النظام الصوتي، الذي تناقلته الأمّة عبر أجيالها المتتابعة, من خلال الإقراء، والأسانيد المتصلة، التي يحافظ فيها القرأة على الأداء الصوتيّ, بتمكين الصوت من مخرجه, وتحقيق صفاته, وهذا شكّل مرجعيّة حفظت العربية من اعتماد التطورات الصوتية في العاميات التي قد تباعد بين الصوت المستعمل وأصله, وهي ليست إلا صورًا محرّفة عن أصوات العربية النموذجية، المسطورة في كتبها، والتي كتب بها التراث. من الممكن الميسَّر أن تحتفظ بنظامها مع شيءٍ من التغيير في أبنيتها, وفي نظامها النحوي, والمعجمي, غير أن الصوت يختلف؛ لأنه سريع التأثر, قابل للتغيير, وهو أهم مقوِّمات اللغة المنطوقة, واستطاعت العربية بصورتها النموذجية مقاومته؛ لأن لها صوتًا نموذجيًّا إليه تفيء وترجع, وإليه تحتكم.
التطوّر والثبات: فأنظمة العربية الصوتية, والصرفية والتركيبية أنظمة ثابتة, وأنظمة مغلقة في جانبها القياسي, وهذا لا يعني: أن اللغة العربية غير قابلة للتطوير, وجامدة, بل هي قابلة للنماء والتوسّع, والاستجابة لجديد الحاجات, وللإحداث في اللغة, من أبواب الاستعمال, والمجاز, والوضع, والاشتقاق, والتوليد, والتعريب, ووسائل تنمية اللغة الأخرى, التي تستجيب للمعاني التي تجدّ للناس في حياتهم, وتصبح الحاجة قائمة للإبانة عنها، كما تجدّ للناس من المسمّيات ما يحتاج لوضع أسماء تدلّ عليها, ولا بدّ من استجابة اللغة.
ارتباط العربية بكتاب مقدّس, وهذا قد يعدّه البعض عامل ضعف فيسمون العربية بأنّها لغة دينية، مثل العبرية والسريانية, والأمر في العربية مختلف، فهو في العربية عامل قوّة. وعامل جذب لا لتعليمها فحسب, بل لجعلها مظهر هوّيّة؛ إذ كلّ مسلمٍ مهما ثقل لسانه بالعربية فلا بدّ أن يمارس شيئًا في حياته بها, من ذكر وصلاة وتلاوة وكفاية, وأن يسمع منها في كلِّ يومٍ شيئًا منها.
ارتباطها بتراثٍ مدوّن لا يعدله تراث آخر, أفادت منه الحضارة الإنسانية, وكان الواسطة لنقل التراث الإنساني, الآخر.
أن الأقليّات ذات اللغات الخاصة في العالم العربي لا تصنع مشكلة في الوطن العربي, فهذه اللغات ليس بينها وبين العربية قطيعة، إذ ترتبط بالعربية بسبب ما من القيم, والمكوّنات , وحاجة أهلها للعربية، بل بعضها مرجعيّتها عربيّة, مثل الكردية والأمازيقيّة, ولا ترقى هذه اللغات المحلية الخاصة لمزاحمة العربية, وسيتّضح بعد مدّة صحّة هذا القول؛ لأسباب كثيرة. في حين تشكّل اللغات الأخرى في بعض البلدان مشكلة معقّدة, قد تؤدّي إلى تشرذم الدولة, وتمزيقها, كما هو الحال في كندا, وإسبانيا, وغيرها.
أن هناك خطّ دفاع عن العربيّة, يحيط بالإقليم العربي, لا يبعد عن العربيّة كثيرًا, وإن لم تسمّ دولا عربيّة, وشعوبها تفهم أو تستطيع التواصل بها في حدّها الأدنى, ولولا تفريط العرب, وهمّة المستعمر في فصل هذه الشعوب والدول عن الأمّة العربيّة, لكانت عربيّة اللسان, رسميًّا لا شعبيًّا فحسب, مثل دول الصحراء الأفريقية, مثل: تشاد, ومالي, والنيجر, والسنغال, وأريتريا , هذه الدول أو أجزاء منها العربية لديها ليست غريبة, وكان بالإمكان تحويل لسانها الرسمي إلى العربيّة.
أنّ العربية بسبب ما تقدّم سلمت من حالة الانشقاقات التي وقعت في اللغات الأخرى، كاللغة اللاتينية, التي تفرّعت عنها لغات مثل: الفرنسية, والإيطالية، والإسبانية, والبرتغالية وغيرها. أما في العربية فالعاميات لم ترتق لتكون لغة قائمة بذاتها, بل بقيت لغة ترتبط بأمها، وإن كانت مولودًا مشوَّهًا. وهناك محاولات لتضخيم التشتّت اللغوي العربي بتهويل الاختلاف وأعداد اللهجات, ومجاوزة المقبول في تصوير التباعد بينها, وهي في تعدّدها لها مرجعية واحدة, كما أنّها لا تصل لتتحوّل إلى تعدّد لغات, واستقلال بعضها عن بعض، وما نعلم أن لهجة عربية استقلّت وانفصلت عن العربية الأم لتكوّن لغة قائمة بذاتها, ولتكون لها مرجعيّتها الخاصّة, فالعربية ((مهما تعدّدت لهجاتها, لا يمكن مقارنتها بحدّة التعدّد اللغويّ لبلدٍ واحد, مثل نيجيريا (400) لهجة, وأثيوبيا (80) لهجة, وجنوب أفريقيا (11) لهجة ولغة, والهند (18) لغة, ويجوز لنا أن نضيف هنا العدد الهائل من لهجات اللغات الصينية, واختلافها عن لهجة بكين)).([11] ) وكنا مرة في مؤتمر لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في البحرين, ومعنا في المؤتمر د.غسان الصيني, وحضر الافتتاح سفير الصين في البحرين, وتكلّم معه د. غسان, وهو من تايوان، ثم فال لنا: إنه تكلّم معه باللهجة أو اللغة المشتركة, وأفادنا باختلاف لهجتهما, وأن اللهجات في الصين بنحو مما ذكر, وأن اختلافها أشد من اختلاف لهجات العربية. وإذا أراد أهل الأقاليم التفاهم, تركوا لهجاتهم المحليّة جانبًا, وتفاهموا باللغة المشتركة. والذي يلاحظ في العربية أنّها تسير عكس اتِّجاه اللغات الأخرى, فاللغات الأخرى تسير نحو التفرّق والتشتّت, والانشقاق, والعربية في عصورها القديمة والحديثة, تسير نحو الاتّحاد؛ ففي القديم اتّحدت لغة الشمال ولغة الجنوب، وذابت العربيّات في عربيّة واحدة, وهي الآن كذلك, فمهما أوغلت اللهجات الدارجة في البعد عن العربيّة النموذج الموحَّدة، هي تسير نحو الرجوع إلى الأم والاقتراب فيها, ووسائل العصر تعين على تحقيق ذلك, من وسائل إعلامية, وتربويّة, وحركات اتصال بطرقٍ متنوَّعة.
عالمية العربية: أعلم أن مثل هذا الكلام سيقابل بالاستغراب, ويحسن بي أن أنقل شهادة د. تاج الدين نور الدين مرداني نائب رئيس جامعة الإمام أبي حنيفة في دوشنبيه عاصمة طاجيكستان؛ إذ قال لنا في جلسة خاصة: ليس في العالم لغة توصف بأنها عالمية إلا لغتان: العربية والإنجليزية, وهما تتنافسان مرة ترجح الإنجليزية, ومرّة ترجح العربية.([12] ) وإيضاح ذلك أن جميع لغات العالم إقليمية لا تصل إلى أرجاء الكون والمعمورة، فالفرنسية إذا جاوزت حدود تونس شرقًا لا تكاد تجد من يتكلّمها، وهي في اضمحلال, والصينية على الرغم من تعدادها السكاني لغة محلية, لم ترق بعد للعالمية, وكذا اليابانية، والروسية, وغيرها. وتتجلّى عالمية العربية – كما لدى د. نبيل علي- في تاريخها وانتشارها, وتأثيرها في اللغات الأخرى, ونجاحها في ذلك حتّى صارت أداة نقل المعارف المختلفة, وخصائصها التي تتمثّل في التوسط والتوازن اللغويّ, في الأصوات, والرموز الكتابية, وصرفها ونحوها ومعجمها, بتوازنٍ دقيق وتآخ محسوب، بين هذه الفروع, وقابليّتها للمعالجة الآليّة, وفق المعايير المقرّة في اللغات الأوروبية، مثل الإنجليزية.([13])
********
ثالثـــًا: مع العربية والهوّيّة :
مفاهيم, و صورة اللغة العربية في التراث, وأسئلة :
ý مفاهيم عن حياة العربية, فهناك صورة تكوّنت لدى كثيرٍ من الدارسين عن حال العربية في العصور الإسلامية، مردّها (سحر الغياب وهالة الغموض) حيث يتصوّر هؤلاء أن الناس في بغداد وسائر العواصم الإسلامية, من تبريز وأصبهان, وبلخ وبخارى, وترمذ إلى قرطبة, وإشبيلية, يتصوّرون أن ما يسمّونه الفصحى هي لغة الحياة اليومية في تلك المدن والأقاليم, وأن الشارع يعرب الكلمات، ويزنها بالميزان الصرفي, ولعل وصف أبي عبد الله المقدسي (ت381) للغات الأقاليم, يؤنس برأيٍ أكثر واقعيّةً, يقول في مقدمة "أحسن التقاسيم" إنه وصف ((اختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم)). ([14]) وبقراءة ما كتبه المقدسي يتضح أنه أحيانًا يصف لغة أهل الإقليم السائدة في حياتهم, وهذا لا غرابة فيه، وهي لغات أعجمية, وقد وصف لسان بلاد العرب فقال: ((وجميع لغات العرب موجودة في بوادي هذه الجزيرة إلّا أن اصحّ ما بها لغة هذيل ثم النجدين ثم بقيّة الحجاز إلا الأحقاف فان لسانهم وحش)).([15]) وقال عن لغة عمان: ((لغتهم العربيّة إلا بصحار فانّ نداءهم وكلامهم بالفارسيّة وأكثر أهل عدن وجدّة فرس إلا أن اللغة عربيّة, وبطرف الحميري قبيلة من العرب لا يفهم كلامهم وأهل عدن يقولون لرجليه رجلينه وليديه يدينه وقس عليه ويجعلون الجيم كافا فيقولون لرجب ركب ولرجل ركل)).([16]) وأمّا وصفه للغات أقاليم المشرق فهي لا تخرج عمّا قاله المتنبي:
مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمـــانِ
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيهـــا غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ
مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو ســـــارَ فيهـا سُـلَيمانٌ لَســــــارَ بِتَرجُمـانِ
وعلينا أن نتخلّص من الصورة التي ارتسمت بسبب سحر الغياب, وهالة الغموض. وقد لمس ابن جنّي (ت393هـ ) هذا المعنى بقوله: « ... وليس أحدٌ من العرب الفصحاء إلاّ يقول: إنه يحكي كلام أبيه وسلفه، يتوارثونه آخرٌ عن أوّل، وتابع عن مُتّبَعٍ، وليس كذلك أهل الحضر؛ لأنَّهم يتظاهرون بينهم بأنَّهم قد تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى اللغة العربيّة الفصيحة، غير أنّ كلام أهل الحضر مُضاهٍ لكلام فصحاء العرب في حروفهم، وتأليفهم، إلاّ أنّهم أخلُّوا بأشياءَ من إعراب الكلام الفصيح، وهذا رأي أبي الحَسَن، وهو الصواب »([17]). فالحديث عن صلة اللهجات العامية أو لغة العامة بالفصحى ليس وليد العصر، بل تطرّق له بعض من كتب في التاريخ والأدب في العصور الخالية، من أمثال ابن خلدون (ت808هـ ) الّذي سَمَّى لُغَة عصره لغة الجيل، وقارن بينها وبين اللُّغة المضريّة، وقد أفرد في مقدّمته فصولًا للبحث في هذا الشأن، منها فصلٌ عنوانه " لغة العرب لهذا العهد لغةٌ مستقلّةٌ مغايرة للغة مضر وحمير ". وآخر عنوانه " لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها مخالفة للغة مضر " عالج فيها ابن خلدون مميزات لهجة عصره أو لغة جيله، كزوال الإعراب، ولزوم علامة الوقف في أواخر الكلام([18]).
ý اللغة والهويّة في التراث : لم تكن قضية اللغة والهوية غائبة عن تراثنا، فالحديث عن عربية القرآن حاضر لدى كل من يتكلّم عن اللغة العربية, أو شيء يتّصل بها, وفي الأثر عن حذيفة بن اليمان رسول الله r قال: "ألا إن الرب عزّ وجلّ واحد، وإن العربية اللسان الناطق، فمن تكلم بها فهو منهم، ألا وإن مولى القوم منهم، وابنه من أبنائهم، وابن ابنه من أنفسهم. ([19])وأما "قول " العربية اللسان " فصحيح! فإسماعيل عربيٌّ لأنّه نطق بها فأبوه إبراهيم ليس عربيّا ً , وذريّته من بعده ينسَبُون إليه"([20]) وطرق علماء المسلمين الموضوع, إذ تجد في كلام لابن تيمية قوله: ((اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق. وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "أما بعد: فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن، فإنه عربي".وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم " وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله)).([21]) وأما الكلام بغير العربية، فقال فيه: ((وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية - التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن - حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه كما تقدم. وقد نص على هذا بقوله: ((وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ تَغْيِيرَ شَعَائِرِ الْعَرَبِ حَتَّى فِي الْمُعَامَلَاتِ وَهُوَ " التَّكَلُّم بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ " إلَّا لِحَاجَةِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِك وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد بَلْ قَالَ مَالِك: مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَسْجِدِنَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ أُخْرِجَ مِنْهُ. مَعَ أَنَّ سَائِرَ الْأَلْسُنِ يَجُوزُ النُّطْقُ بِهَا لِأَصْحَابِهَا؛ وَلَكِنْ سَوَّغُوهَا لِلْحَاجَةِ وَكَرِهُوهَا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ وَلِحِفْظِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كِتَابَهُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ وَبَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ الْعَرَبِيَّ وَجَعَلَ الْأُمَّةَ الْعَرَبِيَّةَ خَيْرَ الْأُمَمِ فَصَارَ حِفْظُ شِعَارِهِمْ مِنْ تَمَامِ حِفْظِ الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ بِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ - مُفْرَدِهِ وَمَنْظُومِهِ - فَيُغَيِّرُهُ وَيُبَدِّلُهُ وَيُخْرِجُهُ عَنْ قَانُونِهِ وَيُكَلِّفُ الِانْتِقَالَ عَنْهُ إنَّمَا هَذَا نَظِيرُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنْ الشُّيُوخِ الْجُهَّالِ)) ([22]) وَاَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ وَيُفْسِدُونَهُ لَهُمْ مِنْ هَذَا الذَّمِّ وَالْعِقَابِ بِقَدْرِ مَا يَفْتَحُونَهُ؛ فَإِنَّ صَلَاحَ الْعَقْلِ وَاللِّسَانِ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْإِنْسَانُ. وَيُعِينُ ذَلِكَ عَلَى تَمَامِ الْإِيمَانِ وَضِدُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الشِّقَاقَ وَالضَّلَالَ وَالْخُسْرَانَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ([23]).
ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر، ولغة أهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب، ولغة أهلها بربرية عوّدوا أهل هذه البلاد العربية، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار: مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديما. ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت عليهم وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه، وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة، ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب)). ([24]) بل جعل ابن تيمية ((اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون)).([25]) وهم مع تشدّدهم في اعتياد غير العربية والنهي عن تعلّم رطانة العجم, يترخّصون في الكلمة بعد الكلمة، يقول ابن تيميّة: ((وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية، أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك إما لكون المخاطب أعجميا، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها، فكساها النبي صلى الله عليه وسلم خميصة وقال: «يا أم خالد، هذا سنا» والسنا بلغة الحبشة: الحسن)).([26] ) ولم يكن هذا غائبًا عن ممارسة علماء العربية، فقد كان أبو عمرو شيخ العربية في البصرة يتكلّم مع العمّال في كلاء البصرة (الميناء بالفارسية). هذا في الحالة الفردية, والسلوك الخاص, فكيف إذا تحوّل الأمر إلى ظاهرة اجتماعية, يتحوّل المجتمع كلّه إلى لغة غير العربية, في تواصله, وفي معاملاته, لتصبح هذه الظاهرة منقبة ومحمدة ومظهر كمال في أفراد المجتمع، بل تصبح ضرورة معاشية لأفراده؛ فالمهزوم يأخذه الغالب إلى ثقافته, ويلبسه جلبابها، فالأوروبيون فيما يسمّى العصور الوسطى, فعلوا ما نفعله الآن: تعلّموا العربية، ليدرسوا بها علوم العرب واليونان وغيرهم من الأمم, وكانوا يتباهون بذلك, والغالب يأخذ ما عند الآخرين, ليصوغه بما يناسبه, ويعيد تشكيله بما يتناسب وثقافته, وحاجاته؛ فالعرب حين كانوا أمّة غالبة, أخذوا ما عند الآخرين, ونقلوه إلى لسانهم, وأعادوا صياغته، وتشكيله على ما يناسبهم، ويلائم حاجاتهم, ولا يتناقض مع قيمهم, وتصوّراتهم, في حين أن العرب في الوقت الراهن يأخذهم الآخرون إلى ثقافتهم, ويفرضون عليهم لغاتهم, وليس لهم أن يختاروا, بل عليهم أن يلبسوا ما خِيط لهم وفصِّل, وصنِع بأيدي غيرهم. لم نسمع أن العرب افتتحوا أقسامًا تدرس علوم اليونان باللغة اليونانية, ولا علوم الفرس باللغة الفارسية, ولا علوم الهند باللغات الهندية, وإنّما قاموا بنقل ما احتاجوا إليه من علومهم ودرسوه بلغتهم, فانتدبوا نفرًا منهم قاموا بعملية النقل, ودرِست بلسان عربيٍّ مبينٍ, ولم نسمع أن تلك العلوم تأبّت على الترجمة, ولا استعصت على النقل. ومن كلام للبشير الإبراهيمي: ((قامت اللغة العربية في أقل من نصف قرن بترجمة علوم هذه الأمم ونظمها الاجتماعية وآدابها فوعت الفلسفة بجميع فروعها، و الرياضيات بجميع أصنافها، و الطب و الهندسة والآداب والاجتماع، وهذه هي العلوم التي تقوم عليها الحضارة العقلية في الأمم الغابرة و الحاضرة . وهذا هو التراث العقلي المشاع الذي لا يزال يأخذه الأخير عن الأول، وهذا هو الجزء الضروري في الحياة الذي إما أن تنقله إليك فيكون قوّة فيك، وإما أن تنتقل إليه في لغة غيرك فتكون قوة لغيرك، وقد تفطّن أسلافنا لهذه الدقيقة فنقلوا العلم ولم ينتقلوا إليه))([27]).