عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-06-2017 - 06:09 AM ]


وهم إذ يخرجون من عند الرسول - يخرجون أشتاتًا كما جاؤوه أشتاتًا، ثم لا يمنعهم الحياء ولا ينهاهم أن يُقبل كلٌّ على مَن عسى أن يكون أدنى إليه من المؤمنين يسأله: ماذا قال محمد إذ كنا بين يديه؟ فقد بدت البغضاء إذًا من أفواهم، وبرز المكنون من كفرهم، لا يملكون رده ولا الصبر عليه؛ لتمكنه منهم، وقوة سلطانه عليهم، فما يزال يراودهم ويلح عليهم كلما سنحت الفرصة المواتية، وأولى بهم في هذه الحال أن يُقال فيهم (خرجوا) مكان خرج، و(قالوا) مكان قال، فهم هنا أشتات متفرقون، وكانوا في حضرة الرسول أشباهًا متماثلين.

ويذكر الله تعالى فريقًا آخر من المنافقين، فيقول: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يونس: 42 - 43].

وقد ضمنَت هاتان الآيتان فريقَيْنِ من المُكَذِّبِينَ الضَّالِّين: فريق يستمعون، وليس في آذانهم وَقْرٌ، يبلغ القول عقولهم، ولكن لا ينفذ إليها ولا يؤثر فيها، حِيل بينهما بِسَدٍّ مكين، فيرتدُّ عنها القولُ مَخذولاً، فإذا هم سامعون كَمَنْ لا يسمعون، وعاقِلُونَ كمَنْ لا يعقلون، بَطل السمع فيهم والإدراك، فأنَّى لهؤلاء أن يهتدوا؟ وماذا عسى أن يكون الرسول صانعًا بهم، لينقذهم مِمَّا يتردَّون فيه؟ وضمير (يستمعون) يصفهم ويرمز إلى التفاوت بينهم.

وأما الفريق الآخر الذي تصفه الآيتان الكريمتان - فلهم أعين يبصرون بها فيرون ذات الرسول، لا تكاد تخفى عليهم منها خافية، ولكنهم كأصحابهم كفروا وضلوا، ولكن لآفة غير آفتهم، فهؤلاء أعينهم مبصرة، ولكن بصائرهم مطموسة، قد ذهب نورها، وخبت جذوتها، فلا رجاء في هدايتهم، ولا جدوى في تغيير ما بهم من الضلال.

وكلُّ ما بَيْنَ الفريقَيْنِ من فرق - أنَّ الأولين ليسوا سواء في تقبل الدعوة والاستجابة لها، فهذه طبيعة الآفة الَّتي مُنُوا بِها، أمَّا الآخرون فلا يُرَى فيهم تفاوت ولا بينهم خلاف، فكلهم يرى الرسول، ويُمَيِّزُ شخصه الكريم على نحوٍ ما، وليس للمزيد عليه فضل ولا إليه حاجة، فالمقام لجملة النظر لا لدرجته والإمعان فيه، وجعل ضمير ينظر مفردًا يشير إلى ذلك ويوحي به لمن يروِّي فيه، ويؤتيه حقه من الأناة، والله تعالى أعلم بمراده.

(ب) ويحلُّ ضمير الجَمْعِ مَحَلَّ ضمير المفرد أيضًا في قوله سبحانه في سورة البقرة، يشبه المنافقين ويندِّدُ بِهِم: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [البقرة: 17]، والمنافقون الذين يذكرهم الله هنا - هم المنافقون الذين يذكرهم قبل هذه الآية، فيقول: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾[البقرة: 14].

ونلاحظ في الآية الأولى أن المشبه به مفرد، وقد وصف بالذي وهو مفرد، وعاد عليه ضمير كل من (استوقد) و(حوله)، وهما ضميران للمفرد، فتطابق الموصول وصلته والعائد وضميراه في كل من الموضعين، وجاء بعد هذا ضمير (بنورهم) وضمير (قالوا)، وكلاهما ضمير جمع، وظاهر النظم يقتضي أن يكونا مفردين، مثل الضميرين الآخَرَين.

ويذهب العلماء في تأويل هذا التخالف مذاهبَ منها: أن (الذي) اسم مبهم، فيجري مجرى (مَن) الموصولة، ويقع مثلها على المفرد والجمع، وهذا يعني أن ضميري (استوقد) و(حوله) جاءا مفردين مراعاة للفظ (من)، وأن ضميري (بنورهم) و(تركهم) جاءا جمعين مراعاة لمعناها، ومنها: أن (الذي) مفرد في معنى الجمع، وهو رأي كالذي قبله، وفيه غرابة، ومنها: أنه مفرد لفظًا، لكنه في المعنى نعت لما له آحاد، والتقدير: مثلهم كمثل الجمع الذي استوقد نارًا.
وهي - كما ترى - آراء لا تسكن إليها النفس، ولا يأنس بها الطبع؛ لأنها تعتمد أولاً وآخرًا على مرونة العربية، وتنهج نهج النحو في التأويل والتقدير، وإذا جاز أن يؤخذ بمثلها في توجيه مشكل في كلام الناس - فلا يجوز أن يؤخذ بها في كلام رب العالمين، والرأي عندي أنه حين لا تسعف اللغة بالرأي السديد في شيء من أساليب القرآن - أن ندع اللغة ونحوها جانبًا، ونفزع إلى القرآن نفسه نستعينه ونستهديه، فإنْ أفضَلَ بالطِّلْبَة فذَاكَ، وإلا فالأحجى أن نفوض الأمر فيها إلى الله حتى يفتح علينا بالذي هو خير، فذلك أكرم للقرآن، وأحفظ لجلاله، وأصون له عن التخبط فيه والاعتساف.

إلى القرآن إذًا ننظر فيه، ونتحسس الطريق إلى المطلب الذي نبتغيه، إن تشبيه المنافقين يدور في صميمه على نار الدنيا، إذ توقد وتضيء ثم تطفأ، والقرآن يذكر نار الدنيا في آيتين جاءت في إحداهما آية من آيات الله في خلقه، فجعلها من الشجر الأخضر على ما بينهما من نفرة وتضاد، ففي الشجر الأخضر ماء، والماء والنار لا يجتمعان، لكن الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء جعل من الشجر الأخضر مكمنًا لها ومستقرًّا، وذلك إذ يقول سبحانه في سورة يس: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ [يس: 78 - 80].

ويذكر القرآن نار الدنيا مرة أخرى، جاءت فيها نعمة وذكرى، فهو الذي أنشأ شجرتها، وآتاها من الخصائص ما يجعلها تذكرة ومتاعًا للمقوين، الذين ينزلون بالقواء، أي القفر، وذلك إذ يقول في سورة الواقعة: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ﴾ [الواقعة: 71 - 73][16].

وأرى أنْ ليس للنار في سورة يس صلةٌ بالنار في سورة البقرة، ولا بينهما مشابهة؛ فالنار في سورة البقرة عاملة مؤثرة: أوقدت فاتقدت، ونهض لهيبها فأنار الظلام، ثم طفئت وخمدت جذوتها، فعاد الظلام إلى ما كان عليه؛ أما النار في سورة يس فقوة كامنة، يمكن إثارتها والإفادة منها، هي مجرد آية من آيات القدرة الإلهية، إذ جعلها الله من الشجر الأخضر، وهو ما لا يظن أن يكون لها فيه مكان.

وأما النار في سورة الواقعة فآية أيضًا، ولكنها تذكرة وعبرة، لقد أنشأ الله شجرتها، وجعلها تذكرة وعبرة للمقوين، فهي تذكرهم بنار جهنم حين يستشعرون حرها، وتلقي في قلوبهم الخشية حين يرون رأي العين قدرتها على الإبادة والتحطيم، هي إذًا كالنار في سورة البقرة، لها عمل وتأثير، ولها بهذا مشاركة في تصوير حال المنافقين هناك، فلنجمع بين آيات الواقعة وآية البقرة، ولنأخذ من تلك لهذه، ثُمَّ لنَنْظُر ماذا نرى؟ نَرَى أنَّ أصحاب النار رُفقة، جَمَعَهُم شأنٌ مُشتركٌ، لكنَّ الَّذِي أَوْقَد النَّارَ منهم واحد.

إذًا نستطيع أن نقول - والله أعلم - إنَّ القرآن يشبِّهُ المنافقين بِجَماعةٍ من سراة الليل، أحسُّوا في بعض الطريق بالحاجة إلى التَّعريس، ليُصِيبُوا شيئًا من راحةٍ وطعامٍ، فلمَّا عنَّ لهم مكانٌ صالح عرَّجوا عليْهِ، فألْقَوْا رِحالهم فيه، وأقبل أحدهم فاستوقد نارًا، وما لهم في مقاومهم هذا عن النار غنى، واشتعلت النار وعلا لهبها، وأضاء نورها، فرأوا ما بين أيديهم وما حولَهم، واستقام لكل أن ينصرف إلى الأمر الذي يعنيه، لكن الله تعالى لم يمهل النار حتَّى يبلغوا بها حاجتهم، فأطْفَأَها، وأرسل عليهِمُ الظلام، فأتاهُمْ من كُلِّ جانب، وإذا هُمْ جَميعًا مُظْلِمُون.

هذه صورةُ الحال الَّتي تُمَثِّلُ حالَ المنافقين، وبَقِيَ أن نُقابِلَ كُلَّ مَشْهدٍ من مشاهدِ حالِهم بنظيره فيما شبهوا به: فأمَّا سرى الليل فهو رحلة الحياة الضَّالَّة الَّتي يَحياها المنافقون، وأما الشعور بالحاجة إلى الطعام يصلح البدن، وإلى الراحة تخفف التعب - فهو الشعور بالحاجة إلى الأمن والاطمئنان؛ إذ لا يزال الخوف من غضب المؤمنين عليهم يتهددهم، ويخيفهم أن تظهر خبيئة نفوسهم، فهم لذلك يتملقونهم، ويطلبون مرضاتهم.

وأما النار الَّتي توقد وتضيء، ثم تنطفئ وتذهب بالضوء - فهي الكلمات المؤمنة يلقي بها المنافقون إلى مَن يلقون مِن المؤمنين، فيقولون بأفواههم: آمنا، فإذا لها وضاءة وإشراق، وإن كانت لتخفي من تحتها رمادًا هامدًا، وظلامًا دامسًا.

وأما الظلمات الَّتي يتركهم الله فيها فلا يبصرون، فهي الضلال المطبق الذي هم فيه سادرون، فلا يبصرون معه سبيل الرشاد.

وبعد، فإني إذ أجمع آية البقرة إلى آيات الواقعة لأستخلص منهما جميعًا صورة المنافقين كما يصورهم القرآن - إنني إذ أفعل ذلك لا آتي منكرًا من العمل ولا مستغربًا؛ فالقرآن وحدة متماسكة، عندها جلاء الشبه، وتفصيل المجمل، مثله كمثل أعضاء الجسم الواحد يأخذ بعضها ببعض، ويرفد بعضها بعضًا، وأضرب مثلاً لذلك أن الله تعالى يجعل من أوصاف المتقين أن ينفقوا مما رزقهم الله فيقول: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 2، 3]، هكذا ذكر الله الإنفاق، ولم يذكر هنا الجهات الَّتي ينفق عليها المال، ثم عاد فذكرها مفصلة في قوله سبحانه يبين معنى البر ويصف البار: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ [البقرة: 177].

(جـ) كذلك يحل ضمير الجمع بمكان ضمير المفرد في قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100][17].

والملاحظ في أسلوب هذه الآية الكريمة أن أوله نداء لله في وحدانيته وتفرده، وأن آخره سؤال له أيضًا، ولكن بما يسأل به الجمع لا المفرد، ومقتضى الظاهر أن يتفق كل من صيغتي النداء، والسؤال إفرادًا وجمعًا، وقد لحظ العلماء هذا الخلاف، وقالوا فيه، وبينوا الوجه الذي رأوه له: فقال الفراء: "فجعل الفعل كأنه لجميع، وإنما دعا ربه، فهذه مما جرى على ما وصف الله به نفسه من قوله: (وقد خلقناك من قبل)"[18].

وقال الزمخشري: "إن خطاب الله بلفظ الجمع للتعظيم، كقوله:
فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النْسَاءَ سِوَاكُمُ[19]
ولا أرى في كلام العالمَيْن الجليلين مقنعًا، ولا أنه مما يمكن الاكتفاء به والاطمئنان إليه، فما سئل الله تعالى في كتابه الكريم إلا بلفظ الواحد، ومن أمثلة ذلك قوله سبحانه: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا ﴾ [إبراهيم: 35]، وقوله: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 40، 41]، وقوله: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾ [20] [نوح: 26].

من أجل ذلك عدل الزمخشري في توجيه الآية عن الاستشهاد بمثلها من القرآن كدأبه في أكثر الأحيان؛ لأنه ليس ثَمَّةَ لها نظيرٌ فيه، ولجأ إلى الشعر يستشهد به، ويقتصر عليه، كأن المقام للسؤال عن أسلوب الآية: أله نظير في العربية، أم هو أسلوب تفرد القرآن به؟ وإنما المقام للتساؤل عن سر هذا التخالف في النظم بين النداء والدعاء دون أن يكون له في القرآن نظير، وليس كالقرآن في جلاء هذه الحقيقة والكشف عن السر الكامن فيها.

بقي أن استشهاد الفراء بآية (وقد خلقناك من قبل) لا يطابق الحكم الذي يستشهد له، فالفعل (ارجعون) خطاب، والفعل (خلقناكم) تكلم، وليس هذا من ذاك في شيء كما لا يخفى، وقد جرت عادة الله تعالى أن يتحدث عن نفسه بلفظ التعظيم، لا يكاد يعدل عن ذلك كقوله تعالى: ﴿ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأنعام: 87] وقوله: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ ﴾ [يونس: 28]، وقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ [يوسف: 3]، وقوله ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴾ [الإسراء: 13].

وأرى - والله أعلم بمراده - أن في الخطاب بالفعل (ارجعون) إشارة إلى حال العاصي وما يكون منه حين يجيئه الموت، ويستيقن أنه منه قريب، لا ينجيه منه مال ولا بنون، فيأخذه الفزع والاضطراب، وتغشاه غاشية من الذهول والتخليط، لا يدري معها وجه القول، ولا يفرق فيه بين خطأ وصواب، فهو ينادي ربه في وحدانيته، ثم يسأله، ولكن بلفظ الجمع لا بلفظ المفرد، فيخرج الكلام وبين أوله وآخره خلاف، وأين هو الآن من إدراك الحدود، والأخذ على سننها؟ وهو بعد لا يسأل ممكنًا ولا عدلاً، فقد أعذر الله إليه، إذ دعاه وبين له فأبى واستكبر، أما الآن فقد قُضِيَ الأمر وبلغ الكتاب أجله، والوقت وقت ثواب أو عقاب.

3 - ضمير الجمع بمكان ضمير المثنى
(أ) يحل ضمير الجمع بمكان ضمير المثنى في قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الحجرات: 9].

يريد الله تعالى جماعة المؤمنين ألا يكون بعضهم في عزلة وانقطاع عن بعض، لا يلقي بالاً إلى الآخرين، ولا يعنيه من أمرهم إلا ما يرجو أن يكون له فيه خير، ما دام هو يعيش في دعة، قرير العين، آمنًا مطمئنًّا في نفسه وسربه.

إنه سبحانه يريدهم إخوة متحابين متوادين، يؤمنون بالتعاون، والنصرة، وحسن المشاركة في كل ما يعرض للجماعة من مهم، أو يلم بهم من مكروه، يريدهم حينئذ أن ينهضوا خفافًا للعمل على رأب الصدع ولمِّ الشمل إذا صرح الشر، وثارت الفتنة بين طائفتين منهم، فتبدلتا بالإخاء عداوة، وبالسلام حربًا، وإلا كانوا بعرض الضعف وهوان الشأن بين سائر الأمم، فأسباب الخلاف بين الناس كثيرة، وهي - على كثرتها - متجددة، فلا يؤمن أن تتوالى الحروب بينهم تباعًا، كلما طُفِئَت حرب هنا أوقدت نار حرب هناك.

وهو سبحانه لا يرضى منهم إذا مشوا بالصلح بين الطائفتين المقتتلتين أن يتركوهما وشأنهما يأسًا أو عجزًا لو بغت إحداهما على الأخرى، وأبت إلا العدوان والإصرار عليه، فهو سبحانه يأمرهم أن يكونوا على الباغية، يكفُّونها عن البغي، ويحملونها على السلم والموادعة بالقتال حتى تفيء إلى أمر الله.

وبعد، فإنا إذ ننظر في أسلوب الآية نظرة لغوية - نلاحظ أن (طائفتان) فيها مثنى، و(اقتتلوا) بعدها مقرونة بواو الجماعة صفة لها، لكنها تصف جمعًا لا مثنى، فلم تطابق الصفة موصوفها فيما تجب مطابقتها فيه، إذ حل فيها ضمير الجمع محل ضمير المثنى، ونلاحظ كذلك أن ضمير (بينهما) جاء مطابقًا للطائفتين.

وقد نظر علماؤنا - أحسن الله إليهم - في ضمائر الآية على العهد بهم، وقال كل فيها مقالاً، وهذا ما يقوله الفراء والزمخشري:
قال الفراء: "وقوله: (اقتتلوا) ولم يقل: اقتتلتا، وفي قراءة عبدالله: (فخذوا بينهم) مكان (فأصلحوا بينهما)"[21]، ولم يزد على ذلك.

وقال الزمخشري: "فإن قلت: ما وجه قوله (اقتتلوا)، والقياس اقتتلتا.. قلت: هو مما حمل على المعنى دون اللفظ، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس"[22].

فالفراء، لحظ الخلاف بين الضمير ومرجعه، ثم أمسك عن الرأي في تفسيره، وانصرف إلى قراءة عبدالله، مع أنها لا تمت بصلة إليه على القراءة المشهورة، أما الزمخشري فردَّ الأمر - على العهد به - إلى اللغة، وصلاح الطائفتين لأن يكون لها في أداء معناها ظاهر وباطن، وأن نظم الأسلوب ذهب مع معناها دون لفظها، لكنه لم يبين وجه الذهاب إلى المعنى هنا، فما كان ليفعل هذا إلا لحكمة دعت إليه.

رد مع اقتباس