عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 08-06-2017 - 06:05 AM ]


وتعد الخطب الدينية ومواعظ الوعاظ أكثر أنواع الكلام أخذًا من القرآن، وأشده تأثرًا به، وتعويلاً عليه في التمكين للقضية، وإقامة الحجة لها، والحمل على الاقتناع بها، ثم في الترغيب والترهيب، وفي التذكير والإرشاد، ففي القرآن من ذلك فيض غزير، ومدد كبير.
ولم تحرم الكتابة الأدبية نصيبًا منه، وخاصة كتابة أصحاب البديع، الذين كانوا يستكثرون منه، ويفتنون فيه، فقد كانوا يرفدون ما يصطنعون منه بآيات من الكتاب العزيز، اقتباسًا لها، أو إيماء إليها، أو تمهيدًا لتمثلها في الأذهان.

وأمدَّ القرآنُ العربيةَ بألفاظ نقلها إلى معانٍ لم تكن لها من قبله، لمناسبة تجمع بين المعنى الذي نقلت منه، والمعنى الذي نقلت إليه؛ مثل: الصيام، والزكاة، والحج، والعمرة، والإيلاء، والظهار، والربا، وغيرها.
واستحدث فيها علومًا اشتقت منه، وأخرى ألفت له، أو ألفت فيه؛ اشتق علم الفقه من آيات الأحكام في العبادات، والمعاملات، والحدود، والميراث، والوصية وغيرها، واشتق علم أصول الفقه من مطلقه ومقيده، وعامه وخاصه، وناسخه ومنسوخه، واشتق علم الكلام من متشابه آياته، كتلك التي تجعل لله يدًا، والتي تسند إليه الاستواء على العرش، فقد أثارت هذه الشبه تساؤل الناس عن معناها، وكيف هي في جانب الله تعالى؟ فأما السابقون الأولون فقد أمسكوا عن تأويلها، والخوض في المراد بِها، وردوا الأمر في علمها إلى الله تعالى، ثم لم يلبث الناس مع تقدم الزمن، وتحول الحال أن تناولوا أمور العقيدة كلها بالبحث والدراسة، حتى كانت مذاهب المتكلمين.

ووضع النحو صيانة للقرآن من اللحن أن يتطرق إليه، بعدما استفحل أمره في اللغة، وعاث فيها فسادًا.
وألفت كتب في إعجازه، وكتب في قراءاته، وكتب في غريبه، وكتب في مجازه، وكتب في تأويله، وكتب في ناسخه ومنسوخه، وكتب في معانيه، وكتب في الوقف والابتداء في تلاوته، إلى كتب أخرى تقول في كل ما يخطر بالبال وما لا يخطر به من وجوه الدراسة له والتأليف فيه، حتى عدد الآيات والحروف.

وألفت كتب في إعرابه، وكتب في الاحتجاج لقراءاته ما شذ منها وما لم يشذ، فكان منها بحوث بارعة في اللغة، والنحو، والصرف، والأصوات، وألفت كتب مختلفة في تفسيره، منها ما يقوم على الأثر، ومنها ما يجمع بينه وبين الرأي، ومنها ما يُعنى بأحكام الفقه، أو مسائل النحو والصرف، أو وجوه البلاغة، أو غيرها من أنواع التفسير.
وإنه ليثير الآن، وسيظل يثير إلى يوم الدين بحوثًا، ويوحي بمقالات لا عد لها، كشفًا عن أسراره، أو إثباتًا لإعجازه، أو تأويلاً لبعض آياته، أو استنباطًا منه لحقائق مختلفات، ولقد أفادت اللغة من ذلك كله ذخرًا مهولاً من المصطلحات الفنية، والنظريات الفلسفية، وقضايا السلوك، وشؤون الحياة والاجتماع.

ومن الباحثين فيه من أرهق نفسه عسرًا، وحملها في صبر عجيب على تتبع آياته، والارتياض لإيقاع الأصوات فيها؛ لعله يجد من بينها آيات توازن بحور الشعر، على تعددها، واختلاف موسيقاها، فكان له منها ما يريد، فأقبل ينظم لكل بحر بيتين، يضمن أولهما اسم البحر، وأما ثانيهما فشطره الأول لنصف تفاعيل البحر، وشطره الثاني للآية التي جاءت على وفاق وزنه؛ كقوله في البحر المديد:
يَا مَدِيدَ الهَجْرِ هَلْ مِنْ كِتَابٍ فِيهِ آيَاتُ الشِّفَا لِلسَّقِيمِ؟
فَاعِلاَتُنْ فَاعِلُنْ فَاعِلاَتُنْ (تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)
فكأنَّما أراد صاحب هذه المحاولة المضنية، بِما تكلَّف من جهد ووقت أن يدل على أن القرآن لم يندَّ عنه من علوم العربيَّة شيء، كما لم ينِدَّ عنه من علوم الشريعة شيء، فها هو ذا يجعل للعروض عنده نصيبًا، وإن لم يكنِ العروض بسبب منه، فالقرآن ليس من الشعر ولا من الرجز، نزهه الله أن يكونهما، أو يكون بسبب منهما، لكن الشعر شيء، والوزن في الكلام المنثور شيء آخر، وكثير جدًّا أن يلقى المَرْء ضروبًا من العبارات الموزونة، تقع لصاحبها عفوًا، دون تكلف لها أو قصد إليها.

والأثر الذي لا يعدله أثر آخر من آثار القرآن في العربيَّة أنَّه أمسك عليها خصائص سَمْتِها الأصيل، وكَفَلَ لَها الخلود على الأيام صالحة نقيَّة، لم يُصِبْها مسخ، ولا شابَها انحراف؛ فهذه مفرداتُها لم تزل بفضله على عهد الأولين بها، مجوَّدة الأداء، مضبوطة المخارج والأصوات، وهذه مناهجها في الصياغة، وطرائقها في التعبير، ألست تراها على ما نزل به القرآن من التنوع والافتنان؛ فحقيقة ومجاز، وكناية وتصريح، وحذف وذكر، وفصل ووصل، وقصر وإطلاق.

لهذا لا يشُقُّ عليْنَا أن نفْهَمَ عن أسلافنا، ونتذوَّق جَمال الفنِّ فيما خلفوا لنا من المنظوم والمنثور على مر العصور، وتلك مزيَّة نادرة، ونعمة سالفة أن يستقيم لأُمَّة أن يتَّصل آخرُها بأَوَّلِها، ويقوم حاضِرُها على أساسٍ من ماضيها، فتظل أبدَ الدهر أمة عريقة، وبنية متماسكة غير ذات تفكك ولا انفصام.
وعلى قدر صلة المَرْءِ بالقرآن، ومدى مصاحبته له يكون - فيما يرى الناس - حظ لغته من أصالة العرق، ونقاء المعدن، وسلامة البنية من الآفات، مشافهًا بها، ومنشئًا لها، يتبيَّن ذلك جليًّا لمن يعنى به، ويلقي باله إليه.

إنَّ القرآن لم يُمْسِكِ العربية لتجمد، ولا حال بينها وبين التَّطوُّر، ولا صدَّها عن الاستجابة لمطالب العلوم ومحدثات الحضارة، بفضل ما أُوتِيَتْ من وسائل النُّمُوِّ الذَّاتي، والثراء غير المجلوب، لكنها تدور أبدًا في فلكه، وتنجذب أبدًا إليه، حماية لها من عوادي الأحداث أن تنال منها، فتغير من أصولِها، وتبدلها حالاً بحال، فإذا هي مسخ شائه، لا هو بالعربي ولا بالأعجمي، أو تنحدر بِها الأحداث على الأيام إلى الاضمحلال والاندثار، لتخلفها عامية عاجزة، كأنها الخلق المرقع بما تجمع من عربية محرفة، وأخلاط من لغات أجنبية وافدة، وهيهات لمثلها أن يطيق التعبير إلا عن المطالب اليسيرة، والخواطر الهينة، أما الأدب في تساميه، والعلم في تعمقه، فليس منها، ولا هي منهما في شيء.

وهي بعدُ لغةُ أهلها خاصة، هم الذين يصطنعونها، ويفهمون معانيها، ويدركون ما عسى أن يكون فيها من إشارات، إنها عامل عزلة، وداعية حرب على الفصحى، تبدد آثارها الحسان في رأب الصدع، ولمِّ الشعث، وبث روح الإخاء والتعاون بين العرب على ما فيه الخير وصلاح الأمر.
ويمكن أن نقول في ثقة واطمئنان: إنَّه ما من كتاب من وحي السماء، أو من صنع البشر استطاع أن يصنع للغته ولأهله مثل ما صنع القرآن للعربية والمتكلمين بها؛ بل للبشرية كافة، وللحضارة الإنسانية كلها، بما رفع لها من قواعد، وأصل من أصول، ولقد لقي من حفاوة الدنيا به، وإقبال العلماء عليه دراسة وترجمة ما لم يلقه إلا صاحب رسالته صلوات الله وسلامه عليه.

ومن عجيب أن تنشأ أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن الحاضر ناشئة من رأي، تتوقع أن العربية لا بد يومًا لاحقة باللاتينية، وصائرة إلى ما صارت إليه من الفناء، رأي كان يراه بعض الأجانب، ويتبعهم فيه بعض المصريين ممن لم يتح له - على ما يبدو - أن يعلموا مكانها من القرآن، وحياطته لها إلى آخر الدهر، فهي اللغة التي اصطفاها الله له، وقد وعد سبحانه أن يكفل له الخلود، ووعده جل ذكره لا يتخلف، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

وكنَّا نودُّ لو نَسَأَ اللَّهُ في عمر أصحاب هذا الرأي إلى اليوم، ليتبيَّنُوا عن يقين أنَّهم لم يكونوا في رأيِهم ذاك على صواب، ولا كانوا يدركون مبلغ الصلة التي تشد العربية إلى القرآن، وتقرن خلودها إلى خلوده، ولا كانوا يُدركون أيضًا مبلغ صلة العربية بالقرآن من جانب، والتعبد في الإسلام من جانب آخر، ولا يدركون كذلك مبلغ حب الناس للقرآن، وحرصهم على تلاوته والاستماع له من حاكمين ومحكومين.

وها نحن أولاء نرى العرب في أقطارها المتعدِّدة، قد جعلت له نصيبًا مفروضًا، ومواعيد معلومة بين برامج الإذاعة المسموعة والمرئية على سواء، نزولاً على إرادة شعوبِها، ومشاركة لها في الاستمتاع به، والإفادة منه، يرتله صفوة منتخبة من أجود القراء ترتيلاً، وأعذبهم أصواتًا، إلى ما جرت به عادة الناس قبلاً، ولا تزال جارية به إلى اليوم من دعوة القراء إلى تلاوته في المحافل الجامعة والمناسبات المتنوعة، واحتشاد الجموع للاستماع له، ومشاركة أصحاب الدعوة فيما يكونون فيه من شأن.

ولم يقتصر الأمر في تربية الناشئين على سور وآيات منه، يحملون على حفظها وفهم معانيها فيما يحفظون ويفهمون من النصوص الأدبية المختارة، ولكن رئي أن يعزز هذا الجهد بجهد شعبي أوسع نطاقًا، وأكبر نفعًا.
فأنشئت مدارس لحفظه وتجويده، وتقام المسابقات العامة لحفظته، فيشترك فيها جموع من الشبان والشابات إلى جانب المنقطعين للحِفْظِ والتجويد من الصبيان، ويمنح الفائزون من هؤلاء وأولئك جوائز تشجيع، وشهادات تقدير.

ثم لا بد في أداء الصلاة من أن يقرأ المصلي ما تيسر من القرآن، وهو لذلك حاضر في أذهان أهله أبدًا، حتى ما يكاد يفارقهم قراءة له أو استماعًا لقارئيه، فإذا لهم منه غذاء روحي كريم، ومدد ثقافي لغوي متجدد، والعربية إذًا ليست لغة الدنيا وحسب، ولكنها لغة الدين أيضًا، بها يكون التفاهم والتعبد جميعًا.

هذا هو سلطان القرآن على النفوس وعمله لها في زمان يشتد فيه الصراع بين الاستقامة والزيغ، وتتعدد المذاهب المتنافرة، والدعوات الشاردة، يحاول كل أن تكون له الكلمة العليا، والإرادة الماضية، في تغيير أساليب الحياة، وقيم المجتمع، وآداب السلوك، في غير وعي ولا تمييز، وتلك هي صلة العربية به، وأسباب انتمائها إليه، واستظلالها بظله، فهل يصح في فهم بعد هذا وذاك أن تقرن إلى اللاتينية، وأن يتوقَّع متوقِّع أنَّها صائرة إلى المصير الذي صارت اللاتينية إليه؟!

[1] المشكاة: فتحة غير نافذة يوضع فيها المصباح.

رد مع اقتباس