تتمة:
قراءات مؤقتة:
لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في صلاته؛ لأنها في الحقيقة لم تكن قراءات منزَّلة، وإنما أقرَّ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مراعاة للهجات القبائل، وهذه هي القراءات التي ألغاها عثمان - رضي الله عنه - لأنها كانت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخصةً وتيسيرًا لكل مَن لم يستطع أن يقرأ القرآن إلا بلهجته الخاصة، وقد أُبطِلت هذه الرخصةُ في عهد عثمان - رضي الله عنه - ذلك أن الناس تعوَّدت ألسنتُهم على قراءة القرآن بالقراءة التي كان يقرأ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته.
وقراءات دائمة ثابتة:
تابعة للغة قريش، وأخرى تابعة للغات قبائل أخرى، نزل بها القرآن الكريم، لا مراعاة للهجات تلك القبائل، ولكن لكون هذه القراءات بلغت مستوى لغة قريش من حيث بلاغتها وفصاحتها، وهذه هي التي أبقاها عثمان - رضي الله عنه - ووحَّد الأمة الإسلامية على اختلافِ لهجاتهم للقراءة بها؛ لأنها قراءاتٌ أُرِيد بها أن تُتلَى ويقرأ بها إلى قيام الساعة، وهي المدوَّنة في المصاحف التي بين أيدينا اليوم، تحت اسم القراءات السبع، والقراءات العشر، التي هي نفس المصاحف التي جمع فيها زيدُ بن ثابت القرآن، وأُرسِلت في خلافة عثمان - رضي الله عنه - من المدينة إلى الأمصار، وعُرِفت باسم المصاحف العثمانية؛ نسبةً إلى الخليفة الثالث الذي أمر بنسخها وإرسالها، وهذه المصاحف هي نفسها المنقولة عن الصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت أيضًا القرآن في خلافة أبي بكر الصديق، وهي نفسها المنقولة عن القطع التي كُتِب عليها القرآن في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره وتحت سمعه وإشرافه.
• ومما يجب التنبيه عليه أن هذه القراءات لم تكن في كلِّ آية من آيات القرآن الكريم، بل تشمل عددًا معينًا في كل سورة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن عبارة (سبعة أحرف) لا تعني أن كلاًّ من هذه الآيات المشمولة تُقرَأ بسبع قراءات أو عشر، من ذلك مثلاً:
• ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾، و(مَلِك يوم الدين) [الفاتحة: 1]، فهذه الآية من سورة الفاتحة تقرأ بهاتين القراءتين فقط.
• و﴿ يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف: 137]، تقرأ بقراءتين فقط بكسر الراء وبضمها.
• و﴿ جَمَعَ ﴾ [الهمزة: 2] تقرأ بقراءتين فقط (جمَع) بفتح الميم وتخفيفها، و(جمَّع) بفتح الميم وتشديدها.
• و﴿ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ﴾ [البقرة: 77] تقرأ (عليهِمِ القتال) بكسر الهاء والميم، و(عليهُمُ القتال) بضم الهاء والميم، و(عليهِمُ القتال) بكسر الهاء وضم الميم، فتقرأ هذه الآية بهذه القراءات الثلاث فقط.
وأكثر القراءات عددًا أربع، وهي في ألفاظ قليلة؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ [يوسف: 23]، فقد قُرِئَتْ بأربع قراءات نذكرها فيما بعد.
ونلحظ أن جميع هذه القراءات خطها واحد، ومعناها واحد، والحكمة من وجود هذه القراءات يمكن إجمالها فيما يأتي:
الحكمة الأولى: التيسير على الأمة الإسلامية على اختلاف عصورها وأقاليمها ولغاتها، سواء كانت من قريش أم من غير قريش، وسواء عربية كانت أم أعجمية.
والحكمة الثانية: هي الجمع بين حكمين مختلفين؛ كقوله - تعالى -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222].
قرئ بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة ﴿ يَطْهُرْنَ ﴾، وصيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
أما قراءة التخفيف، فلا تفيد هذه المبالغة، ومجموع القراءتين يحكم بأمرين:
أولهما: أن الحائض لا يقربُها زوجها حتى يحصل أصل الطهر، وذلك بانقطاع الحيض.
والثاني: أنه لا يقربها زوجها أيضًا إلا إذا بالغت في الطهر، وذلك بالاغتسال، وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي ومَن وافقه، ويبدو أن جواز القراءتين يدل على جواز الأمر الأول، إلا أن الأمر الثاني أفضل وأكثر استحبابًا.
والحكمة الثالثة: هي الدلالة على حكمين شرعيين، ولكن في حالتين مختلفتين؛ كقوله - تعالى - في بيان الوضوء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾ [المائدة: 6].
قُرِئ بنصب (أَرْجُلكم) وبجرِّها، فالنصب يفيد طلب غسلها؛ لأن العطف حينئذٍ يكون على لفظ (وجوهَكم) المنصوب الذي حكمه الغَسل، والجرُّ يفيد طلب مسحها؛ لأن العطف حينئذٍ يكون على لفظ (رؤوسِكم) المجرور الذي حكمه المسح، والمعروف أن النصب هو الأصح والأشهر؛ لأن المراد به الحالة العامة التي هي وجوب الغسل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ويل للأعقاب من النار))، والأعقاب مؤخر القدم، وهذا حديث نبوي قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما نظر إلى رجلٍ يتوضأ ولم يغسل قدميه، وهو حديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، أما الجر، فقد كان في حالات خاصة وشروط معينة.
والحكمة الرابعة: الجمع بين معنَيي القراءتين؛ من ذلك قوله - تعالى -: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 259].
والنشز (بالزاي): يعني رفع العظام بعضها فوق بعض، والمراد جمعها وإرجاعها إلى ما كانت عليه، ويكون ذلك تمهيدًا لبعث الروح فيها، وقُرِئت: ننشرُها (بالراء)، والنشر؛ معناه: البعث والإحياء، فعند جمع هاتينِ القراءتين يكون تفسير الآية: وانظر إلى حمارك الذي مات قبل مائة سنة، وتفسخت عظامه، وتناثرت هنا وهناك، كيف نجمعها ونعيدها إلى مواضعها، وانظر كيف نحييها.
والحكمة الخامسة: يمكن توضيحها في قوله - تعالى -: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: 23].
قُرِئَتْ (هيت لك) بأربع قراءات صحيحة ومتواترة، هي:
1- هِيتَ لك: بكسر الهاء وتسكين الياء، وفتح التاء.
2- هِئْتَ لك: بكسر الهاء، وتسكين الهمزة، وفتح التاء.
3- هَيْتُ لك: بفتح الهاء، وتسكين الياء، وضم التاء.
4- هَيْتَ لك: بفتح الهاء، وتسكين الياء، وفتح التاء.
• مما لاشك فيه أن امرأة العزيز اتَّبعت عدة طرائق لتراود بها يوسف - عليه السلام - عن نفسه، ذلك بنبرات خطابِها له، وتعدد نغماته المغرية والمثيرة لكوامن الشهوة، فيظهر أيضًا أن تعدُّد قراءات (هيت لك) كان ليشير إلى تعدد طرائق الإغواء التي اتَّبعتْها امرأة العزيز لاستمالة يوسف - عليه السلام - إليها بحديثها وخطابها، وعرض مفاتن جسمها في مواقف مختلفة.
وفي قوله - تعالى -: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء: 23].
قُرِئَتْ (أفٍّ) ثلاث قراءات: (أفِّ) بكسر الفاء، و(أفَّ) بفتح الفاء، و(أفٍّ) بتنوين الفاء تنوين كسر، وكذلك يظهر أن تعدد قراءة (أف) في هذه الآية جاء ليحث الأبناء إلى عدم خطاب الوالدين بأي نوع كان من أنواع الضجر.
فكل قراءة في هذا القرآن محسوب معناها وغرضها، فما أعظمَه من كتاب!
اللهم يسِّر لنا قراءة القرآن وحفظه والعمل به، اللهم آمين!
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/62045/#ixzz4oU8JuWXy