها ليست على التحصيل بأصل، وإنما هي بدل من الأصل، والبدل من الأصل ليس أصلاً فهو مشبه للزائد من هذه الحيثية فعومل معاملته" (50). وقد اكتفى السيوطي بنقل ما ذكره ابن جني في الخصائص من غير أن ينص صراحة أو ضمناً على اختلافه معه. وهذا يعني أنه متفق معه على أن (مصائب) غلط لغوي. ولكنه في مكان آخر من المزهر وافق على ما ذكره الجوهري في الصحاح من أن (مصائب) صحيحة اجتمعت العرب على همزها (51). أي أنه في كتاب واحد هو المزهر نص على أن كلمة (مصائب) غلط وصواب، فكيف يستقيم هذا الحكم؟ إن المقبول لديّ هو أن السيوطي لا يملك معياراً للصواب يستند إليه في تخطئة كلام العرب وتصويبه، بل يملك القدرة على أن ينقل كلام سابقيه من غير أن يمحص التناقض الذي ينجم عن النقل من مصادر مختلفة.

والدليل على أنه لا يملك معيار للصواب هو استعماله معيارين متباينين، أولهما معيار ابن جني، وهو معيار يستند إلى القاعدة الصرفية الخاصة بصيغة منتهى الجموع. ولهذه القاعدة أوزان، منها وزن "مفاعل" الذي نجمع عليه الكلمات المبدوءة بميم زائدة. وتنص هذه القاعدة (52) على أنه إذا كان الحرف الثالث من الكلمة حرف مد منقلباً عن أصل، كما هي حال كلمة مصيبة، رددناه إلى أصله فقلنا بالنسبة إلى مصيبة "مُصَاوِب" لأن أصل الياء فيها واو، ولا يجوز قلب حرف المد همزة لأنه غير زائد. القياس إذن هو المعيار الصرفي الذي استند إليه ابن جني في تخطئة (مصائب)، وحين وافقه السيوطي على تخطئة (مصائب)، عبّر عن تشبثه بالمعيار نفسه.

ثاني المعيارين هو معيار الجوهري. فقد حكم السيوطي على (مصائب) بالصواب نقلاً عن الصحاح للجوهري وهو في حكمه الجديد استند إلى معيار آخر مفاده أن اجتماع العرب حجة (53). واجتماع العرب يعني (السماع)، والسماع أقوى من القياس وسابق عليه كما قرر السيوطي نفسه في الاقتراح والمزهر (54).

استعمل السيوطي معياري السماع والقياس في الحكم على (مصائب)، وهما معياران متناقضان بالنسبة إلى هذه الكلمة، لأنها مطردة في الاستعمال شاذة في القياس (55). وهذا يدل على ازدواجية المعيار لديه، كما يدل على أنه لا يملك تطبيقاً. ويمكنني تعزيز هذه الدلالة بالقول إن موقف السيوطي من كلمة (مصائب) يذكرنا بحماسته للاحتجاج بقراءات القرآن الكريم كلها.

فقد "تواترت القراءة عن نافع المدني وابن عامر الدمشقي، وهما إمامان عظيمان من أئمة القراء، في قوله تعالى :)وجعلنا لكم فيها معائش( بالهمز، وهي غير قراءة الجمهور (56). ولكنها قراءة تدل على أن وزن (فعائل) في صيغة منتهى الجموع ليس مقصوراً على المفرد الذي يضم حرف علة زائداً، بل يشمل معاملة الحرف الأصلي معاملة الزائد إذا كان شبيهاً به في اللفظ (57). وقد تواتر السماع عن العرب بالنسبة إلى لفظتي (مصائب ومنائر)، وهما مثل (معائش) في أن همزتها منقلبة عن حرف أصلي. ولو كان للسيوطي موقف تطبيقي لاحتج بقراءة نافع وابن عامر على صحة معائش ومصائب ومنائر، ولكنه –كما هو واضح –نسي ما كان قرره من ضرورة الاحتجاج بقراءات القرآن كلها حين حكم على (مصائب) بالغلط وهي مثل (منائر ومعاش).

قل الأمر نفسه بالنسبة إلى (حلأتُ السّويق ورثأتُ زوجي واستلأمتُ الحجر ولبّأتُ بالحج). فقد حكم السيوطي على هذه الألفاظ بالغلط (85) نقلاً عن ابن جني. ثم حكم عليها في مكان آخر بالصواب (59) نقلاً عن الصحاح للجوهري. وهذا تعزيز آخر لازدواجية المعيار لدى السيوطي، وهو تعزيز يرسخ القول بافتقار السيوطي إلى موقف تطبيقي من الأغلاط اللغوية. ولئلا يعتقد أحد أن حكمي على السيوطي نابع من الأمثلة السابقة وحدها فإنني سأذكر مثالاً آخر من النثر يقود إلى الدلالة نفسها.

فقد قصر السيوطي النوع الثاني عشر من أنواع كتاب المزهر على معرفة المطرد والشاذ، وافتتحه ينص من كتاب الخصائص لابن جني (60) يضم الأنواع الأربعة للمطرد والشاذ. وكرر النص نفسه في الاقتراح (61) وفي الأشباه والنظائر في النحو (62)، ملتزماً بالأمثلة التي ساقها ابن جني، ومنها فعلاً (يذر) و(يدع) المذكوران في النوع الثاني المطرد في القياس الشاذ في الاستعمال. وقد منع ابن جني استعمال الماضي من هذين الفعلين لأن العرب لم تستعملها (63). ولم يعلق السيوطي على هذا الأمر بشيء، وهذا يشير إلى موافقته على تخطئة ماضي يذر ويدع استناداً إلى معيار السّماع. ولكن العرب، كما يقول الأستاذ سعيد الأفغاني (64)، استعملت (وذر) و(ودع). فقد قرأ عروة بن الزبير وابنه هشام الآية الكريمة )ما وَدَعَك ربك وما قلى( بالتخفيف. وورد فعل (ودع) في حديثين شريفين هما (لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات) و (إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره). كما ورد فعل (ودع) في بيت شعر منسوب لأبي الأسود الدّؤلي، هو:

ليت شعري عن خليلي ما الذي * غاله في الحب حتى ودعه

وفي بيت شعر آخر لشاعر مجهول:

وثم ودعنا آل عمرو وعامر * فرائس أطراف المثقفة السمر

وورد الفعل أيضاً في المصباح المنير للفيومي (ودعته أدعه وَدْعاً: تركته). وهذا يعني أن السيوط نقل كلام ابن جني من غير أن ينعم النظر فيه. كما يعني ذلك أن عِلم السيوطي بالعربية لا يرقى إلى المرتبة التي ادعاها لنفسه.

ويقودنا ذلك إلى أن السيوطي لا يملك موقفاً تطبيقياً من الأغلاط اللغوية لأنه يفتقر إلى معيار يستند إليه في تصويب النثر وتخطئته، وإلى المعرفة اللغوية التي تعينه على ذلك. وما من شك في أن توافر هذين الأمرين يجعله ذا رأي، ويحجب عن كتبه تباين الآراء وتناقضها.

وقد يبدو موقف السيوطي من الاحتجاج بالشعر العربي مختلفاً أوّل وهلة، ولكن فحص هذا الموقف يقود الباحث إلى النتيجة السابقة نفسها. ذلك أن الشعر الذي احتج به سابقوه على الشيء نفسه. والأبيات التي خطّأ شيئاً فيها هي الأبيات التي خطّأها سابقوه. وهذه أبيات أربعة توضح موقف السيوطي من الاحتجاج بالشعر العربي:

ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد

نقل السيوطي (65) هذا البيت من كتاب "الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس (66) على أنه غلط أبته العربية، من غير أن يوضح موضع الشاهد فيه.

سيغنيني الذي أغناك عني * فلا فقر يدوم ولا غناء

لم يكتف السيوطي بنقل هذا البيت من كتاب (المقصور والمدود) لأبي علي القالي، بل نقل معه ما ذكره أبو بكر الأنباري عن البيت، وما ساقه القالي من تعليق على كلام الأنباري، قال: "أخبرني أبو بكر الأنباري قال: أنشد بعض الناس قول الشاعر:

سيغنيني الذي أغناك عني * فلا فقر يدوم ولا غَناء

(بفتح الغين)، وقال: الغَناء: الاستغناء، ممدود، وقوله عندنا غلط من وجهين. وذلك أنه لم يروه أحد من الأئمة بفتح الغين، والشعر سبيله أن يحكى عن الأئمة كما تحكى اللغة. ولا تبطل رواية الأئمة بالتظنّي والحدس. والحجة الأخرى أن الغَناء على معنى الغنى، فهذا يبين لك غلط هذا المتقحم على خلاف الأئمة" (67).

وإنني حيثما يسري الهوى بصري * من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور

نقل السيوطي (68) هذا البيت من كتاب الخصائص لابن جني (96) على أنه شاهد على "أنك متى أشبعت ومطلت الحركة أنشأت بعدها حرفاً من جنسها" (70)

أردت لكيما أن تطير بِقرْبَتي * فتتركها شنّاً ببيداءَ بلقعِ

نقل السيوطي (71) هذا البيت من كتاب التعليقة لابن النحاس على أنه شاهد ساقه الكوفيون على جواز إظهار (أنْ) بعد (كي) (72). وذكر السيوطي تخطئة ابن الأنباري (73) هذا البيت لأن قائله مجهول غير معروف.

هذه أربعة أبيات حكم السيوطي بتخطئتها، ولكن حكمه يحتاج إلى مناقشة. فقول قيس بن زهر العبسي (ألم يأتيك) غلط كما ذكر السيوطي نقلاً عن ابن فارس، ولا يصح أن يحتج به على الفعل يُرفع بعد (لم). ولكن الغلط لا يرجع إلى مجافاة البيت سنن العربية، بل يرجع إلى أنه ضرورة شعرية ارتكبها الشاعر حين كان الشعر يُرتجل (74). والفرق بين الخروج على سنن العربية والضرورة الشعرية كبير، ولكن النحاة الكوفيين اتخذوا من البيت حجة للدلالة على إشباع الحركات. أي أنهم أرادوا أن يثبتوا قاعدة نحوية فالتمسوا لها من الشعر العربي شاهداً هو بيت قيس. ولا حاجة إلى بذل الجهد في تعليل (ألم يأتيك) كما فعل محمد محيي الدين عبد الحميد في أثناء تعليقه على البيت (75).

فالأمر لا يخرج عن أن الضرورة الشعرية القبيحة دفعت قيساً إلى إبقاء الياء وعدم حذفها بعد (لم). وهذا يعني أن السيوطي نقل تعليل ابن فارس من غير أن يدرك الفرق بين الضرورة الشعرية وما يلجأ إليه الشاعر اختياراً.

أما البيت الثاني (سيغنيني... ولا غناء) فقد ذكره السيوطي في المزهر على أن (غَناء) بفتح الغين شاهد على تحريف الرواة رواية الشعر. والمتهم بتحريف الرواية هنا هو أبو بكر الأنباري، وقوله: "الغَناء: الاستغناء، ممدود" غلط في رأي القالي، لأن أحداً من الأئمة لم يروه بفتح الغين، ولأن "الغَناء على معنى الغِنى" غلط أيضاً، ولكن السيوطي ذكر البيت نفسه في الاقتراح (76) دليلاً على اختلاف الرواية. فالكوفيون احتجوا به على جواز مد المقصور (غنى –غِناء بكسر الغين). وأبطل البصريون حجة الكوفيين بقولهم إن رواية البيت بفتح الغين، ولفظه "غناء" ممدودة. ومهما يكن الأمر فإن السيوطي قدّم رأيين متناقضين يستندان إلى معيارين مختلفين، فدل بذلك على أنه لا يملك موقفاً تطبيقياً. ذلك أن الثابت هو رواية البيت بكسر الغين وفتحها. وقد روته المعجمات على هذا النحو، فنص ابن المنظور في لسان العرب على أن من رواه بالكسر أراد مصدر غانيته أي فاخرته بالغنى (77)، ومن رواه بالفتح أراد الغنى نفسه. فالغنى والغَنا واحد في المعجمات العربية (78). كما أن أبا بكر الأنباري الذي روى البيت كان من أعلم الناس وأفضلهم في نحو الكوفيين، وأكبرهم حفظاً للغة. أخذ عن ثعلب. وكان ثقة صدوقاً. توفي عام 271ه‍. وقد حرص السيوطي على أن تتوافر هذه الصفات في اللغوي (79)، ولكنه ساق اتهام القالي على عواهنه من غير تعليل، على الرغم من أن انعام النظر يقوده بيسر إلى أن كلام أبي بكر سليم لاشية فيه. ومن ثم كان عليه أن يتخذ البيت حجة على أن (الغِنى والغَناء) بمعنى واحد، وأن يكون ذلك مناسبة للقول أن الشعر لا يُرفض إذا كان قائله مجهولاً وراويه ثقة.

أما البيت الثالث المنسوب إلى إبراهيم بن هرمة فليس شاهداً على إشباع الحركة، ولا يجوز بناء قاعدة نحوية استناداً إليه، لأن الشاعر قال: (فأنظور) اضطراراً ولم يقل ذلك اختياراً. وهذا البيت يعزز ما لاحظناه من أن السيوطي لا يميز بين الضرورة الشعرية وغيرها. والغريب أنه نقل في الاقتراح (80) عن منهاج البلغاء أن قول الشاعر (فأنظور) ضرورة مستقبحة.

***


رد مع اقتباس