وعاد على المعروف المعتاد، وما تشير الفحوى إليه في قوله تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 66، 67]، فضمير (به) يعود على البيت العتيق أو الحرم، وليس له ذكر في الكلام، لكن سوغ إضماره أنهم كانوا يفخرون به، ويتباهون بالولاية عليه، عرف ذلك عنهم، وشاع فيهم، حتى صار كالأمارة عليهم، وعاد على مثله في قوله سبحانه: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [النحل: 61]، فضمير (عليها) يعود على الأرض، أشار إليها ذكر (دابة)، فهي تعيش على ظهر الأرض، وعاد على مثله في قول ابن قيس الرقيَّات يمدح عبدالعزيز بن مروان:
فَدَلَّهَا الحُبُّ فَاشْتَفَيْتُ كَمَا ♦♦♦ تشْفَى دِمَاءُ المُلُوكِ مِنْ كَلَبِهْ [38]
فضمير (كلبه) للكلب، تذكر به العقيدة الفاشية فيهم أن دواء الكلب قطرة من دم ملك تخلط بماء ثم يسقاه الكليب، وفي هذا المعنى يقول الكميت:
أَحْلامُكُمْ لِسَقَامِ الجَهْلِ شَافِيَةٌ ♦♦♦ كَمَا دِمَاؤُكُمُ يُشْفَى بِهَا الكَلَبُ[39]
وعندي أن كلا التأويلين مقبول، وله سند من اللغة، لكن الثاني أقرب إلى الطبع، وأدخل في الفهم.
وبعد، فإن في تذكير الضمير ليعود على القرآن الكريم، تنبيهًا للغافل ليذكر أن القرآن هو المنهل الفياض، والأصل الجامع الذي يأخذ عنه المهتدون ما شاء الله أن يأخذوا من المواعظ والحكم، وما هذه الموعظة الَّتي تستخلص من قصة ابن أم مكتوم إلا مثال مقتبس منه، وقطرة من فيضه العميم، والله سبحانه أعلم.
وبعد، فعسى ألا أكون فيما قلت عن كتاب الله - قد جَنَحْت إلى زيغ، أو خبطت على غير هدى، فما هي أولاً وأخيرًا إلا نية صالحة حاكت في صدرى، ورغبة صادقة قد شدت من عزمي، فأقبلت على هذه الدراسات، حفيًّا بها، جادًا فيها، على رجاء في الله أن يهب لي من لدنه توفيقًا فيها وسدادًا جزاء النية الصالحة والرغبة الصادقة.
فإن يكن عداني ما ارتجيت من التوفيق والسداد - فمجتهد أخطأ، ومحاول أخفق، وما يزال المرء يخطئ ويصيب، وسيظل كذلك ما دام خلقًا من البشر، يقعد به القصور أحيانًا، وتنوشه الغفلة والنسيان أحيانًا أخرى.
وسبحان من تفرد بالكمال وحده، لا إله إلا هو رب العالمين.
-------------------------
[1] الهيم: الإبل التي أصيبت بالهيام، وهو داء لا تروى معه، جمع أهيم.
[2] "الروض الأنف": 1/ 288.
[3] المُهْل: دُرْدِيُّ الزَّيتِ.
[4] "البحر المحيط": 8/ 210.
[5] حِجْر: مَحجور ومَمنوع.
[6] تُريحون: تردُّونها إلى المراح؛ أي: المأوى، تَسرحُون: تدعونها ترعى حيث تَشاء.
[7] الفَرْثُ: بقايا الطعام في الكرش.
[8] "الكتاب": 2/ 17.
[9] المصدر السابق: 2/ 316.
[10] "معاني القرآن" للفرَّاء: 2/ 108، 109، ونتفت: سمنت.
[11] البيت لقيس بن الحصَين بن يزيد الحارثي، كما في "الكتاب" 1/ 65.
[12] "الكشَّاف": 1/ 528.
[13] "البحر المحيط": 5/ 508.
[14] السكر: كل ما يُسكِر.
[15] الصبغ: ما يؤتَدَم به.
[16] تُورون: أورَى النار: أوقدها.
[17] البرزَخ: ما بين الموت والبَعث.
[18] "معاني القرآن": 2/ 241، 242، والآية في سورة مريم: 9، وهي هنا بقراءة حمزة والكسائي، وقراءة الباقين: ﴿ خَلَقْتُكَ ﴾ [مريم: 9]، كَما في "إتحاف فضلاء البشر": 181.
[19] "الكشاف": 2/ 79، وعجز البيت: وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلاَ بَرْدَا
والنقاخ، بضم ففتح: الماء البارد، والبرد: النوم، والبيت للعرجي كما في "شواهد الكشاف": 33.
[20] ديارًا: أحدًا.
[21] "معاني القرآن": 3/ 71.
[22] "الكشاف":2/ 395.
[23] "الكشاف":1/392.
[24] "الكتاب":1/114، "وشرح التصريح":1/272.
[25] كظيم: يملك نفسه عند الغضب، هون: خزي.
[26] "ديوان الحماسة": 2/ 242، القرب: جمع القراب، وهو غمد السيف.
[27] "الكشاف": 2/ 348، 526، و"البحر المحيط": 5/ 504.
[28] الأحماء: جمع حما، من يكون من أقارب الزوج من الرجال، وأبو الزوج.
[29] أقربت: قرب أوان ولادتها.
[30] "الكشاف": 2/ 526.
[31] "الإنصاف": 1/ 99.
[32] "تفسير القرطبي": 10/ 147.
[33] "الكشاف": 2/526.
[34] مَقرورُة: أصابها القر، أي: البرد، المعاوز: خرق يلف بها الصبي، الآمة: ما يعلق بسرة المولود إذا سقط من بطن أمه ("اللسان": عوز، و"تفسير القرطبي": 16/ 230، 231).
[35] "معاني القرآن": 3/236.
[36] "الكشاف": 2/425.
[37] مجلة مجمع اللغة العربية ج 36، نوفمبر 1975.
[38] الديوان: 10.
[39] "اللسان": كلب.