3 - ومن أمثلة إيراده للهجة طائفة أهل بيروت قوله :·
(( (72) ح و ر الحارة
والحارة تطلع عند العامة على المحلة الوحدة في المدينة وهي طائفة (4) من البيوت مجتمعة . كما أن الحارة تطلع في لبنان وفي بيروت في الأخص على البيت المشاد المجتمع وذلك محمول على المجاز . وقال الزبيدي لأن أهلها يحورون إليها أي يرجعون . والحور في اللغة الرجوع يقال حار عليه حورا إذا رجع . ))
4 - ذكرت سابقا أنه ألمح في بعض الأحيان إلى اللهجة المصرية ، وأورد هنا أمثلة ذلك :
(( (12)· ج د ع··· الجدع ، أو الكدع والعامة في مصر والشام يقولون للفتى النشيط الخفف الظل والحركة جدع " بالدال المهملة قبلها جيم مصرية" جمعه جدعان . وهو في اللغة الجذع " بالذال المعجمة"· . قال الأئمة الجذع الشاب الحدث ، ومنه قول ورقة بن نوفل : يا ليتني فيها جذع ، يريد يا ليتني كنت شابا حين يصدع محمد (ص)(5) بنبوته حتى أبالغ في نصرته . وورقة هذا عم أم المؤمنين جديجة (رض) وهو ممن آمن بالنبي قبل بعثه . وقال دريد بن الصمة وهو ممن قتل في وقعة حنين على شركه :
يا ليتني فيها جذع······· أخب فيها وأضع ))
وقال : (( (57)· ج م ل····· الجملون
الجملون "بفتح الجيم والميم" يطلع عند العامة على السقف المحدب . وهذا على التشبيه بسنام الجمل ... وهي عامية معروفة قديما في مصر كما في شفاء الغليل ويقول قائلهم : في ظهره جملونات لها عقد ))
5 - وقد جمع اللهجة المصرية والحجازية في مثال فقال :(26)· ح ز ز····· الحز ، هالحز ، هالوقت ، هالقيت ، هلق ، هلقتنية ،هاالساعة ، هسع ، هسا ، إسا· ، أساً ، لساً ،· د الوقت ، د الحين ، دحين
إذا سألت إعرابيا (6) من بادية الشام متى قدمت أجابك هالجز ، يريد هذا الوقت أو هذا الحين . وإذا كان شاميا حضريا أجابك بلهجة قطره هالوقت ، هالقيت ، هلق ، هلقتنية ، أي هذا الوقت . هاساعة ، هسع ، هسا ، وإساً (والتنوين هنا على لغة من لا ينتظر) أي هذه الساعة ويقولون لسا ما جاء أي إلى هذه الساعة لم يأت هذا كله في بلاد الشام .
وإذا سألت حجازيا أجابك أعرابي مكة دالحين ، وحضريها ، دحين ، وأعرابي المدينة المنورة هالحين ، وإذا أن مصريا أجابك دي الوقت . وفي كل ذلك يحذفون اسم الإشارة وتبقى ها التنبيه للدلالة عليه أو يحذفونها ويثبتون اسم الإشارة بالدال المهملة مكان الذال المعجمة ، وكل هذا ظاهر المأخذ من الفصيح ))
ثانيا : أنواع اللحن اللفظي والتغييرات اللفظية التي أحدثتها العامة على الكلمات الفصيحة :
اختلفت التغييرات التي طرأت على الكلمات العربية من قبل العامة في استعمالاتهم ما بين التغييرات في الحركات وامتدت إلى الحروف إما بزيادة أو نقص أو تبديل بين الحروف ، وأنا أوردها هنا مفصلة مع ذكر الأمثلة :
1 – كلمات عامية جرى التغيير فيها في الحركات وليس في الحروف إما بالتبديل بين الحركات والسكنات أو بين الحركات أنفسها .
أ - مثال التبديل بين الحركات والسكنات :(( (71) ح و ر···· الحور
الحور معروف عند العامة بأنه جلود من جلود الضأن تدبغ . وهي بيض رقاق وتعمل منها الأسفاط . وهو في اللغة الحور "بالتحريك" لنفس المعنى .
وكذلك الحور للشجر المعروف الذي يغرس حول الماء يطول صعدا في السماء وينتفع بخشبه . إن العامة تسكن الوسط وهو محرك في الفصيح وهذه الشجرة تعرف بالبيضاء . والبياض أصل المعنى في الحور ))
فنلاحظ أن العامة استعملت كلمة "حور" بنفس المعنى اللغوي الفصيح ولكنها سكنت حرف الواو في وسط الكلمة بينما الكلمة الفصيحة بالتحريك .
ب - مثال التبديل بين الحركات أنفسها :(( (4)· ح ت ت····· الحتة
وقالوا للقليل من الشي حتة "بكسر الحاء" ، ولكنها في الفصيح بالفتح ، ويراد بها القشرة من قولهم حته إذا قشره وفركه ، والحتة طائفة قليلة من الحتات "بضم الحاء" وهو ما يسقط بالحت ولا قيمة له . ))
نلاحظ أن "الحِتة" بالكسر عامية وهي في الفصيح "الحَتة" بالفتح ، فجرى التبديل هنا بين الكسرة والفتحة .
2 – كلمات جرى التغيير فيها بزيادة حرف على الكلمة الفصيحة .
مثل :(( (4)· ب ح ب ش······ بحبش
ويقولون بحبش إذا نقب وعاود التنقيب مستقصيا . وأصلها بحش ، زيدت الباء لتكرار العمل كما في صر وصرصر وجر وجرجر . اطلب بحش . ))
فقد زاد العامة هنا حرفا واحدا ، وقد زادوا هذا الحرف في اللفظ لغرض آخر دلالي وهو تكرار العمل .
3 – كلمات جرى التغيير فيها بإنقاص حرف من الكلمة الفصيحة .
مثل :(( (30) ا ن ي···· استن
وقالوا لمن يتعجل الشيء استن بصيغة الأمر وهي محرفة من استأنِ (للأمر أيضا) أي انتظر وتمكث . وقد جاء في متن اللغة استأنى به انتظر به ولم يعجل ، والأمر منه استأنِ . ))
فنلاحظ أن العامة قد حذفوا حرف الهمزة من وسط الكلمة مع تضعيف حرف النون .
4 - كلمات جرى التغيير فيها بإبدال حرف مكان حرف آخر .
مثل :(( (41)· ج ف ص··· جفص
ويقولون فلان جفص وجبص "بالفاء والباء" أي يابس الطبع ثقيل الروح . وهو محرف من جبس قال في اللسان الجبس " بالكسر" الجامد من كل شيء ، والثقيل الروح ، والثقيل الذي لا يجيب إلى خير . ))
فنلاحظ أن العامة استعملوا كلمة " جبص " وهي في الفصيح " جبس " فصار الإبدال بين الصاد والسين .
5 – كلمات جرى التغيير فيها بالقلب المكاني بين الحروف .
مثل :(( (15)· ح م ج·· حلج ، قلج ، ألج ، ألز
والعامة تقول حلج فلان وذلك إذا رفع رجلا وقفز على الأخرى فرحا . وهي مقلوب حجل وبعضهم يقول قلج ، وآخرون ألج ، بمعنى عرج ، وهما من حلج العامية على الإبدال .
وفي اللغة حجل الغلام رفع رجلا وقفز على الأخرى . وحجل البعير عقر فمشى على ثلاث . وأصل المادة الحركة والاضطراب ))
جرى القلب هنا بين حرفي اللاز والجيم ، فالعامة استعملت "حلج" بتوسيط اللام وتأخير الجيم وفي الفصيح المتوسط هو الجيم والمتأخر هو اللام .
قال :(( (8) ب ح ص··· البحص
والبحص عند العامة هو الحصى في الفصيح ، وهو أيضا الحصب . والحصبة الحجارة والحصا واحدها حصبة "وهو نادر" . والحصباء الحصى ، واحدته حصبة ، "كقصبة وقصباء" وهو عند سيبويه اسم للجمع ، وأرض حصبة ومحصبة كيرة الحصباء.
فالبحص إذاً هو الحصب على القلب كما قالوا في الأرض المحصبة مبحصة وهي ذات الحصى . ومثل هذا القلب حتى في الفصيح معروف وكثير ، ومنه الزأبل والبلأز للقصير . والناس أو شاب و أوباش أي أخلاط . والزبرجد والزبردج . وفي العامي اصطفل في افتصل ، والسداجة في السجادة إلى غير ذلك . ))
ونلاحظ أن العامة قد قدموا الحرف الأخير وهو الباء فجعلوه أولا ، وبطبيعة الحال أصبح الأول وهو الحاء ثانيا ، وأصبح الثاني وهو الصاد ثالثا .
6 - كلمات جرى التحريف فيها بأكثر من حرف زيادة أو نقصا .
مثل :(( (6)· ح د ت··· الحدوتة
وقالوا حدوتة للنبذة اليسيرة من الحديث وهي محرفة من الأحدوثة واحدة الأحاديث ، وربما خصوا الحدوتة بما يتضمن منها نكتة أو خرافة أو أعجوبة .
وفي الاج الأحدوثة "بالضم" ما يتحدث به . وقال ابن بري إن الأحدوثة بمعنى الأعجوبة ، يقال صار فلان أحدوثة . وقال اشيخ الطيب الفاسي في شرحه للقاموس وصرحوا بأن لا فرق بينهما ، أي الأحدوثة ، والحديث في الاستعمال والدلالة على الخير والشر ، خلافا لمن خصها بما لا فائدة فيه ولا صحة له كأخبار الغزل ونحوها من أكاذيب العرب ، فقد خص الفراء الأحدوثة بأ،ها للمضحكات ، والخرافات بخلاف الحديث· ا هـ . ))
فـ "الحدوتة" عند العامة حذفوا منها الهمزة واستبدلوا الثاء بالتاء وضعفوا حرف الدال فهذه جملة من التغييرات التي طرأت على الكلمة وليس تغييرا واحد .
وقال :(( (47)· ب ز م··· ما بزم بحرف
وتقول العامة ما بزم بحرف إذا لم ينطق بكلمة . وهي فيما أراه محرفة بالإبدال من زجم . وقد جاء في اللغة زجم زجما : نبس ، وما زجم لي بكلمة وزجم له بشيء . كلها بمعنى نبس إليه وكلمه . ))
يرى المؤلف أن هناك ارتباطا بين كلمة العامة "بزم" والكلمة الفصيحة "زجم" وعند التأمل لم يظهر لي أن المؤلف إنما نظر لحرف الميم في موقعه ولحرف الزاي الذي وقع في العامية ثانيا وفي الفصيحة أولا ، وهذا الشبه – في نظري – ليس بالشبه الكبير الذي يجعل المؤلف يربط بين هاتين الكلمتين وإن كان يلمح إلماحا ، وأرى أن هناك شيء من التكلف في الربط بينهما .
7 – هناك كلمات أجرى العامة فيها ما يسمى بـ " الحذف والإيصال " وذلك بحذف جزء من الكلمة ووصلها بكلمة أخرى ومزجهما حتى تصير الكلمتان كالكلمة الواحدة مثل :
(( (62)· ج ي ب···· جابه يجيبه جيبانا وجيبا
وقالت العامة جابه يجيبه جيبا وجيبانا بمعنى جاء به . وهذا من باب الجذف والإيصال جذفوا همزة جاء ووصلوها بالجار والمجرور ومزجوهما كلمة واحدة جارية على تصريف جاب ، حتى قالوا في فعل الأمر منه جيب وعلى طريقتهم في الإبقاء على حرف العلة في الأمر . كما يقولون قوم بيع في قم وبع من قام وباع . )).
فيتضح لنا جليا أن فعل الأمر عند العامة "جيب" أصله من "جاء به" فالجيم والباء من "جاء" و "الباء" من به وبعد الحذف من الكلمتين – جاء به – تم وصل الحروف المتبقية فجعلت كلمة واحدة .
قوله " على طريقتهم في الإبقاء على حرف العلة في الأمر . كما يقولون قوم وبيع في قم وبع من قام وباع " قلت : هذا في العامية السورية أما عندنا – في السعودية أو نجد على الأقل منها – فإن حذف حرف العلة في الأمر من قام وباع جاريا على الأصل .
ولذلك نقول في الأمر – في الكلمة المدروسة – "جب لي قلم" أي أحضر لي قلما ، فنلاحظ حذف حرف العلة ومنها – في نظري – "جابه لي" أي أحضره لي ، "يجيب لي قلم" أي يحضر لي قلما ، و "ماجاب لي شي" أي لم يحضر شيئا ... وهكذا .
وقال :(( (54) ح ل ل····· حلها تجي
ويقولون حلها تجي ، وحلها واستوى خلها ، أي آن لها أن تجيء ، وهي جملة جمعت في كلمة . أي حان لها فقالوا حنلها " بحذف الألف" من حان ثم أبدلوا النون لاما وأدغموها في لام لها ، فكانت كلمة واحدة .كما فعلوا في جاء به فقالوا جابه ( راجع ج و ب) . وأما إبدال الحرف وإدغامه في آخر هو مثل عمبر في عنبر . وقد قالت العرب أجنك بمعنى من أجل أنك . وفي التنزيل لكنا هو الله ربي (7) ، وأصلها لكن أنا . وجاء في كلام العرب دحا محا أي دعها معها . ))
والحذف والوصل في هذا المثال واضح ، والملاحظ أن الحذف وقع في الكلمة الأولى "حان" أما الجار والمجرور "لها" فلم يصبه الحذف إلا أنه تم وصله بما قبله فأصبح معه كالكلمة الواحدة ، وقد ذكر المؤلف أمثلة لهذا التغيير من الفصيح مثل : " أجنك" بمعنى "من أجل أنك".
ثالثا : أنواع التغيرات الدلالية التي طرأت على الكلمات التي وقع فيها التغيير والتحريف من قبل العامة :
تنوعت التغيرات الدلالية في الكلمات العامية التغيرات القليلة والتغير الكامل ولكن مع بقاء رابط يربط العامية بالأصل والانقطاع الكلي بين معناها في العامية ومعناها في الفصحى ، وسندرس هذا التغيرات وفق ما يلي :
1 - هناك كلمات أوردها المؤلف من العامية ولما ردها إلى أصلها بين أنها استخدمت في نفس المعنى دون تغيير مثل :
( (35) خ ط م····· خطم الطريق
ويقولون خط له الطريق ، وخطمه عليه إذا جزعه ، أي قطعه عرضا ليختصر من طوله . وهي من خطم أنف الرمل إذا استقبله جازعا كما في التاج عرضا ، وهو من المجاز . وفي اللسان في تفسير قول ذي الرمة :
وإن حبا من أنف رمل منخر·· خطمنه خطما وهن عسر قال الأصمعي : يريد خطمنه مررن على أنف ذلك الرمل فقطعنه ))
فقد استعمل العامة كلمة "خطم" في نفس معناها الفصيح ولم يحدث تغيير على لفظ الكلمة أو مدلولها .
وقال :( (80)· ح ي ل······· الحيل ويقولون ما بقي لي حيل أي لم يبق لي قوة .
وهي فصيحة عربية بلفظها وحروفها وصيغتها واستعمالها ومادتها . فلا حاجة إلى عدها من السريانية بعد أن جاء في كتب الأئمة أن الحيل والحول هما القوة ، ومنه الدعاء الذي رواه الترمذي في جامعه "اللهم ذا الحيل الشديد" ويقل لا حيل ولا قوة إلا بالله ، عن الكسائي . ))
وهنا صرح المؤلف بأن أن كلمة العامة فصيحة عربية بلفظها وحروفها وصيغتها واستعمالها كما نرى .
وقال :( (39)·· خ ل ط····· الخلاط وقالوا فلان خلاط وقد خلطها وعنده خلط كثير إذا كان يخلط الصحيح بالفاسد من القول ، ويلبس على السامعين . فهو والكذوب في مورد واحد .ويقال له في الفصيح المخلط والمخلاط .
وقال ابن الأثير في النهاية في حديث معوية إن رجلين تقدما إليها فادعى أحدهما على صاحبه ملا وكان المدعي حولا قلبا مخلطا مزيلا . المخلط "بالكسر" الذي يخلط الأضياء فيلبسها على السامعين والناظرين . )).
وهذه الكلمة أيضا كسابقتها إذ إنها صيغة المبالغة من الخلط والعرب كما العامة تبالغ فهي عربية فصيحة وليست بعامية .
قلت : أرى أن هذا هو الأصل في كلام العامة وهو أن عامة ألفاظهم عربية على ما هي عليه لم يتغير فيها شيء إلا الإعراب، ولذلك لا أرى وجها لإيراد مثل هذه الكلمات وإلا للزم أن يذكر غالب كلام الناس اليوم ويرده لأصوله الفصيحة وهذا يصعب جدا .
2 – كلمات عامية تستعمل كما هي في العربية فهي مطابقة تقريبا إلا في تغيير لا يكاد يذكر مثل :( (14)· ا ز ا············ ازى له في مجلسه وقالوا : ازى له في مجلسه إذا تفسح له . وهو من قول العرب أزا يأزو أزواً إذا قلص وتقبض . أي كأنه جمع نفسه على نفسه ليفسح له مجلسا . )) فكلمة "ازى" العامية بمعنى التفسح في المجلس ، وكلمة "أزا" الفصيحة بمعنى جمع نفسه على نفسه وذلك ليفسح له مجلسا ، وكلمة العامة لا يشتمل معناها عندهم على اجتماع الشخص على نفسه – كما هو في الفصيح – وإنما يكفي أن يفسح في المجلس .
وقال :( (3)·· ث ق ف··· الثقافة ، شاب مثقف
أصل الثقافة في اللغة إصلاح العوج وتقويمه . وفي الأساس ثقف العلم أو الصناعة في أوحى مدة أي أسرعت أخذه . وقال في المجاز· . أدبه وثقفه . ولولا تثقيفك وتوقيفك لما كنت شيئا . وهل تهذبت وتثقفت إلا عى يدك . ا هـ .
ويقف يثقف الشيء ثقفا وثقافة وثقوفة : حذقه . وثقف ثقافة صار حاذقا فهو ثقْف ولقف وثقيف لقيف أي رام راوٍ ، عن أبي زيد ، وضابط لما يحويه عن ابن السكيت ، وفي اللسان ثابت المعرفة فيما يحتاج إليه .
والمعنى الذي شاع وأصبح المتبادر من اللفظ عند إطلاقه في هذا العصر هو المعنى المجازي بمعنى أدبه وهذبه وجعله يثقف أي يحذق ويفهم ويثبت في معرفة ما يحتاج إليه . ))
معنى الثقافة عند العامة اليوم سعة الإطلاع والإلمام بمجمل العلوم والأخذ من كل علم بطرف ، ولا شك أن بين هذا وبين الحذق أو الرواية التي ذكرها المؤلف سبب وصله ، فالحاذف مثقف والراوية مثقف .
وأختلف مع المؤلف في قوله : " وأصبح المتبادر من اللفظ عند الإطلاق في هذا العصر هو المعنى المجازي الذي شاع وأصبح بمعنى أدبه وهذبه وجعله يثقف أي يحذق ويفهم ويثبت في معرفة ما يحتاج إليه " ، فلو أتي بطفل شقي فإنه لا يطلب من والده أن يثقفه ، ولا يقال للأب ثقف ولدك ونحن نريد منه أن يؤدبه وإلا لفهم الأب أن ابنه قليل التحصيل والمطالعة وضحل المعلومات ، وقد ألمح المؤلف لهذا المعنى في آخر عبارته حيث قال : " ويثبت في معرفة ما يحتاج إليه " .
3 -· كلمات استعملتها العامة في غير معناها الفصيح حتى أصبح لها مدلولا خاصة وإن كانت لا تزال تحتفظ الكلمة بمدلولها في الفصيح .
مثل :( (80)· ب ك ر······ بكرة ، على بكرة
وتقول العامة بكرة وتريد اليوم الذي بعد يومك . وتقول جاءني على بكرة وتريد غداة يومك الذي أنت فيه . وأصل ذلك كله من البكرة بمعنى الغدوة . والفرق بين بكرة وعلى بكرة إنما هو اصطلاح جرت عليه العامة منذ القديم . )).
فكما نرى كلمة "بكرة" تعارف الناس على أنها اليوم الذي يلي يومك ويشمل المعنى ساعات اليوم ، فتقول لصديقك : " موعدنا بكرة الساعة الرابعة عصرا" أي غدا عصرا . والبكرة في الفصيح إنما هي بمعنى الغدوة ، إلا أن كلمة "بكرة" لم تفقد معناها الأصلي فلا يزال الناس يقولون :" أتيت مبكرا" و "بكر في مجيئك غدا" ونحوها .
4 - كلمات خصصتها العامة بعد تعميم ، فقد كانت تطلق في الفصيح على مسمى عام لكنها في العامية قد أطلقت على شيء خاص من ذلك العام .
مثل :( (3) ت ب ل····· المتبل
المتبل من الطعام الذي جعل فيه التوابل وهي الأبزار التي يطيب بها الطعام . وقد تبله. وفي اللغة : التابل "بفتح الباء وكسرها" فصيحة الفحا . يقال "فحى القدر وتوبله" إذا وضع فيه التوابل والأبزار ليطيبه بها ، ولا يقال في الفصيح تبله وإنما تقوله العامة . )).
فنلاحظ أن كل طعام وضعت فيه التوابل فهو متبل ولكنها الآن تطلق على نوع خاص من المقبلات وغلب على تسمية الطعام المتبل أسماء أخرى مثل :"المبهر" مع بقاء تسمية المتبل على قلة .
وقال :( (30) ح ز م···· المحزم ، والوزرة
المحزم "بالفتح" في الديار الشامية الوزرة التي يشدها غلمان الحمامات وخدم المطاعم والمقاهي على أوساطهم وقاية لأثوابهم من ضر العمل .
وفي اللغة المحزم "بالكسر" الحزام وهو المحزمة أيضا . وإنما سمي به لإنه يحزم من أعلاه في وسط الخادم أي يشد. وحزم الشيء يحزمه حزما إذا شده ))
فرأينا في اللغة يطلق على ما يشد على وسط الرجل الحزام أو المحزمة وقد استعمله عوام أهل الشام ولكن في مسمى خاص وهي الوزرة التي يشدها غلمان الحمامات وخدم المطاعم على أوساطهم فتخصص معناها عندهم بعد أن كان عاما .
وقال :( (31)· ح س ب··· تحسب
ويقولون تحسب من كذا إذا ظن الشر منه . وهو من حسب التي هي من أخوات ظن فهي تفيد معنى الظن . ولكن العامة خصت هذا الظن بما فيه شر )
فالتحسب يكون من كل شيء ، إلا أنه أصبح عند العامة التحسب من الشر لا غير ، ومنه "حاسب لا تقع" ونحوها .