خـامسـًا: ممارسات حول اللغة العربية:
vالإفراط في المحافظة وادّعاء الغيرة:
من غير المقبول ((أن تبقى اللغة العربية سجينة الماضي التليد, ترضع من بقاياه,وتترقّب ثمرة لم تزرع لها بذرة؛ فاللغة العربية تحتاج أن تقتحم الميدان بكل ثقة ومسئولية وانفتاح, والتطوير يحتاج اتخاذ قرارات صعبة مريرة. كما يتخذ الصقر قراره بكسر مخالبه, ونتف ريشه, وكسر منقاره القديم, كي يتيسّر له التجدّد ومضاعفة أمله في الحياة؛ إن ما يسمّى "المحافظة"كثيرًا, ما يكون سببًا للموت البطيء)).([34] )
غالب من يحمل اللغة العربية, ويقدِّمها للمجتمع فئة رأت تعليمها صنعة ومهنة, تقتات منها, وتعول أولادها, وهذا أمر ضروري, لكن لا يجوز الوقوف عنده, والاقتصار عليه, وقلّ أن نجد بينهم من يحمل همًّا, ولديه سعة أفق, ونظرة استشرافية, يربط اللغة بالحياة, ونشاط المجتمع, يراها مسئولية, وتكليفًا, لا تشريفًا؛ فغالب معلمي اللغة ليس لديهم أكثر من درس أبنية الكلم الصرفية، وإعرابها, يردِّد من الأبنية في أحيانٍ كثيرة ما لا وجود له في العربية إلا من خلال أمثلته المكرورة في كتب الصرف, ويردِّد في الإعراب الأعاريب الأربعة: رفع, ونصب, وجرٍّ, وجزم, وهي أحوال آخر الكلم المتغيّرة, وخامسها البناء, وهو لزوم حالة واحدة؛ فكلّ همّه ضبط أواخر الكلم, وتصحيح الإعراب, وتتبع اللحن, وتصيّد الأخطاء, وتفسير الكلمات تفسيرًا معجميًّا, وهم بمعزلٍ عن التفكير في فلسفة اللغة, وأبعادها النفسية والاجتماعية, وعلاقتها بالاقتصاد والسياسة, وسائر مناشط الحياة,. بل يغلو هؤلاء المحافظون, فيرفضون ما سمِّي باللغة الوسيطة أو الثالثة في حوار المثقفين وتخاطبهم, وإدارة اللقاءات والحوارات العلمية, التي تبحث في الأمور العامة, وشئون المجتمع, واهتمامات الأفراد, وقضايا العلم, ومواجهة الجمهور, والأنشطة المنبرية المتنوّعة, وغيرها. فقلّ أن يفكّروا في الحدِّ الأدنى في تعليم اللغات المهارات اللغويّة من حوار وخطاب, ومحادثة واستماع, وإلقاء وإنشاد, وقراءة وكتابة, وتواصل واتصال, يؤدّون درسهم ببرود لا نفس فيها ولا روح, ولا ماء ولا حياة, يمرّون عليه ثقيلا عليهم وعلى طلابهم, لديهم مسائل يتحفّظونها, ويعيدونها على مسامع طلابهم, وعلى الطالب أن يفعل ما فعل شيخه، يحفظ ويكتب في ورقة الامتحان ما حفظ.
قصارى ما يبلغه أستاذ اللغة العربية ومعلِّمها أن يكون لديه مهارات, وهذا في عالم اللغة لا يكفي, ولا بدَّ أن يكون لدينا من حملة العربية من هم قادرون على التفكير العلمي, وتفعيل دورها في تكوين الهوّيّة؛ لأن الحفظ عملية يستطيع التلميذ أن يقوم بها من دون معلِّم, أمّا المهارة فتحتاج إلى ممارسة وتكرار واعٍ, ليمرّ العمل بهذه المراحل: معاناة، فممارسة, فعادة, فسليقة, وهي بحاجة إلى اعتياد الدّقّة في الأداء, والالتزام, والانضباط, والانتباه, والتركيز, وقد يكون لدينا من يتقن مهارات اللغة, غير أنّه خلوٌ من التفكير في اللغة, وهؤلاء مهنيّون مهرة, ونحن نحتاج إلى جانب هؤلاء, مع أهمّيّتهم, إلى مفكِّرين يحيلون اللغة إلى فكر فاعل, مؤثِّر.
ويغلب على فئة معلمي العربية غموض الهدف أو غيابه لديها، وأول أسباب النجاح وضوح الأهداف، وواقعيّتها، وقابليّتها للقياس، ومن أول معايير الجودة وضوح الهدف. التفريق بين من يطلب المعرفة اللغوية ، وبين من يطلب المهارات اللغوية، وتنوع الدرس حسب الفئات؛ فالدرس عند معظم معلمي العربية وأساتذتها واحد ، وفي الغالب يعتمد قراءة نصّ تراثيّ ، أو إذا أحسنّا الظنّ شرح نصٍّ تراثيّ، وهذا على الرغم من جلالته وقيمته ليس بالضرورة صالحًا لجميع الفئات التي تدرس العربية.
وقد ترتّب على هذا أن نشأ جيل بل أجيال ليس لديهم إلمام أو تصوّر للقضيّة أو المسألة اللغويّة؛ إذ يختزلونها في الجانب التعليمي, ولا يريدون إقحام أنفسهم في قضايا اللغة الإستراتيجية, رضوا أو قنعوا أن يقتصروا على الجانب السهل, وينأوا بأنفسهم عمّا هو مستوعر من شأنها؛ (( تجنّبًا للخوض في المناطق الحسّاسة, التي تتداخل فيها قضايا اللغة العربية مع القضايا الاجتماعية, وأمورنا الدينية, وسياساتنا الوطنية, والقوميّة, {وهو} حديث لا يروق للحرس القديم من سدنة اللغة العربية التقليديين، من حيث فحواه، ونبرته، بل ربما من حيث الهدف ...)). ([35]) ((ثمّ إن مجتمع المعرفة يحتاج لمحتوى مكتوب, سمعي وبصري باللغة العربية, يتمّ نشره على شبكة المعلومات, ويكون ذلك بكم وبجودة, يليقان بلغة كانت في وقت مضى مرجعًا للحضارات الإنسانية, وعلى سبيل المثال لا الحصر, يمكن الإشارة إلى أن المشاركة بالعربية في موسوعة"ويكبيديا"ما زالت محتشمة رغم تحسُّنها الملحوظ، في السنوات القليلة الماضية, كذلك نحن بحاجة لمراجع رقمية في ترجمة المصطلحات العلمية بالتوافق بين المشرق والمغرب كي تعمّ الفائدة)).[36]
أهداف التربية في العصر الحديث أربعة : ((تعلّم لتعرف، تعلّم لتعمل، تعلّم لتكون، تعلّم لتشارك الآخرين)).([37]) والعربية ليست بمنأًى عن هذه الأهداف، بل هي الأقرب, والأولى؛ لأنها وإن كان فيها تخصّص, داخلة في برامج الإعداد العام, والمهارات المشتركة.
ومن مشاركة الآخرين تنمية مهارات الحوار مع الآخر (بالاهتمام بتنمية مهارات التواصل، والتفاوض الثقافي، وتنمية القدرة على الإقناع، وهندسة الحوار، وإبرام الصفقات المتوازية)([38])؛ (إذ يشكو معظم طلابنا من ضمور مهارات التواصل اللغويّ الأربع: القراءة، والكتابة، والشفاهة، والاستماع، نتيجة لآفة التلقِّي السلبي التي تعاني منها أنظمة التعليم لدينا، ويحتاج هذا من التربويين ومعلمي العربية ومنظِّميها تغييرًا جوهريًّا في تعليم العربية وأنماط تقديم المادة التعليمية، بحيث لا تقتصر على أسلوب المحاضرة بل تشمل أساليب جذّابة توظّف أساليب التعلّم المختلفة وتنوِّع بين الأساليب التقليدية والندوات وحلقات النقاش،وغيرها من مستنتجات العصر والتربية).([39] ) . والذي يشعر أن لغته لا تسعفه في هذه الأعمال, أو لا تستجيب له, أو يكون لديه إحساس أنه مهما حاول الصواب في كلامه, ومهما حاول تحسين أدائه فلن يتحسّن, وأنه لو تكلّم بلغة المتعلّمين أو المثقّفين السائدة, المسمّاة لدى البعض باللغة الثالثة, أو بعامية منقّحة, فمثل هذا لا يمكن أن يتكوّن لديه انتماء واعتزاز بها, ولذلك كان لا بدّ من مراجعة أشياء كثيرة لدينا, في المنهج, وإعداد المعلِّم, والتصوّرات, وغيرها.
vكيفية الوصول إلى عقل الطالب وقلبه: هل الوصول إلى عقل الطالب ووجدانه وقلبه مطلب أو أولويّة لمن يقوم بأمانة العربية؟ يترتّب على الإغراق في المحافظة, والغيرة الشديدة تقليص فرص الوصول إلى عقل التلميذ, ووجدانه, حتّى يشعر الطالب وهو يتلقّى درس اللغة العربية بأنه يتلقّى شيئًا لا صلة له به, بل يتلقّى شيئًا غريبًا عنه، في حين كان المفترض أن يكون درسها مؤنسًا للطالب, قريبًا منه, يأتي المدرِّس يقرِّر قواعد النحو, ويضرب أمثلتها التي فقدت الروح, والتأثير من كثرة تردادها, وابتذلها الطالب, وهي أمثلة منتزعة في الغالب من عمق التاريخ, لا تميز بين من يعيش في سكك البصرة, وخطط الكوفة, ومرابع البادية, وبين من يعيش عصر التكنولوجيا, وأدوات الاتصال المتطوّرة. كان عليه أن يغرس فيه ذوقها ليغرس عشقها وحبّها, وكان الجدير بالأستاذ أن يربط درس العربية, وعلى الأخص نحوها بواقع الطالب, إذ من المسلّم أنّه ليس هناك لغة مهما أغرقت في البدائية, ولا لهجة مهما انحرفت عن أصلها, إلا ولها نظامها, والنحو متغلغل في ألفاظها, في أداء المعاني, والتعبير عن المقاصد, فلو أن الأستاذ ربط درس اللغة بحياته, وقال لهم: النداء, والاستفهام, والأمر والنهي, معانٍ نحويّة, ومثّل لها من لغته اليومية, فهل هناك من يخطئ في النداء, أو الاستفهام, وهل يعجز متكلِّم عن إصدار أمر أو نهي, وهل يتلجلج في ذلك وهما بما فيهما من نزعة التسلّط, وهي نزعة إنسانية, لا يتخلّى عنها الإنسان إلا للعجز. فهل دخل معلم العربية إلى قلب الطالب هذا المدخل, فضلا عن إعمال الذوق في درس العربية, والذوق يفعل ما لا يفعل غيره في إذكاء تفاعل الدارس, وتنمية استجابته, واستثارة مكامن الاستعداد والقدرات, وتوظيفها مجتمعة في معرفة حيّةٍ تستجيب وتؤثِّر. فكل ما لدينا في درس العربية أنماط رتيبة, وأداء يتوارثه اللاحق عن السابق, غير قابل للتجديد والإنماء,والتحوّل، فدرس العربية كغيره من الدروس, وإن كان المأمول منه أكبر, كما يتقوقع على نفسه، في حين أنه كان من واجبه أن يتغلغل في جميع المقرّرات.
فكيف نأمل ممّن لم تكن علاقته مع العربية حميمية أن يتبنّاها, وأن يدعو إليها, ومثل هذا السؤال جدير أن يوجّه لأساتذة اللغة العربية, فمن كان طالبًا في الطب أو الهندسة, أو العلوم ماذا سيكون شعوره تجاه العربية إذا كان لديه ذكريات سيّئة عن العربية ودرسها, أو شعر أنّها لا تفيد, ولا تعدو إضاعة وقت, كيف نتوقّع منه أن يدعو إلى تدريس العلوم بالعربية, أم كيف نقنعه بجدارة العربية لهذا؟! أم كيف نغرس فيه روح الانتماء والاعتزاز بهذه اللغة, وقدرتها لتكون لغة حياة, وإبداع, لغة ماضٍ، ولغة حاضر, ولغة مستقبل ؟! أسئلة من هذا الباب يمكن أن تثار, وقد تجد الإجابة، أو لا تجدها.
vالعربية مادّة كسائر الموادّ:
اختزلت العربية في برامجنا الدراسية, لتكون مادّة مقرّرة, حكمها حكم أيِّ مادّة يدرسها الطالب في المراحل المختلفة, عليه أن يستوعب مقرّرها ولو لفترة محدودة, تنتهي بتسليم ورقة الاختبار, ومغادرة قاعة الامتحان, وكان من حقّها أن تكون ممارسة لا ينفكّ عنها الطالب في جميع مراحله, وفي مناشط حياته المختلفة, وفي دراسته للمقررات التي يقرؤها بهذه اللغة, ويطبِّق فيها قوانينها, ويقوِّي بالممارسة مهاراته, لتكون هذه المقرّرات إضافة لدرسه النظري في العربية.
ليس المقصود أن يتكلّم كل معلِّم وأستاذ في محاضرته عن أهمّيّة اللغة, وضرورة إتقانها, وقيمة من يتقنها, إن هذا تبسيط للأمور, إنما المقصود أن يجعل في حسِّ كل معلِّم تعميق جذور الهويّة من خلال الممارسات اللغويّة في المقرّر, وجعل اللغة جزءًا من كلّ مقرّر, وإن لم تنصّ مفردات المادّة على جزءٍ خاصٍّ للعربيّة, ويمكن أن يمُارَسَ في كلِّ درسٍ أمور مهارية لغويّة, كثيرة ابتداءً من الرسم, إلى المفردات, ودلالتها, إلى التراكيب، إلى الكتابة, وشكليّاتها من تقسيم للنصِّ, ووضع علامات الترقيم, إلى استيعاب المقروء, والقدرة على وضع عنوان رئيسيّ, وعناوين للمواضيع الجزئيّة, مع ممارسة ربط الجمل في الكلام, بعضها ببعض, وتذوّق النصوص, وإلقائها, ومحاكاتها, وتمثّل دور أصحابها وشخصيتّهم, وغير هذا من الممارسات التي يمكن أن تجري في كلِّ درس ومقرّر.
صحيح , أن هذا يتطلّب عملا تربويًّا يستدعي كثيرًا من الجهود, وإعادة التأهيل, وبناء قيم تربوية جديدة, ولكنه ضرورة لنجعل من لغتنا العربية جذرًا حقيقيًّا لهوّيّتنا, كما يتطلّب تغيير كثير من المفاهيم والتصورات عن اللغة ودرسها, ويمكن أن تتطلّب أشياء أخرى, المهمّ هو أن نعمل لهذه اللغة شيئًا ما.
*********
vمعلمو اللغة العربية:
أساتذة اللغة العربية, أو معلّموها هم الأساس لكل ما ينتج عن مقرراتها وموادّها, إن أحسنوا حسنت النتائج, وإن أساءوا ساءت النتائج, ولا قيمة لأيِّ إصلاح, أو تطوير للمقرّرات, والمناهج ما دام أن الإصلاح لم يخاطب المعلّم, ولم يتّجه إليه, المعلّم الناجح يستطيع أن يجعل من المنهج والمقرّر مهما ضعف شيئًا, وأن يجعل له آثرًا تربويًّا, وإن كثيرًا من البرامج الجيِّدة, لم تؤتِ الثمرة المرجوّة, بسبب العنصر البشري, الذي يقدِّمها ويتولاها, ومهما تحدّثنا عن أهمية المعلّم فلا يمكن لنا أن نفيه حقَّه, وعلى الأقلِّ يجب أن يكون مقدِّم اللغة العربية, متحلِّيًا بالصفات الآتية:
أ-تكوين فلسفي جيّد, في الكفايات اللغوية, والتربوية, والفكرية, تجعل الأهداف لديه واضحة, ولديه رؤية واقعية ذات طموح ملائم، ويحمل رسالة قابلة للتنفيذ.
ب-تأهيل لغويّ كافٍ من خلال برامج الإعداد التي تؤهِّله للعمل في هذا المجال, ومن خلال برامج إعادة التأهيل, والتدريب المتواصل للعاملين في هذا الحقل وهم على رأس العمل, على أن يكون كلّما أمضى المعلّم فترة ما في العمل, وبعد كل مدّة من سنوات العمل.
ت-تأهيل تربوي جيِّد يؤهِّله لاستخدام الوسائل التربوية والتعليمية التقليدية, والحديثة بما فيها من تقنيات وحاسوب.
ث-مهارات لغوية عالية, وكافية لأداء عمله على الوجه الأفضل.
ج-تكوين علاقة تكامل بين مقررات اللغة العربية من جهة, ومن جهة أخرى تكوين علاقة بين اللغة العربية والعلوم الأخرى من جهة أخرى, وبناء علاقة تكامل بين معلمي اللغة العربية, وغيرهم من المعلِّمين.
ح-تهيئة بيئة عمل مناسبة.
وهذه أمور ومقترحات عامة, لا مجال للتفصيل فيها في هذا المقام.
***********
vمناهج اللغة العربية:
الحديث عن المناهج لا جديد فيه, غير أن يحسن الإشارة إلى ما يقوله أصحابها، فالأصل أن منهاج اللغة العربية ((يوفر للمتعلم فرصاً شتى من خلال ما يتضمنه من محتوى وأنشطة وخبرات، يلمس فيها المتعلم سعة لغته، ودقتها، وتفرد أنظمتها، وجمالها، وطاقاتها التعبيرية، وإمكاناتها التصويرية، ويتيح له مواقف متنوعة تمكّنه من التعبير عن أفكاره، ومشاعره، وتجاربه، وآماله، وآلامه، والاتصال بغيره من أبناء مجتمعه، ويمكنه من امتلاك مهارات التفكير والتعلم الذاتي، ويشده إلى قومه من خلال الأدب المعبّر الموحي، الذي يشاركه فيه أبناء الوطن العربي الكبير؛ فيشعر بأواصر القربى التي تجمعه بهم، وتتكون لديه صورة واضحة لهويته المتميزة))([40]).
ولو التزمنا هذا لكانت النتيجة أن أحدثنا تغييرًا في نتاج درس العربية, وبنينا علاقة جيِّدة بينها وبين الطالب, يقول عبد الله بن مسلم الهاشمي((إن منهاج الّلغة العربية حين يوجه جهوده نحو إكساب الناشئة لغتهم بما يمكنهم من استخدامها في تحقيق الاتصال والتعبير وتسهيل التفكير، وحين يلمسون واقعاً عبقرية لغتهم في أنظمتها المختلفة، ويمارسون عمليات التفكير في تحليل النصوص، وتقويمها، وتذوقها، واكتشاف أغراضها ومضامينها، وحين يتصلون بتراثهم الأدبي الخالد عبر العصور - حين يفعل المنهاج ذلك- يقدّم خير ردّ على أدعياء تخلف العربية وجمودها، وعجزها عن مجاراة العصر، والتعبير عن العلم والتقنية؛ فلا تزيده هذه الادعاءات إلا تمسكاً بلغته، وحرصاً على المحافظة عليها.
ثم إنه يدرك بذلك أنه سيخسر خسارة عظيمة، لو أزيحت هذه الّلغة، واستبدلت بها لغة أجنبية أو لهجة عامية، فلن يتهيأ له أن يتصل بالتراث العلمي والأدبي لأسلافه، ولن يتاح له أن يكوِّن الأخوة اللغوية التي تصله بعدد كبير من البشر على امتداد رقعة واسعة من المعمورة؛ فلا تكون النتيجة إلا العزلة، وضيق الأفق، والتقوقع في إطار إقليمية ضيقة.
وهو في الوقت ذاته يعطي المتعلم مفاتيح مواجهة تحديات العولمة، من مهارات يحتاجها للتعامل مع طوفان مواد الاتصال اللغوي الذي يصل عبر وسائل شتى، فيستخدم كفاياته في التحليل والتصنيف والنقد والتقويم، ليصل إلى ما تحمله من غايات، وينتقي منها ما يتوافق مع أهدافه، ومبادئه))([41]).
ويؤكِّد الحاجة لمراجعة مناهج اللغة العربية, فيقول: ((لقد باتت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى، لتطوير منهاج الّلغة العربية، بحيث يوجه نحو غاياته الحقيقية، واعتماد مدخلي الاتصال والوظيفية في اختيار محتواه وأنشطته، وتقديمه بحيث يكون مزوداً بعناصر الجذب والتشويق؛ وتخليصه مما يعانيه من عيوب في أهدافه، ومحتواه، وأنشطته، وخبراته، وطرق تدريسه، وأساليب تقويمه؛ ليكون مؤهلاً ليأخذ بيد المتعلم للاستعداد لتحديات العولمة، ومواجهتها، والتعامل معها بما يتناسب ومعطياتها))([42]) . وبناءً عليه يتعيّن علينا:
ü مراجعة وتقويم فائدة بعض المقررات، مثل الأصوات، وعلم اللغة العام النظري. ويتعيّن تخليص البرنامج من المقررات ذات المردود العملي، والمهاري المحدود، والتي يغلب عليها الجانب النظري، ولا تفيد إلا مجرّد المعرفة, ولعلها معرفة ترفية, لا تسهم في غرس قيمة, ولا في تكوين مهارة.
ü التركيز على الجانب الوظيفي: يتعيّن تنشيط الجانب الوظيفي لعلوم اللغة العربية الأخرى، من صرف، ونحو، وبلاغة ونقد, وأدب ، وهذا يعني الاقتصار في الجانب الفلسفي على ما تدعو إليه الحاجة، ويكون من مستلزمات البرنامج، وفي كلّ مقرر من علوم العربية ما يدعو إلى الوقوف، والمراجعة ، وطرح أسئلة حول جدواه ، ومدى إسهامه في صناعة ممارسي المهن ذات العلاقة باللغة العربية، من مثل التوسع في مسائل الخلاف، واستنفاد معظم الزمن المخصص للدراسة في استيفائه وفهمه على حساب أمور أكثر أهمّيّة، وأمسّ بحاجة الدارس، وأكثر التصاقًا بتكوينه المهاري، وهي مسائل بإمكان الطالب الاستغناء عنها، .
********