ومن أمثلة النوع الآخر قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10] وقوله: {يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ} [الأحزاب: 66]، فقد ختمت الآيتان بألف غير مبدلة من التنوين للوقف، ولكنَّها مزيدةٌ ليكونَ مقطع النغم فيهما مثل مقاطعه في سائر الآيات الأخرى طليقًا مرسلاً.
ويلحق بالزيادة للتنغيم تنوينُ غيرِ المنون، كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثًا وَيَعُوقًا وَنَسْرًا} [نوح: 23] في قراءة الأعمش[21]، وقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلاً وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} [الإنسان: 4] في قراءة نافع والكسائي[22]، ليس التنوين هنا بدعًا من العربية، فبنو أسد ينونون الأسماء كلَّها، وبعض القبائل لا يمنع من التنوين إلا أفعل التفضيل[23].
ويَحتجُّ أبو تَمَّام للزيادة المؤكدة، اقتباسًا من التثويب في الأذان، فيقول:
لَوْ رَأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ خَسْفٍ مَا شَفَعْنَا الأَذَانَ بِالتَّثْوِيبِ
يتضح من ذلك كله أن الزيادة في القرآن وفصيح البيان ليست لغوًا باطلاً، ولا عبثًا فارغًا، ولكنها كانت تراد قصدًا لمطلب كريم من مطالب البلاغة وفصاحة التعبير.
ولقد لقي الذين أنكروها في القرآن من هذا الإنكار نصبًا ، واضْطُرُّوا إلى كثيرٍ من الاستِكْراه وضروبٍ من التَّأويل البعيد، الذي يجب أن ينزه عنه القرآن، وإني ذاكر هنا بعض ما لَقُوه واضْطُرُّوا إليه.
قال قائل منهم يعرب (ما) في آية {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}: إن (ما) استفهامية للتعجب، والمعنى: فبأي رحمة من الله، تعجبًا من الرحمة، وإعظامًا لها .
وقد أخذ على هذا الإعراب أن ألف (ما) ثابتة في رسم المصحف، وإثباتها مع الجار قليل أو شاذ، وأنه لا وجه لخفض (رحمة) بعد (ما)؛ إذ لا يصح خفضها بالإضافة، لأن أسماء الاستفهام التَّعجُّبِيِّ لا يضاف منها غير أي، وكذلك لا يصح خفضها على البدل أو عطف البيان؛ لأنَّ المبدل من اسم الاستفهام يجب أن يقترن بِهمزته، وعطف البيان كالنعت يؤتى به لتوضيح المتبوع أو تخصيصه، وما لا ينعت لا يتبع بعطف البيان[24].
وقالوا عن (لا) التي تذكر قبل فعل القسم غير مسبوقة بالفاء في نحو: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 1]: إنها نافية، ثم اختلفوا في المنفي ما هو؟ فذهب بعض إلى أنه هو ما كانوا يلفظون به ويفيضون فيه من إنكار البعث يوم الدين.
والمعنى لا صحة لما تنكرون، ثم استؤنف الكلام، فقيل: أقسم بيوم القيامة لتبعثن، وسوغ هذا الفصل عندهم بين النافي والمنفي أن القرآن كله كالسورة الواحدة، فربما ذكر أمر في سورة، وجاء جوابه في أخرى.
ويؤخذ على هذا التأويل أنَّ فيه حذفًا لاسم (لا) وخبرها دون دليل يشير إليهما؛ كأن تكون (لا) جوابًا لسؤال، وأما أن القرآن كالسورة الواحدة فأمر لا خلاف عليه، ولكن في تقرير الأحكام وعرض القضايا، وقص القصص: يفصل من أولئك ما عسى أن يذكر مجملاً، ويخصص ما عسى أن يذكر عامًّا، ويتم ما عسى أن يكون بحاجة إلى تمام.
أما أن يذكر في سورة أمرًا يريد نفيه، ثم يذكر الحرف الذي ينفيه في سورة أخرى - فمباعدة بين متلازمين يقتضي البيان أن يقترنا؛ ليعلم المرء من فوره أن الكلام مبني على النفي لا على الإثبات.
وقيل: إنَّها نافيةٌ، والمنفيُّ هو فعل القسم، والكلام خبر لا إنشاء، حذف خبر المبتدأ فيه، والمعنى: لا أقسم بيوم القيامة إعظامًا له، لا إعراضًا عنه؛ لأن القسم لا ينهض بحقه منه، وإن كان لا يقسم إلا بذي شأن كبير.
وجعل (لا) نافية في هذا الأسلوب، أيًّا ما كان الوجه الذي يصار بالمعنى إليه، يوقع في خلف ظاهر بين القسم وجوابه أحيانًا، وذلك حين يكون الجواب مثبتًا لا منفيًّا، نحو قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 1 - 4]، فالمعنى حينئذ: لا أقسم أنا خلقنا الإنسان في كبد.
وأوضح من هذا في الدلالة على الخلف قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75، 76]، فصدر الآية الأولى ينفي القسم بمواقع النجوم، والآية التالية لها تؤكد أن القسم بها عظيم.
ثم لماذا الإعظام للمقسم به في هذا الأسلوب ونحوه على سبيل نفي القسم به، وقد أقسم الله تعالى بربوبيته، وبالقرآن الكريم قسمًا مثبتًا، فقال: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93] وقال: {وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1].
وقيل: إن (لا) هنا زائدة للتوكيد[25]، وهذا هو الرأي، ولا مكان لرده بحجة أن الزائد لا يكون في أول الكلام، لأن الزيادة استغناء واطراح، والبدء بالزائد عناية واهتمام، وهي حجة لا سند لها من اللغة؛ بل من الفلسفة، على أننا لا ندري ماذا يضير البيان أو يغض منه إذا استهل الكلام بزيادة للتنبيه واسترعاء الأسماع، ولقد زيدت الباء مع ذلك ابتداء في (بحسبك) من قول الشاعر، يرويه أبو زيد:
بِحَسْبِكَ فِي القَوْمِ أَنْ يَعْلَمُوا بِأَنَّكَ فِيهِمْ غَنِيٌّ مُضِرّْ[26]
ويمكن أن تعد (لا) في زيادتها ابتداء مثل (ألا) الاستفتاحية ، ومثل (يا) حين تدخل على ما لا ينادى، نحو قوله تعالى: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} [يس: 26، 27]، وجعل (يا) مزيدة هنا للتنبيه أولى من جعلها للنداء، وجعل المنادى محذوفًا؛ لأن ذلك يعفي من ثقل الحذف والتقدير لغير حاجة، ثُمَّ إنَّ النداء دعاء واستقبال، والحذف إعراض وإغفال.
هكذا دار القول على (ما) و(لا) حين لا تتَّصل بِها الفاء، وهكذا كان الخلاف بين القائلين بزيادتهما والمنكرين لها.
ومثال (لا) التي تتصل الفاء بها قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}، وكان الظن - وقد اتَّصلَتِ الفاء بِها - ألا يكون في زيادتها خلاف بين القائلين بالزيادة في القرآن، لكنا نرى أبا حيان - وهو لا ينكر الزيادة على إطلاقها - يذهب في تأويل الآية مذهبًا غريبًا؛ ليجنِّبَها الزيادة، مع أنَّه كان من القُرَّاء، وقضى شطرًا من حياته يأخذ بمذهب أهل الظاهر، فهو حقيق أن يكون أكثر تحفظًا، وأقل أخذًا بالتأويل في دراسة النصوص، ولا سيما القرآن، ولكن هذا ما كان.
قال أبو حيان: إن أصل {فَلَا أُقْسِمُ} فلأقسم، كما كانت في قراءة الحسن، لكن أشبعت فتحة اللام فصارت (لا)، كما أشبعت فتحة الراء في قول القائل:
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ.
وكما أشبعت كسرة الهمزة في قراءة: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37]، ثم نظر فإذا الفعل (أقسم) غير مؤكد، وهو هنا واجب التوكيد، فلم يكن بد من أن يقول: إن التقدير: فلأنا أقسم؛ ليصير الكلام خبرًا لا إنشاء، كما قال ابن جني في تخريج قراءة الحسن[27].
ولا أدري كيف طوَّعتْ لأبي حيَّان نفسه أن يَحتجَّ لقراءة الجمهور بشذوذ قراءة وضرورة شعر، ولا كيف استجاز أن يأخذ فيها بتخريج ابن جني لقراءة الحسن، وهو يعلم أن ابن جني إنما يتكلم عن واقع من الأمر، فقراءة (فلأقسم) مروية هكذا بلا تأويل، أما أبو حيان فيقيم تخريجه على أساس من التوهم والافتراض.
أما بعد، فقد رأينا في عرض قضيتنا هذه كيف أفضى القول بنفي الزيادة عن القرآن إلى كثير من الخلاف الذي لا خير فيه ولا جدوى منه، وكيف أدى إلى ضروب من التكلف البعيد والإحالة المفرطة، التي تجافي روح البيان الأصيل في كلام الناس، فكيف هي في كلام رب العالمين؟
لنقل إذًا مع القائلين بالزيادة، لا نحذرها تقية لها، أو تحرجًا منها، فقد سبق إلى قولها علماء أبرار، ثقات عدول، قالوها صريحة غير ذات خفاء، ثم هي تمسك على الأسلوب القرآني جماله وجلاله في المقامات التي تقال فيها، وتنزهه عن تكلف الصناعة، واعتساف الضرورة تأويلاً وتخريجًا.
-----------------
[1] الخنس: انخفاض قصبة الأنف مع ارتفاع قليل في طرفه.
[2] "الكامل" للمبرد: 2/ 44.
[3] "الكتاب": 1/ 350.
[4] "الكتاب": 1/ 92.
[5] "الكتاب": 1/ 44.
[6] "المقتضب": ا/ 47، 48.
[7] "معاني الحروف": 84، 55.
[8] "الأزهية": 161.
[9] "البرهان": 3، 7، 71.
[10] "البرهان": 3/ 70.
[11] "تقسير مشكل إعراب القرآن": 1/ 65.
[12] انظر: "المثل السائر" 2/ 93، 94.
[13] "النهاية": 1/ 202.
[14] "الكتاب": 2/ 62.
[15] "المحتسب": 2/ 204، 208.
[16] "التبيان في علم البيان": 84.
[17] "المحتسب": 2/ 209، والعبارة في "الكتاب": 1/ 112، ويبدو أن ابن جني رواها بالمعنى.
[18] "المحتسب": 2/ 210.
[19] "البرهان": 1/ 72.
[20] "الإتقان": 2/ 55 – 58.
[21] "الكشاف": 2/ 492.
[22] "إتحاف فضلاء البشر": 264.
[23] "الهمع": 1/ 37، و"إتحاف فضلاء البشر": 264.
[24] "البرهان": 3/ 73، و"المغني": 1/ 185.
[25] "المغني": 1/ 185.
[26] "النوادر": 73.
[27] "البحر المحيط": 8/ 112.