عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,076
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-13-2017 - 04:02 PM ]


النشاط البحثي, وأثره في تطوير درس العربية بما يسهم في تجذير الهوّيّة:
نحن لو ألقينا نظرة عجلى على نتاج البحث اللغويّ, والبحث هو منطلق التطوير والتجديد, وطرح التنظير للفحص والاختبار, وموطن الممارسة التطبيقية للتنظير؛ فكل الأعمال البحثية إلا ما ندر لا تخرج في غايتها عن تجميع مفترق, وتفريق مجتمع, وهي في مجملها إعادة, لا تحمل فكرًا جديدًا, ولا إبداعًا علميًّا, فهي ما بين تصنيف مدرسيّ, أو كتابة موسوعيّة, أو مختارات علمية, أو شرح مختصر, أو اختصار مطوَّل, و لا تعدو في أحيانٍ أخرى نشرًا يسمّى تحقيقًا, أو نقلاً يسمّى ترجمة, وهذا الأمر أو الشأن يتساوى فيه, الباحثون المبتدئون من طلاّب المرحلة الجامعية والدراسات العليا والباحثون المبرِّزون – كما يرون أنفسهم – من أساتذتهم ومشرفيهم.

إن البحث العلميّ في برامج الدراسات العليا أو أعمال أعضاء هيئة التدريس يجب أن يكون همّه الأوّل تطوير برامج اللغة العربية, والانتقال بها من حال إلى حال, وما لم يتوفّر هذا الأمر فعلينا ألا نسرّ بكثرة ما ننتج, ولا بوفرة ما نكتب, إلا بمقدار ما تمنحه لكاتبها من فرحة التخرّج, والشعور بالغبطة بإكمال مرحلة, والتهيُّؤ لمرحلة أخرى, وإلا تغييرًا في لقبٍ, وزيادة في الراتب, وامتلاءً خادعًا يخفي وراءه ضحالة الفكر, ورداءة النتاج, والعجز عن الإضافة والإبداع, والتخاذل عن الإصلاح وحمل الهمِّ, وتوظيف النواتج فيما يعود على تلك البرامج بالفائدة, وإلا الانصراف عن تنمية الذات, وانعدام ما يمكن أن نقدِّمه لمن يحسن الظنّ بهذه الفئة.

وهل مثل هذه الأعمال والأنشطة البحثية تسهم في تجذير الهوّيّة, وهل تسهم في نقلنا من التعليم الشكلي إلى تعليم يبني الهوّيّة, معلمه يحمل همًّا, وتلميذه يتّقد ذكاءً وحماسة, وتفكيرًا وإبداعًا. وهل تسهم هذه الأعمال بطريق مباشر أو غير مباشر في تكوين الهوّيّة. بل هل لدينا في برامجنا ما يوجّه شطرًا من أعمالنا ومشاريعنا البحثية إلى الأمور الإستراتيجية, في زمن العولمة, وصراع الهوّيّة.

إن البحث العلمي في اللغة العربية, وآدابها, فلسفة وتنظيرًا, ممارسة وتطبيقًا يجب توجيهه أو توجيه جزءٍ منه على الأقلّ إلى تجذير الهوّيّة العربية, وغرس قيم الحب, والولاء, والانتماء, والاعتزاز, بهذه اللغة, وتطوير الأساليب التي تؤثِّر في هذا الغرس, من تنويع لأساليب درس العربية, ومن تقديمها بطريقة لا تختزل فيها العربية بالإعراب والقواعد، تنويع في الميادين, وتنويع في الطرح, وتنويع في الموضوعات, والاهتمامات, وتغيير في الأولويّات؛ فاللغة أكبر من أن تختزل في شكليّات, وأوسع ميدانيّا ممّا يرسمه المحافظون والتقليديّون؛ فاللغة إلى جانب كونها معارف وشكليّات هي مهارات, كما هي قيم, وهي فكر وتنظيم, كما هي فلسفة, وهي انتماء, كما هي إطار هوِّيّة, بل هي الهوِّيّة, وهي مضامين, كما هي أشكال, وهي كلٌّ لا يتجزأ, وأجزاء لا تتنافر, أجزاء تتكامل ولا تتنافى, ويجب أن يكون البحث أو المشاريع البحثيّة, والتجارب الميدانية, مسخّرة لتحقيق هذه الغايات, والوفاء بهذه المقاصد, ولا مانع أن ننظر فيما يقدّمه أصحاب اللغات الأخرى للغاتهم؛ إذ ما يزال تصوّر العاملين في حقل اللغة وأبحاثها محصورًا على الأنماط التقليدية للبحث, وأهملنا ميادين بحثيّة كثيرة, مثل: المعالجة الآلية للغة، وهو باب واسع. واللغويات الحاسوبية, واللغويات التطبيقية, واللغويات التربوية, وأساليب تعليم اللغة, وميدان التعليم واللغة, وتهيئة اللغة العربية لعصر المعلومات والاتصالات، ولعل الأسلم تهيئة اللغويين العرب لعصر العولمة، والتعامل مع تقنيات العصر.كما أهملنا أنماطًا للبحث متعدّدة, وغلبت على أبحاثنا صورة واحدة, وكأن دائرة البحث لا تستوعب مستجدّات العصر, وتقنياته, جعلنا البحث في جزئيّات تتلاءم مع تصوّراتنا المتوارثة, وإن لم تفِ بحاجتنا في وقتنا.

توصـــيات:

التوصيات التي أوردها هنا ليست المفتاح السحري نحو توظيف اللغة العربية في مسائل الهوّية, إطارًا, ومكوّنًا, وموجّهًا؛ إذ لا بدّ من تضافر عوامل أخرى من ميادين مختلفة، منها السياسي, والاقتصادي, والتربوي, والاجتماعي, والسلوكي, والروحي، ولا يمكن أن يكون علاج قضية اللغة والهوّيّة من خلال اللغة وحدها, وكل ما أملكه أن أقف القارئ على مقترحات في الميدان اللغوي, يمكن أن يكون لها إسهام. ومن هذه التوصيات:

1)إعادة بناء مناهج اللغة العربية وفق تصوّرات جديدة, وقيم تنبع منها، تناسب عصرنا, وتراعي مستجدّاته , وتقنياته, وتأخذ من غيرها ما يلائمها، ويضيف لها شيئًا, في المنهج والممارسة. في الأسلوب والوسيلة.
2)بناء مقرّر جديد يؤصّل ويكرِّس الهوّيّة اللغويّة, ويؤكِّد دور اللغة العربية في بناء هوِّيّتنا, كما يؤصّل فلسفيًّا هذه القيم, ويشرحها, ويبسّطها لعموم المتلقّين على اختلاف توجّهاتهم واهتماماتهم, وثقافاتهم, ويطرق موضوعاتٍ، مثل: اللغة والهوّيّة, ومزايا اللغة العربية، ونستبعد منها تلك المزايا الغامضة التي تتدثّر بالأسرار والنكت، ونبرز المزايا الواضحة التي يسهل على الطالب فهمها، واستيعابها, من مثل ما ورد في هذه المقالة, وإيراد تجارب الأمم التي تعتزّ بلغاتها, وليس لها ما للعربيّة من التاريخ والمجد, في تدريس العلوم بلغاتها المحلّيّة, والمحافظة على السلامة اللغويّة, وخدمتها في النواحي المختلفة, ويكون فيه بيان فوائد التعليم والتدريس والبحث والنشر باللغة المحلّيّة, كما أن لهذا المقرّر أن يبن عن مدى الخسارة التي تخسرها الأمّة بكتابة علومها, وتدريسها بغير لغتها؛ إذ تحسَب هذه الأعمال, وهذه الإنجازات للغات الأخرى، التي سُطِرت بها. ومن مثل الحديث باعتدال عن الصراع المصطنع بين العاميات وما يسمّى الفصحى، وعدم اصطناع معركة بينهما, ومكانة اللغة في تراثنا, مع التركيز على بيان الجائز والمحظور, والحديث عن وظائف اللغة في الحياة, وعن اللغة في حياة الأمم, وما يجب أن يكون فرصة أو نقطة قوّة في استعمال اللغة العربية, مثل القوّة الاقتصاديّة, التي يجب أن تكون إيجابيّة بالنسبة للغتنا, وهي الآن على العكس نقطة سالبة, فمن أجل السياحة, وتحقيق مكاسب للشركات وغيرها, بعنا هوِّيّتنا, وصرنا نجاريهم باستعمال لغتهم في بلادنا, والمفروض العكس. ولهذا العمل أن يناقش ما كان نحوًا من هذه الموضوعات. وهذا المؤلّف يمكن أن يكون على مستويات: مستوًى لدارسي اللغة العربية, ومن يؤهّلون للعمل في ميادينها, ومستوًى لطلاّب الكلّيّات التي علومها في الوقت الحاضر بغير لغتنا, مثل كلّيّات الطبّ, والهندسة, والعلوم, ومستوًى يخاطب الجمهور العام, والمثقّفين, وفئات القرّاء الأخرى, وهو كتاب ثقافي, يعنى بمخاطبة من يدخل في نطاقه. ولنا أن نطلب إلى الجهات صاحبة القرار جعل مثل هذا الكتاب مقرّرًا دراسيًّا مثل مقرّر الثقافة الإسلاميّة, أو التربية الوطنية, أو أيّ تربية أخرى, سواء كانت حزبيّة أو غير حزبية, بل يمكن أن يحلّ محلّ شيء ممّا ذكر. وأنا على ثقةٍ أن المادّة العلميّة لمثل هذا الكتاب أوسع وأعمق, وأقرب إلى قلب الطالب وغيره من كثيرٍ مما ذكِر. وهذه الأفكار المطروحة لهذا المقرّر أفكار أوّليّة, يمكن تطويرها، من خلال جلسات العصف الذهني, وورش العمل التي تطوِّر الأفكار, لتحيلها إلى مشاريع عمليّة.
3)إعادة النظر في تأهيل معلِّمي اللغة العربيّة, وفق رؤًى جديدة, تخرج عن الفكر النحويّ الأحادي المتزمِّت, والذي يستأثر بالساحة اللغويّة, إلى فكر لغويٍّ مستنير, يستشرف المستقبل, ويأخذ في اعتباره مستجدّات العصر, ونواتج التقنية.
4)جعل الإعداد اللغويّ المناسب من أساسيّات ترشيح وقبول المعلمين في التعليم العام, في مختلف التخصصات, بأن نجعل من مهارات اللغة الأساسية, ومهارات الاتصال, وغيرها من أساسيّات قبول المعلِّمين.
5)توجيه البحث العلمي والمشاريع البحثيّة في اللغة العربية وتعليمها إلى القضايا الإستراتيجية, والاكتفاء من القضايا الجزئيّة, والأفكار التقليدية, بما يكفي, ويأتي على الحاجة, والاحتفاء بالمشاريع البحثيّة التي تسهم في تطوير درس العربية, وتعميق الهوّيّة من خلال اللغة, ودرسها, وممارستها, وتطبيقها.
خاتمــة:

وبعد، فقد أتينا في هذه الورقة على نقاط قوّة محسوبة للغة العربية, في صراعها أو حوارها مع اللغات الأخرى, كما أنّنا أتينا على ذكر قيم تنافسية في صالحها, مثل العمق التاريخي, والعمق الديني, وبقايا تأثير العربية على لغات الشعوب الإسلامية، مثل الفارسية, والأوردية, والسواحلية, والجاوية, ولغات أخرى, بعضها ما زال يكتب بالحرف العربي, الذي يسمّى عندهم بالحرف الشريف, وهذه نقاط قوّة مردودها على اللغة العربية ذاتها, وهي إيجابيّات تفتقر إليها كثير من اللغات التي طغت على لغات العالم بما لها من نفوذ اقتصادي و سياسيّ, وهل يسوغ للعربية وأهلها أن يفرّطوا في هذه الإيجابيّات؟! إننا بالتفريط فيها نفرط في شيء مهمٍّ جدًّا في صالح اللغة العربية .



وهناك نقاط قوّة من غير البنية اللغويّة, مثل القوّة الاقتصادية, والوزن أو الثقل المالي لبعض الدول العربية, ومثل الدوافع الدينية لتعلّمها, كلّ هذه الإيجابيّات علينا أن نحسن استثمارها في تصحيح وضع اللغة العربية وأثرها في رسم ملامح هوّيتنا, وفي إيجاد مكان لها بين لغات العالم, ومكانة تليق بها كلغة حملت رسالة سماوية, وسطِر بها كتاب خالد، لا يأتيه الباطل من بين يديه, ولا من خلفه, تنزيل من حكيم حميد. وكل هذه الإيجابيّات لا تنسينا ما يجب فعله على أهل العربية من معلمين, وأساتذة, وباحثين, من بذل مزيدٍ من الجهد, ومراجعة أعمالهم, وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح, واستدراك ما حلّ بها من نقص, وذلك من أجل تقديم أو صنع برامج في تعليم العربيّة وآدابها بما يعود على اللغة والأمة, وثقافتها بنواتج تسهم في تكوين هوِّيّة واضحة, وتغرس في أبنائها روح الاعتزاز وفخر الانتماء, معبّرة عن أصالة فيها, وتفرّد, وتميّز, وخصوصيّة.

وهذه دعوة للإصلاح من الداخل, وهي غير كافية لإحداث تغييرات كبيرة، ولكن هذا هو الممكن في هذا الميدان, وإن كانت المقترحات بحاجة إلى إسناد.

تمّت, والحمد لله ربّ العالمين.

رد مع اقتباس