عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-13-2017 - 04:00 PM ]


أسئلة : عن الهويّة، إن الإغراق بالإجابات والأحاديث الفلسفية يسهِم في حجب الحقيقة, وإنّ تبسيط الأمر والدخول إلى عموم المخاطبين من المداخل السهلة أنجح عمل, وأيسر طريق لإيصال الحقيقة, وطرح الأسئلة يقود لإجاباتٍ واضحة.فما الذي تعنيه الهوّيّة؟ لا نريد أن ندخل في تعريفات جدليّة, وفلسفات صورية, وتنظيرات كلامية, بل نريد ربط ذلك بالواقع, فلو قدِمت إلى بلدٍ, فوجدت نفسك لست مضطرًّا إلى لغته، ولست بحاجة إلى تغيير لسانك للتواصل مع الآخرين, ولتتمكّن من تسيير شأنك اليومي, وقضاء حاجاتك بلغة أخرى ، هي لغة ذلك البلد, فهل تعدّ هذا البلد حريصّا على مقوّمات هويّته, أو محافظًا على تلك الهوّيّة؟ إذا وفدت على بلدٍ ولم تكد أذنك تسمع شيئًا من لسان أهله, ولم تشنِّف آذانك بلغته, ولم تلامس أوتار قلبك، ولا مسامعك إيقاعات ذلك اللسان, ولا بيانه المعبّر عنه, في تعاملك معهم، في المسكن, والمتجر, والطريق، والنادي والمقهى, وفي غدوِّك ورواحك, فكيف يكون انطباعك عنه؟ وإذا لم يعلق باستعمالك شيء مما سمِعت, أو لم يسبق إلى لسانك وبيانك شيءٌ من مفردات لغته، وتراكيبها, فضلا عن اكتسابها وتحصيلها, فهل تعدّ هذا البلد ذا هوِّيّة يحرص عليها؟ إذا قدِمت إلى بلدٍ لتعلِّم أبناءه, فلم تجد نفسك مضطرًّا لاستعمال لغتهم, ولا لخطابهم بها, ولا لانتحال طريقتهم في الاتصال, فهل تتصوّر أن لهذا البلد هوّيّة؟ بل كيف يكون تصوّرك له إذا وجدت نفسك في موقف لا يحمل على تغيير لغتك، بل هناك ما يدعوك إلى الاستمرار عليها, والتمسّك بها؛ لأن أبناءه يجارونك إمّا رغبة بمحاكاتك, وإمّا إنفاذًا لنظامٍ يلزمه الدراسة بغير لغته, والداعي للتغيُّر قويّ, لأنك طالب مصلحة، فما ذا أنت قائل والحالة هذه؟ فإذا كنت تذهب إلى المتجر ويوافيك التاجر أو البائع بفاتورة كتبت بغير لغة البلد, وليس أمامه خيار غيره, فماذا أنت قائل عن هوّيّته؟ إذا زرت بلدًا فلم تجد في مطاراته ولا في أسواقه, ولا متاجره, ولا فنادقه, ولا مطاعمه من يخاطبك بلغة البلد الأصليّة, فهل تجد في نفسك أن لهذا البلد هوِّيّة؟ إذا جئت لبلدٍ أو نظر إليك أهله أو بعضهم أو من تقابله منهم نظرة ليس فيها الرضا والاحترام والتقدير؛ لأنّك تتكلّم لسانك ولسانهم ولا ترطن رطانة الأجانب, فماذا أنت قائل عن هوِّيّته؟ وإذا كان العامل الوافد يشعر أنّ بإمكانه أن يعمل في هذا البلد سنين عددًا, وهو ليس مضطرًّا بل ليس بحاجةٍ إلى أن يتعلّم لغة هذا البلد كي يتواصل بها؛ لأنّ المجتمع سيتعلّم لغته؛ ليتواصل معه, وليس مضطرًّا للتواصل بلغة المواطن, بل المواطن مضطرٌّ أو ملزَمٌ بالتواصل بلغته, فماذا تقول عن هوِّيّته؟ إذا أتيت إلى بلدٍ ورأيت مواطنه يشعر بعجز لغته القوميّة عن إدارة حياته, وأنّه مضطرٌّ لكي يدير حياته, ويسير أموره كما ينبغي إلى تعلّم وسيلة اتصال أخرى فماذا نقول عن هذا البلد؟ هذه أسئلة, ومثلها كثير, الإجابة عن مثل هذه الأسئلة تغني عن كلام كثيرٍ في شرح الهوّيّة.

*******

ولسائلٍ أن يسأل هل يمكن لنا أن نتلمّس من داخل البيئة اللغويّة أسبابًا أو مظاهر تسهم في إضعاف أثر اللغة في تكوين هويّتنا العربية، لنقول:

لا يمكن لنا في هذه المقالة أن نأتي على كثير من الأسباب التي تضعف اللغة العربية في كونها عاملا من عوامل تكوين الهوِّيّة؛ فمن المعلوم أن هناك سننًا في العمران البشري, والحياة البشريّة, من نحو ما ذكره ابن خلدون من تقليد المغلوب للغالب, كما أن هناك ظروفًا ومحيطًا يحيط بالدول العربية, يؤثِّر فيها, مثل الوضع الاستعماري, الذي رزحت تحته البلاد العربية, وبقيت آثاره بعد خروج الاستعمار, والظروف الاقتصادية, وظروف أخرى كثيرة, منها الداخلي, ومنها الخارجي, ولن يكون بوسعنا إلا الحديث عن عوامل من داخل الدرس اللغوي العربي, ومنها:

********

رابعـــًا: التصورات والمفاهيم:

لا يمكن أن نتحدّث في هذه المقالة عن كلّ تصوّر أو مفهوم, نظنّ أنّه بحاجة إلى المراجعة, والحوار ولعلّ من الجائز أن نأخذ منها ثلاثة، وهي حقيقة الفصحى, وتعدّد المستويات اللغوية, والعلاقة بين ما يسمّى الفصحى والعاميّات.

1اللغة العربية بناء تراكميّ دخل في تكوينه عوامل كثيرة، منها ما يعود إلى طبيعة اللغة العربية، ومراحلها التي مرّت بها في تكويناتها الأولى واللاحقة، ومنها ما يعود إلى تدوين نصوصها ومصادرها الأولى، ووضع علومها وتصنيفها، وكيف تعامل علماء العربية مع النصوص العربية من أجل أن يخلصوا إلى قوانين يصنعون من خلالها نموذجًا لغويًّا، يكون مقياسًا لمعرفة الصواب والخطأ، وما يحسن وما لا يحسن، وليكون جهازًا رقابيًّا يتتبّع به المتكلّم بالعربية ومستعملها، كما يسترشد به ويوجِّه سلوكه اللغويَّ، وفق قواعد وقوانين منضبطة، قد تبنى على منطق مقبول وقد لا تبنى؛ فعلماء العربية قاموا بتعميم بعض الظواهر اللهجيّة الخاصّة، وجعلوها قوانين لغويّة عامّة لكلّ متكلّم باللغة أن يستعملها، وبالمقابل قاموا هم أو غيرهم ممّن استوحى فعلهم، فاستبعدوا بعض الظواهر التي لها حكم العموم والاطّراد من كلام الفصحاء، واستبدلوا بها ظواهر عامّة أخرى، بمعنى أنّهم اختاروا من الظواهر العامّة المتقابلة ما رأوها وجهًا جديرًا بأن يكون هو المستعمل والمختار من اللغة خاصة في جانب الأداء الصوتي، وكان هذا ظاهرًا في تصنيف متون النحو. كما أنّهم توسّعوا في القياس حتّى إنّ القياس ليغيِّب المسموع أحيانًا، والقياس ما دام في مصلحة التوسعة والتيسير لا ضير منه، وإنما يصير موضع نظر إذا استبعِدت به أنماط لغويّة، كان بالإمكان توجيهها والإفادة منها في تحقيق مرونة لغوية. ولو كانت اللغة بهذا الوضع فلماذا يتعيَّن الإلزام بها، وبنمطٍ واحد، لا يجوز لمن سما لأن يحشر في زمرة الفصحاء وأرباب البيان، أن يتجاوزه، وليس له أن ينتحل صورًا من الأداء، ولو كانت ممّا يتعاوره فصحاء العرب؟
واللغة المنطوقة لغة متحولة سريعة التغير، لا تكاد تثبت على حال، بخلاف اللغة المكتوبة التي تقف في طريق التغير الذي يلحق لغة الكلام « بما فيها من صواب قد ضبطته معيارية دقيقة، تقف في وجه التغير السريع الذي هو طبيعة اللغة المنطوقة، ولها فائدة في تحسين وسائل الاتصال وصبغ اللغة المنطوقة بصبغة أدبية مشتركة »([28]) .

وعلم اللغة الحديث يتوقع مستقبلًا للغة المنطوقة، يقول ماريوباي: « والمستقبل يوحي بأنه سيعنى باللغة المنطوقة بصورةٍ ما، وهي ستسهم بإيجاد لغةٍ أدبية منطوقة إلى حدٍّ ما، وهذا يعني تقريب المنطوقة (العاميات) من اللغة المكتوبة »([29]) . كما يقرر حقيقة «أن لغة الحديث هي أهم وسائل الاتصال الإنساني ، وأوسعها انتشارًا، ومتوسط ما ينتجه الإنسان من حديث أكثر مما ينتجه من كلام مكتوبٍ، وإيماءات، وإشاراتٍ، ولهذا فإنه من السائغ للغوي ( Linguist ) على عكس دارس فقه اللغة ( Philologist ) أن يهتم أولًا باللغة المنطوقة، ثم ثانيًا باللغة المكتوبة ( باعتبارها إلى حدٍّ كبير أو صغير - تمثيلًا صادقًا للغة المنطوقة([30]) ... » .

إن اللغة المنطوقة المتكلمة تختلف عنها اللغة المكتوبة في قواعدها ، واستعمالاتها، وميادينها؛ إذ اللغة المكتوبة تمثل عددًا من اللهجات واللغات المتكلمة داخل هذه اللغة، على حين تجنح المنطوقة إلى الابتعاد عن المثل الأعلى الذي تحتذيه اللغة المكتوبة ( المشتركة ) وهي - أي : اللغة المكتوبة - تتأثر باللغة المتكلمة من أوجه متعددة .

واللغة المتكلمة (أي: المنطوقة) تعنى برءوس الأفكار، دون أدوات الربط التي تربط بينها, اكتفاءً بدلالات صوتية أخرى، أو ذهنية ، أو أعمال أخرى كالإشارة .

وتمتاز اللغة المكتوبة بإمكانية توسيع رقعتها بخلاف المنطوقة التي لا يمكن مدُّ رقعتها, إلا في نطاقٍ محدودٍ، على حين تمتاز المنطوقة بالسهولة؛ إذ تستخدم أبسط وسائل التعبير اللغوي في الأصوات، والبنية، والتراكيب، ودلالة المفردات، وتتخلى عن كثير من القواعد المنضبطة في ذلك كله. كما تمتاز المكتوبة بإمكانية التنقية والتصحيح، بخلاف اللغة المنطوقة التي لا يستطاع فيها ذلك ؛ لصعوبة الإحاطة بها , وصعوبة السيطرة على حركتها, وتغيُّراتها.

2.تعدّد مستوى الدرس اللغويّ: مما لا يؤمن به مدرّسو اللغة العربية, وأساتيذها, والمعنيّون بشأنها, على الرغم من تقسيم اللغة إلى منطوق ومكتوب, ففي حين نجد تعدّدًا في الدرس اللغوي في اللغات الأخرى لا نجد إلا نمطًا واحدًا لدى معلمي اللغة العربية، وغاب عنهم أنّ اللغة من مشتركات الحياة؛ إذ الناس بل مستعملوها فيها على درجة سواء من ناحية الإتاحة، ولكلٍّ منهم أن يتعلّم منها حسب حاجته، وأن يكتسب منها حسب طاقته، ولأهل اللغة كما لطلابها تلمّس الحاجة والطاقة، وفي اللغة ثلاثة مستويات، كما أسلفنا، وليس مستوًى واحدًا كما هو جارٍ في درس العربية :
المستوى الأوّل : مستوًى أدبيّ يوظّف اللغة توظيفًا خاصًّا ، ويجنح إلى التسامي فوق اللغة العاديّة، في أنظمتها المختلفة من بنية وتركيب، ومن خروج في معانيها عن مقتضى الظاهر. ومن خروج دلالة ألفاظها من حقلٍ دلالي إلى حقل دلالي آخر، ويتمثّل هذا المستوى في الشعر والخطابة، والكتابات الأدبية، وكلّ ما يقصد به إلى الجمع بين جودة المعنى ، وجودة العبارة، ويوظف إمكانات اللغة والخيال، وقدرات أخرى.وهذا المستوى له طلابه ، وهم من نوعٍ خاصٍّ، وليسوا كلّ الأنواع والفئات، وهذا النوع أعلى المستويات وأرفعها، ولغة هذا المستوى قابلة للمراجعة والتصحيح والتنقيح، لتخرج بصورة تلائم مستواها التداولي.

المستوى الثاني: وهو مستوًى تداوليٌّ، لا يحتاج إلا أساسيات اللغة في مفرداتها التي توظّف في معانيها الوضعية غالبًا، كما لا يحتاج إلى كثير ممّا يرد في كتب النحو من قواعد فرعية، وخلاف، ومعانٍ، كما أن من يكتب بهذا المستوى أو يتحدّث ليس بحاجة لأن يوظِّف إمكانات اللغة التي تخرج عن القياس والمطّرد، وما تدعو إليه ضرورة الإبداع. وطلاّب هذا النوع لا بدَّ من تحديد حاجاتهم ، ولا بدَّ من الرأفة بهم، وعدم تكليفهم ما لا يحتاجون، والاكتفاء بالحدِّ الأدنى من الكفايات اللغويّة، ذات الصبغة العملية، وبإمكانهم توظيفها في استعمالهم اللغويِّ.ومن هذه الفئة طلاّب الأقسام في العلوم الطبيعية والطبية، والعلوم الأخرى.

المستوى الثالث: المستوى التواصلي الذي يقال في مقام خاص، يؤدّي غرضًا آنيًّا محدودًا بالزمان والمكان وأطراف الخطاب، ولا يجري عليه التدوين في الغالب؛ لعدم الحاجة إلى تدوينه، ثم هو لا يصلح للتداول فيما بعد، وهو معظم كلام البشر وأكثره ، ولو قيل 99% من الكلام وما يدور من لغة وحديث وحوار هو من هذا المستوى، بل كلّ ما يجري على الألسنة من حديث المجالس والفكاهة والطرفة، بل لغة المدرِّس في فصله من هذا المستوى، ولا يرقى إلى المستوى التداولي، وهو بحكم آنيّته يتطلّب شيئًا من اليسر، والسهولة، والاقتصاد، ولا يلتزم بقواعد النحو القياسية بقدر ما يلتزمه من نجاح في الأداء والفائدة، ثم هو مستوًى يتميّز بالأخذ في الترخصات، وأن الكلام فيه تغلب عليه العفوية، ثمّ هو يمثِّل كلام الناس العفويَّ، وكلامهم الفطريّ على سجيّتِهم، دون تكلُّف؛ فالمتكلّم يهمّه أن يتواصل مع الآخرين، وأن يفهم ما يريد، باقتصاد وجهدٍ قليلٍ، وبأخصر طريق، وأيسر سبيلٍ. وأن بعضه يؤدَّى بالصوت وبعضه يؤدّى بوسيلة دلالية أخرى غير لغويّة، مثل الإشارة وحركات العين، وأخيرًا هو مستوًى يراعي المقام، ولا يتكلّف كالمستوى التداوليّ، ولو أريد نقله للمستوى التداولي لتعيّنت صياغته صياغةً جديدة مناسبة, وقد أسلفنا الحديث عنه.

وهذا التنوّع ما بين مكتوبة ومنطوقة, وما بين مستوًى ومستوًى لابدَّ من مراعاته حين نخطّط برامج اللغة العربية, ونضع مكوِّنات المقرّرات الدراسية, وفق هذا التنوّع, وأن نتخلّص من العمل السائد, وهو مراعاة مستوًى واحد, لأن لغة كلِّ نوعٍ, ولغة كلِّ مستوًى تصحّ في مجالها وميدانها, والتزام مستوًى واحد, أضرّ بتعليمنا, ويمكن أن ننظر في حال من يتعلّمون العربية من غير العرب, إذا نزلوا للشارع, واختلطوا بالناس, وتندّروا عليهم, وقالوا لهم: أنتم تتكلّمون لغة الكتاب.

3.العلاقة بين العاميّة وما يسمّى الفصحى:
إنّنا لو نظرنا إلى واقع العرب، وكيفيّة أدائهم للعربيّة لوجدنا أنّ الخلاف بينهم ليس اختلاف تراكيب، أو ألفاظ (مفردات). صحيح أنّه قد يقع خلافٌ في استعمال المفردات من بيئةٍ لأخرى، لكن هل يؤثّر هذا في الوحدة اللغويّة؟ إنّه منذ القدم ما يزال العرب يختلفون في طريقة الأداء بين إمالةٍ وتفخيم، وإشباعٍ وقصر، وتفخيم وترقيق، غير أنّ هذا لم يكن حائلًا أبدًا بين العرب والوحدة اللُّغويّة، إنّنا نعدُّهم رغم ذلك متَّحدَيّ اللُّغة .

إنّنا لا نستطيع أن نسم ما يجري بين الفصحى والعاميّات بأنّه صراعٌ، وإنّما هو شذوذٌ، وخروجٌ عن الأصل، لا يصعب على الناظر معرفته، ولا مقاومته، ولا إصلاحه، ولا رَدُّه إلى وجه الصواب والجادّة؛ لأنَّ اللغة الموحدة ما زالتْ حَيَّةً في حياتنا الثقافية، وفي كتابتنا، وفي مظاهر الرقيّ والتقدُّم، وهي عنوان الثقافة والعلم، والحاجة إليها قائمة؛ لأنّها من أهمّ أسس تحقيق هويّتنا، غير أنّنا بحاجةٍ إلى شيءٍ من الجهد، ودعم القرار بقرارٍ سياسـيّ، تتمثّله قدوةٌ حَيَّةٌ ذات تأثيرٍ على الجماهير الشعبية .

((يجدر تجنّب إقحام الفصحى في صراع عقيم مع اللهجات المحلية, مما هو على شاكلة صراع الأم مع أبنائها, بل إن الفصحى لغة الثقافة والعلم والامتياز والتفكير, واللهجات هي نتاج تاريخي ثقافي تقليدي, لا يضرّ طالما لم يفرض كبديل عن اللغة الأم, ولم يأخذ مكان اللغة الوالدة صاحبة الفصل. وكما أن العصبية مرفوضة، فإنّ التفريط في اللغة العربية غير مقبول على الإطلاق)).([31]) ويحسن أن أنبِّه إلى أمرين:

أولهما : أنّ العاميّة هي المنطلق الذي بسببه نتذوّق اللغة الفصحى، واللغة بدون ذوقٍ ثقيلة وخيمة، فمن تكلّم العامية استطاع تذوق ألفاظها(أي الفصحى) وتراكيبها ، ومعانيها، وأحسّ بجرسها وإيقاعها، ومردّ هذا أنّ الفصحى والعامية في أصلهما شيءٌ واحد، وهذا الذوقُ لا يحسُّ به من تعلّم لغةً أجنبيَّةً، وفي هذا رَدٌّ على الذين يعدُّون العربيّة الفصحى لغة ميّتةً، ناسين امتدادها في الحياة من خلال العامية التي لا يلبث متحدِّثها أن يئوبَ إلى لغته الأصلية بشيءٍ من التعليم والتوجيه والمجاهدة .

ثانيهما: أنّ أيَّ لغة ذات مستويات مختلفة، ما بين لغة كتاب، ولغة خطابٍ وحوارٍ، ولغة أدبيّة، ولغة علميّة، ولغات لفئاتٍ مختلفة في قدراتها البيانية، ومكانتها العلمية أو الاجتماعية، هذا شيءٌ لا تخرج عنه العربية، وبعض هذه المستويات ينحلُّ من كثيرٍ من ضوابط الفصحى وقواعدها، ويتسامح فيه خاصَّةً مقام لغة الخطاب اليوميّ، والحياة اليوميّة، ولعلّ أقرب ما نمثِّل به مما يقال عنه الفصحى لغة الأمثال التي لا تتوافق مع قوانين اللغة المطردة؛ حتّى الأمثال العربية الفصيحة سمتها الخروج عن القواعد، حتّى إذا أعياهم تركيب قالوا : لغةُ أمثال ، أو هذا مثل, أو جرى مجرى المثل. وقد سبق ابن فارس إلى تقسيم كلام العرب إلى ثلاثة مستويات، فقال: (( الكلام ثلاثة أضرب: ضربٌ يشترك فيه العلية والدُّونُ, وذلك أدنى منازل القول, وضربٌ هو الوحشيُّ, كان طباع قومٍ فذهب بذهابهم, وبين هذين ضربٌ لم ينزل نزولَ الأوّل, ولا ارتفع ارتفاع الثاني, وهو أحسن الثلاثة في السماع, وألذُّها على الأفواه, وأزينها في الخطابة, وأعذبها في القريض, وأدلّها على معرفة من يختارها, وإنّما ألّفت كتابي هذا على الطريقة المثلى والرتبة الوسطى)).([32])

ومن الواقعية أن نقرر أن كلًا من الفصحى والعاميات الدارجة تصح في مجالها، فغير مقبول تكلف الفصحى في مجالات العامية، كما أنه من غير المقبول إقحام العامية في مجالات لغة الأدب والعلوم، والخاصة من العلماء والمسئولين، وذوي الفكر والنباهة، والمكانة الاجتماعية إلا في المقام التواصلي؛ فمثل هذا العمل سائغ فيه. واللغة العربية الفصحى لا يضارها كثيرًا قيام لهجات محلية أو لغة خطاب يومي دارجة، يتداولها العامة، وتقضي بها شئون الحياة اليومية، وإن كان ببينها نوع اختلاف, أذكر أننا لمّا كنّا ندرس في المرحلة الجامعية في الرياض, وكنا في الفصل خليطًا من مناطق المملكة, وغيرها, ومن جهات متباعدة, مختلفة اللهجات, وكانت بعض المجموعات الآتية من بعض المناطق، إذا تحدّثوا فيما بينهم لا نكاد ندرك شيئًا مما يقولون, وإذا تحدّثوا معنا فهمناهم وفهموا عنا بلا مشقة, وهذا يذكر بحديث رسول الله r : أنه كانت تأتيه وفود الأعراب فيكلّمهم بكلام لا يفقهه من حوله من أصحابه, يقول د. محمد محمد حسين: « وكل دارس للغات والمجتمعات يعرف أن ما يسمونه ( الازدواج ) في المراوحة بين استعمال الفصحى والعامية الذي يزعمونه ظاهرة فريدة خصت به اللغة العربية دون اللغات ، وهو ظاهرة بشرية، تشمل كل اللغات: قديمها وحديثها، لهما جميعًا لغة متأنقة دقيقة للفكر وللأدب، ولها لغة أخرى أقل دقة وجمالًا، وأدنى درجة ووقارًا، للتعامل اليومي، وهي لغة متحولة متغيرة»([33]) .

********

رد مع اقتباس