فلنعد إذًا إلى هاتين الطائفتين كما تحدثت الآية عنهما وكما تكونان في واقع الأمر، فننظر كيف كانت حالهما قبل القتال، وكيف كانت حالهما وهما تقتتلان، وكيف كانت حالهما إذ قبلتا الصلح وثابَتَا إلى الرشد؟
إننا إذ نفعل نراهما قبل القتال جماعتين مستقلتين، لكل كيانها القائم، وبنيتها المتماسكة، لم تدفعها العداوة الكامنة إلى التفكك والانطلاق، ونراهما حين يهيجهما الشر، وتثور بينهما الحرب، وقد انفرط العقد، وانتشر الجميع هنا وهناك، ولم تبق العداوة كما كانت عداوة طائفة لطائفة؛ بل عداوة فرد لفرد، حتى لو ظفر امرؤ من إحداهما بآخر من عدوه لأوقع به، غير راحم له، ولا مبقٍ عليه، ويشير إلى هذا الانتشار ضمير الجماعة في الفعل (اقتتلوا).
ونراهما حين تقبلان الصلح وقد تكافَّتا، وأمسكتا أيديهما عن القتال، قد عادتا إلى سابق حالِهما من التضام والالتحام؛ لأن الصلح لا يكون بين أفراد الطائفتين كالقتال؛ بل بين الطائفتين أنفسهما ممثلتين في مندوبين عنهما، يختارون من أهل الثقة فيهما والكفاية، ويشير إلى هذا التضام ضمير المثنى في كلمة (بينهما)، بعدما دل ضمير الجمع في (اقتتلوا) على التفرق والانتشار.
وهكذا صور الضميران كل في موقعه حال الطائفتين قبل القتال وفي أثنائه، وحين الصلح تصويرًا بارعًا، يجمع بين الدقَّة ولطف المدخل، ومن أبلغ من الله قيلاً، وأحكم تصويرًا لقوم يعقلون.
ويشبه هذه الآية في تأليف عبارتها وتأويل معناها قول الله تعالى: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ [الحج: 19]، وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [النمل: 45].
(ب) ويحل ضمير الجمع بمكان ضمير المثنى أيضًا في قول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: 34].
فالذهب والفضة معدنان اثنان، والضمير العائد عليهما من (ينفقونها) ضمير المفردة أو جمع ما لا يعقل، وهو هنا للجمع، لأن مرجعه شيئان، وقد قيل في تأويل هذا الخلاف أقوال منها: أن يكون الذهب والفضة في تأويل الكنوز، وإذًا يكون المعنى: والذي يكنزون الكنوز ذهبًا وفضة، وهذا يعني ألا يؤخذ بكنز المال وحبسه عن الإنفاق في وجوهه إلا من يعدد كنوزه، ومنها أن يكون في الآية اكتفاء بأحد الاسمين عن الآخر، وهو هنا الفضة، فهي الَّتي تطابق الضمير، وعلى هذا يكون تقدير الآية: والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه فبشرهم بعذاب أليم، والذين يكنزون الفضة ولا ينفقونها بشرهم بعذاب أليم، فحذف المذكور مع الذهب اكتفاء بما ذكر مع الفضة.
والاكتفاء في بعض الأساليب معروف وشائع بين النحويين، وعليه يعتمدون في تأويل كثير من الأساليب ويجعلون منه قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، لكن الأخذ به هنا لا يمنع سائلاً أن يسأل: لماذا خصت الفضة هنا بالاهتمام، فأخبر عنها نصًّا وعن الذهب اكتفاء، مع أنها دون الذهب نفاسة وقيمة؟
وقيل: إن مرجع الضمير يمكن أن يعد جمعًا في المعنى، وأن تكون الآية قد ذهبت معه لا إلى اللفظ[23] بل إلى المعنى.
وهكذا تعددت الأوجه، واختلفت التأويلات، ولا يزال مع ذلك في النفس من كل ما قيل شيء، ونَحنُ إذْ ننظُرُ إلى واقع الأمر نتبين أن الكنز يمكن أن يكون للسبائك المتخذة من الذهب والفضة، كما يكون من النقد المضروب منهما، أما الإنفاق فالعهد به أن يكون من الدراهم والدنانير، فالأشبه أن يكون المرجع إذًا إلى ما ينفق، أي: إلى الدراهم والدنانير، وفي المقام إشارة إليها وغناء عن ذكرها.
وما أكثر ما يرجع الضمير في العربية على غير مذكور لفظًا، لكنه ملحوظ ذهنًا، يوحي به المقام إليه، من ذلك قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْرَاقٍ ﴾ [القيامة: 26، 27] ففي بلغت ضمير مستتر، وليس له مرجع مذكور، لكن المقام يشير إليه، فذكر التراقي، وهي أعالي الصدور حيث يترقى فيها النفس، ثم قول القائل في لهفةٍ واستِنْجاد: هل من راقٍ يذهب بالغمرة الملحة برقيته؟ كل ذلك يدل على أن الحديث في الآية عن محتضر يجود بنفسه، وأن الَّتي بلغت التراقي وشارفت أن تفارق جسدها إنما هي الروح، أغنت عن ذكرها هذه الإشارات الدالة، لأنها محذوفة كمذكورة، بل يمكن أن تعد مذكورة، ولكن رمزًا وإيماء.
بل قد يرجِعُ الضمير إلى الحال المشاهدة الَّتي يكون عليها القائل، لا على مذكور في كلامه، كقول العَرَبِ: "إذا كان غَدًا فأتِنِي"، يريد إذا كان ما نحن عليه الآن، وضمير كان يعود على هذا الذي هو عليه[24].
ذلك - فيما أرى - هو التأويل الذي يمكن الأخذ به، لأنه يعفي من التكلف، ويحفظ على القرآن جلاله، ولا يبعد به عن سَمْتِه الأصيلِ.
4 - ضمير جمع المذكر العاقل بمكان ضمير جمع لغير العاقل
قال تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ [الأعراف: 4].
تذكر هذه الآية الكريمة وقتين سماهما الله تعالى، وأهلك فيهما قرى كثيرة، عتت عن أمره وعصت رسله: أولهما حين البيات، وآخرهما حين القيلولة والاحتماء من وهج الشمس، وكلا الوقتين موات لما أعد له، فإذا جاء البأس كان فاتكًا مدمرًا، لكنه في البيات أشد فتكًا وأعنف تدميرًا، لأن الليل يجمع الناس والأحياء كافة، ويمسك هؤلاء وأولئك عن ممارسة الحياة في شؤونها المختلفة، فيهجع الناس في مضاجعهم ليصيبوا حظًّا من راحة وجمام، ويرقد الحيوان والطير كل في مستقره لمطلع نهار من العمل والكد، فإذا السكون شامل، والصمت مطبق، إلا أنفاسًا تتردد، وخلجات تنبض، والبأس في هذا الوقت، وعلى هذه الحال، جائح لا يبقي ولا يذر، يستوعب كل من في القرى وما فيها من أحياء، لهذا جاء ضمير (أهلكناها) للقرى عامة لا لبعض ما فيها أو من فيها.
أما البأس في القيلولة فدون ذلك إحاطة وشمولاً، لأن القيلولة لا تجمع الناس وما معهم من الأحياء الأخرى؛ بل تظل حيث تكون لأن موعدها المساء، ثم إن من الناس من يحمل النفس على مكروهها، فيظل ضاحيًا لا يحتمي من الشمس، لحاجة ملحة أو ضرورة عاتية لا دافع لها، ولا مهرب منها، والهلاك في هذا الوقت للذين أخلدوا إلى القيلولة وحدهم، لهذا جاء الضمير للذين يقيلون.
وهكذا تبلغ الآية من دقة التعبير، وإحكام التفرقة بين النظيرين مبلغًا لا يتهيأ مثله إلا للتنزيل العزيز.
5 - ضمير المذكر بمكان ضمير المؤنث
(أ) يحل ضمير المذكر محل ضمير المؤنث في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾[النحل: 58، 59][25].
تلمُّ هاتان الآيتان الكريمتان بقضية الأنثى، وما كانت تلقاه في حياتها من التعس والشقاء في بعض قبائل العرب زمن الجاهلية، لذلك أرى أن أقدم بين يدي القول في الآيتين كلمة حق تجلو الشبهة، وتفرق بين المحسن والمسيء من السابقين الأولين.
لم يكن عرب الجاهلية سواء في معاملة الأنثى، كما أن الناس ليسوا سواء في معاملتها الآن، لكن الحضارة المعاصرة قد غيرت من أساليب معاملتها، فأصبحت الآن كالذكر عند قوم أو تكاد، ولا تزال دونه عند قوم آخرين، ولكن على تفاوت في المنزلة والشأن، وأعتقد أن سيظل بينهما خلاف يفرق بينهما في شؤون الحياة العامة قليلاً أو كثيرًا، ما دام كلاهما خلقًا غير الآخر في التكوين والمزاج، وفي الخصائص والسمات، ولم يمنع سبق الزمن آباءنا أن يكون منهم من يكرم الأنثى، ويوليها المودة والحنان، استمع لمرة بن محكان مثلاً يخاطب امرأته خطابًا عذبًا رقيقًا يسألها أن تضم إليها ما يحمله أضيافه من متاع وسلاح، فهم في كنفه بمأمن من مباغتة الأعداء، ولا حاجة بهم إذًا إلى السلاح، قال:
يَا رَبَّةَ البَيْتِ، قُومِي غَيْرَ صَاغِرَةٍ ♦♦♦ ضُمِّي إِلَيْكِ رِحَالَ القَوْمِ وَالقُرُبَا[26]
ورجل آخر تجيئه امرأته بأنثى، وكان يود كما يود كثير أن تجيئه بولد ذكر، فلم يزد على أن يأوي إلى جار له يقيم عنده بعض الوقت، ضيقًا بخيبة أمله، فيما ألقت به المقادير إليه، وتنظم امرأته رجزًا تعتب عليه أن هجر بيته، وتحاول أن ترد عليه ما عزب من رشده، فتقول:
مَا لأَبِي حَمْزَةَ لا يَأْتِينَا
يَظَلُّ فِي البَيْتِ الَّذِي يَلِينَا
غَضْبَانَ أَلاَّ نَلِدَ البَنِينَا
لَيْسَ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا شِينَا
وَإنَّمَا نَأْخُذُ مَا أُعْطِينَا[27]
ويبلغ الرجز صاحبها، فينطلق إليها معجلاً، ليرى الطفلة بين يدي أمها تناغيها، وتغني لها، فيثب إليها ويلتقط الطفلة منها، فيضمها إلى صدره، ويقبلها في حب غامر، وحنان بالغ، وفي صدره ما فيه من أسف وندم.
وكان من قبائل الجاهلية وأشباههم قساة آثمون، يظلمون الأنثى، وينكرون عليها حق الحياة؛ كان الأب من هؤلاء الجاهلين إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر، وأرسلها ترعى له الإبل والغنم، وإن أراد أن يئدها أمهلها حتى إذا حان حينها ذهب فحفر لها حفرة في الصحراء، ثم عاد فقال لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها[28]، ثم ينطلق بها إلى الحفرة فيأمرها أن تنظر فيها، ثم يدفعها، ويهيل عليها التراب.
ويروون أن الحامل كانت إذا أقربت[29] حفرت حفرة وتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت أنثى ألقت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا أبقت عليه[30]، وأب يبشَّر بأنثى، فيهون من شأنها، ويصف عجزها وعجز كل أنثى في شخصها، فيقول: "والله ما هي بنعم الولد، نصرتها بكاء، وبرُّها سرقة"[31].
ويرجع الوأد في منشئه إلى ضيق العيش وفقدان الأمان، الحياة كزة، والأرض مجدبة، والغارة متوقعة، والبنت كَلٌّ ثقيل لا تستطيع أن تكسب رزقًا، ولا أن تحمي حقيقة، وربما سيقت سبية في غارة من عدو قاهر، فتجلب عليهم الخزي والعار.
ومنهم من جعلوا الملائكة بنات الله، واستحلوا بهذه العقيدة الفاسدة أن يقتلوا بناتهم، ليلحقوهن ببناته[32]، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن قتل الأولاد خشية الفقر، ووعد الآباء أن يرزقهم وإياهم، فقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 31]، وأنكر على الذي يفترون الكذب، إذ يجعلون الملائكة بنات الله، فقال: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ [النحل: 57].
وكان من الجاهليين من يفتدي الموؤودة بماله، ومنهم صعصعة بن ناجية، وبه يفخر الفرزدق، فيقول:
وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ ♦♦♦ فَأَحْيَا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوأَدِ[33]
ويروى لحسان بن ثابت أو متمِّم بن نويرة قوله يرثي لحال الموؤودة، ويأسى لمهانتها:
ومَوْؤُودَةٍ مَقْرُورَةٍ فِي مَعاوِزٍ ♦♦♦ بِآمَتِهَا مَرْمُوسَةٍ لم تُمَهَّدِ[34]
هذه كلمة موجزة عن قضية الأنثى عند سلفنا من العرب، كما حفظها التاريخ، وكما ذكرت في القرآن الكريم، أردت التمهيد بها للقول في الآيتين الكريمتين، والخلاف الواقع بين ثلاثة من ضمائرها والمرجع الذي تعود عليه.
أما الضمائر فالهاء من (به)، والفاء في (يمسكه)، والهاء في (يدسه)، وكلها ضمائر لمفرد مذكر، والحديث في الآيتين عن الموؤودة، أي: عن مفرد مؤنث، فلم تتوافق الضمائر وما تعود عليه، وقد تجعل (ما) من قوله: (ما بشر به) هي مرجع الضمائر بحسب لفظها، وهي من الكلمات الَّتي يجري على لفظها حكم المذكر، وعلى معناها حكم المؤنث، وإن كان المراد بها في الحالين مؤنثًا كما في الآيتين، واستعمال (ما) للعاقل جائز وإن كان قليلاً، وله نظائر في العربية، لكن هذا التوجيه لا يبرز ما وراء الخلاف بين الضمائر من لطائف وإشارات، فلنحاول غيره، عسى أن يكون لنا به مقنع، ولنا فيه سعة.
إن هذه الضمائر بألفاظها المذكرة ترجع إلى الأنثى في خاطر الأب، وإن لم تكن مطابقة لها في سنن العربية، ولهذا التخالف مشاركة بارعة في تصوير حال المولود له من الحنق والغيظ، ومن الكراهية والمقت، لأنه في حديثه عن أنثاه، ومساءلته نفسه عما هو صانع بها، لا ينكر في وجدانه وقرارة نفسه حقها في الحياة وحسب، لأنه لا يشفي غليله، ولا يطفئ غيظه، ولكنه ينكر عليها أيضًا حقها من اللغة، فهو يمسك لسانه أن يكني عنها بضميرها، ويرفض أن يكون لها من اللغة مثل ما للذكر، ضمير يدل عليها، ولا تذكر إلا به، ولا يرى أروح له إلا أن يكني عنها بضمير المذكر قرة العين، ومنية النفس، فهو وحده الجدير بالحياة، وأن يختص من اللغة بضمير لا يشركه أحد فيه.
ونحن نرى في حياتنا مثلاً من هذا العدول عن منطق الواقع، فنمسك عن ذكر من يثيرنا، ويهيج سخطنا باسمه، فنطويه في ضميرنا، ونؤثر أن نذكره بوصف منكر ليس من أوصافه، ولا هو مما يذكره الناس به، مالت بنا ثورة الغضب عن نهج الحقيقة والصواب، تنفيسًا واسترواحًا.
(ب) ويحل ضمير المذكر محل ضمير المؤنث أيضًا في قول الله تعالى في سورة عبس: ﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 11 - 16].
وقبل هذه الآيات آيات أخر، بدئت بها السورة، وفيها يعاتب الله نبيه في عبدالله بن أم مكتوم، فبينما كان الرسول - صلوات الله عليه - في نفر من سادات قريش يدعوهم إلى الإسلام - أقبل ابن أم مكتوم، وكان أعمى فلم يعلم اشتغال الرسول بهم وإقباله عليهم، فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكره الرسول أن يقطع حديثه، فعبس، وأعرض عنه، وجاءت بعد آيات هذه القصة الآيات الَّتي معنا تعقيبًا عليها، ودعوة إلى تذكرها والتأدب بأدبها، ويلاحظ أن الضمير في (ذكره) لمذكر، وأن مرجعه مؤنث، وهو (تذكرة)، فلم يطابق الضمير مرجعه، تخالفًا بالتذكير والتأنيث، ويقول الفراء في ذلك: "ذكر القرآن، ثم رجع التذكير إلى الوحي"[35]، ويقول الزمخشري: "وذكر الضمير، لأنَّ التذكير في معنى الذكر"[36]، ويقول الجلال المحلي: "إن المعنى حفظ ذلك فاتعظ به".
ويشرح المغفور له الشيخ عبدالرحمن تاج قول الجلال، فيقول: "إن الضمير عائد على القرآن، وهو إن لم يجر له ذكر في هذا المقام فهو معهود معلوم على كل حال، ويؤيده ما جاءت به الآية التالية في قوله تعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 13 - 16]، فإن المعهود المعروف أن هذه أوصاف القرآن الكريم"[37].
فالزمخشري يذهب وحده إلى أنَّ ضمير (ذكره) عائد على (تذكرة)، وأنها مصدر، والمصدر معناه الحدث، وهو مذكر؛ أي: إن (تذكرة) مؤنثة اللفظ مذكرة المعنى، والتأويل على هذا: أن في هذا الذي كان من التلهِّي عن ابن أم مكتوم وعتاب الله عليه، موعظة لمن شاء أن يتعظ إذا وعاه وتدبره.
أما الآخرون فمرجع الضمير عندهم هو القرآن الكريم، لا يمنع من عودته عليه أنه لم يُذكَر في الكلام قبله، لأن المقام يدل عليه، وفي الآيات التالية أوصاف لا يوصف بها غيره في المعتاد المألوف، والتقدير على هذا: أن في هذه القصة موعظة، فمن شاء حفظ القرآن وتدبره، ليزداد وعظًا ورشادًا.
ويزيد على ذلك أنَّ العربية تتوسع في مرجع الضمير، ولا تلتزم ذكره بلفظه في كل مقام، غناء عنه بدلالة المقام أو فحوى الكلام عليه، فقد أُغفل ذكره واستُغني عنه بالمصدر المفهوم من الفعل المذكور قبله في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، ففي (كان) ضمير يعود على الإنفاق الذي يتضمنه الفعل (أنفقوا)، والتقدير: وكان إنفاقهم قوامًا بين الإسراف والتقتير.