عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 9 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 07-27-2017 - 10:07 AM ]


تتمة:
ومهما اختلف الناس في غرائزهم، من حيث قبول البعض إلى إمكان التغيير السريع لأخلاقهم والبعض الآخر إلى البطء والبعض في الوسط؛ إلا أنه لا ينفك من أثر قبول.

والبواعث على طلب الخيرات الدنيوية ثلاثة، أدناها مرتبة الترغيب والترهيب ممن يرجى نفعه ويخشى ضره، وهي من مقتضى الشهوة؛ ولذا فهي من فعل العامة، والثاني: رجاء الحمد وخوف الذم ممن يعتد بحمده وذمه وهي من مقتضى الحياء وهي لكبار أبناء الدنيا، والثالث: تحري الخير وطلب الفضيلة وهي من مقتضى العقل وفعل الحكماء.

أما البواعث على طلب الخيرات الأخروية فهي ثلاثة أيضًا:
الأول: الرغبة في ثواب الله تعالى والمخافة من عقابه وهي منزلة العامة، والثاني: رجاء حمده ومخافة ذمه وهي منزلة الصالحين والثالث: طلب مرضاته عز وجل وهي منزلة النبيين والصديقين والشهداء، وهي أعزها وجودًا وأفضل ما يتقرب به العبد؛ قال تعالى: ï´؟ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ï´¾ [الكهف: 28]، فإن أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه عز وجل أن لا يريد في الدنيا والآخرة غيره[16].

ثانيًا: لم خلقنا؟
يقسم الراغب الأصفهاني الكائنات من حيث الأغراض التي تحققها، والأفعال التي تختص بها، كالبعير خصص ليبلغنا وأثقالنا إلى بلد لم نكن بالغيه إلا بشق الأنفس، والفرس لنصل به إلى غاياتنا في سرعة ويسر، والمنشار لإصلاح المصنوعات الخشبية وغيرها، والباب لندخل به إلى المنزل.

وبالمثل فإن للإنسان ثلاثة أفعال تختص به وهي:
1- عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى: ï´؟ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ï´¾ [هود: 61] لتحصيل المعاش. لنفسه ولغيره.

2- عبادته المذكورة في قوله تعالى: ï´؟ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ï´¾ [الذاريات: 56]، أي الامتثال لله سبحانه في عبادته في أوامره ونواهيه.

3- خلافته المذكورة في قوله تعالى: ï´؟ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ï´¾ [الأعراف: 129][17].

ولا يستحق الإنسان الخلافة إلا بتحري مكارم الشريعة، وهي الحكمة والقيام بالعدالة بين الناس في الحكم والإحسان والفضل، والغرض منها بلوغ جنة المأوى.

ولما كان شرف الأشياء بتمام تحقيق الغرض من وجودها ودناءتها بفقدان ذلك المعنى، فإن الفرس إذا لم يصلح للعدو اتخذ للحمولة، والسيف إن لم يصلح للقطع اتخذ منشارًا، وبالمثل فمن لم يصلح من الإنسان لتحقيق ما لأجله أوجد، فالبهيمة خير منه ولذلك ذم الله تعالى الذين فقدوا هذه الفضيلة ï´؟ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ï´¾ [الأعراف: 179][18] وتحري مكارم الشريعة يحتاج إلى أن يصلح الإنسان نفسه أولًا بتهذيب نفسه قبل غيره، حيث ذم الله تعالى من يأمر غيره بالمعروف، وينهاه عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه. فقال سبحانه ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ï´¾ [الصف: 2، 3].

وتبدأ مكارم الشريعة بطهارة النفس بالتعلم للتوصل إلى الحكمة، ثم العفة للتوصل إلى الجود، والصبر ليدرك الشجاعة والحلم، والعدالة لتصحيح الأفعال.

وباستكمال هذه الدرجات فإنه أصبح المعنى بقوله تعالى: ï´؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ï´¾ [الحجرات: 13] وصلح لخلافة الله عز وجل.

ويظهر لنا من التفرقة بين مكارم الشريعة والعبادات، أن العبادات فرائض معلومة ومحددة وتاركها يصبح ظالمًا، بينما المكارم درجة أعلى من العبادات، ولذا فإن أداء العبادات من باب العدالة، ولكن التحري بمكارم الشريعة من قبيل النفل و الأفضال[19].

وهكذا فإن الراغب الأصفهاني يضع مستويات أخلاقية لأعمال الإنسان، فالعدل فعل ما يجب والتفضل الزيادة على ما يجب.

كذلك لا يصلح لخلافة الله ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه إلا من كان طاهر النفس، فكما أن للبدن نجاسة فكذلك للنفس نجاسة، الأولى تدرك بالبصر والثانية تدرك بالبصيرة، وإياها قصد تعالى بقوله: ï´؟ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ï´¾ [التوبة: 28] ولقوله تعالى: ï´؟ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ï´¾ [الأنعام: 125] كما أشار سبحانه إلى طهارة القلوب بقوله تعالى: ï´؟ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ï´¾ [الحجرات: 3]، وقوله: ï´؟ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ï´¾ [الأعراف: 58].

ومن الآيات أيضًا التي تتضمن معنى التطهر قوله تعالى: ï´؟ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ï´¾ [الأحزاب: 33]، وقال: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ï´¾ [البقرة: 222][20].

ما تطهر به النفس:
ولكن كيف يتم تطهير النفس في رأي حكيمنا الأخلاقي حتى يصبح الإنسان مرشحًا لخلافة الله تعالى مستحقًا به ثوابه؟
يرى أن العلم والعبادات هما المطهران للنفس، إذ أن أثرهما في النفس كأثر الماء الذي يطهر البدن[21]، وأدلته على ذلك الآيات القرآنية التي يفسرها بهذا المعنى، مثل قوله تعالى: ï´؟ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ï´¾ [الأنفال: 24]، وقوله تعالى: ï´؟ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ï´¾ [الرعد: 17].

فالآية الأولى تدل على أن حياة النفس في العلم والعبادة.

أما الآية الثانية فقد فسرها ابن عباس بأن الماء يعنى به القرآن لأن به طهارة النفس والأودية هي القلوب التي احتملته بحسب ما وسعته[22].

والذي يلزم تطهيره من النفس القوى الثلاث: قوة الفكر بتهذيبها حتى تحصل الحكمة والعلم - والحكمة هي أشرف منزلة من العلم[23] لأنها العلم والعمل به. ولهذا وصف الله تعالى الذين ليس لهم علم صحيح ولا عمل على الطريق المستقيم بقوله: ï´؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ï´¾ [البقرة: 170].

فالعقل يقال بالإضافة إلى المعرفة، والاهتداء بالإضافة إلى العمل[24].

وتهذيب قوة الشهوة بقمعها لكي تكتسب العفة والجود، ويتم إخضاع قوة الحمية باستيلاء العقل عليها حتى تنقاد له فيحصل الشجاعة والحلم "فيتولد من اجتماع ذلك العدل"[25].

الطريق ممهد إذن للإنسان لتطهير نفسه ورياضتها، وتقويم أخلاقه والارتقاء بها إلى ما يمكنه بحيث يصل بها إلى أرقى المستويات، لأن الإنسان هو مختار، والأدلة على ذلك تلزمنا بإيضاح وتحليل العوامل المؤثرة في الإرادة إذ يخيل للبعض أنه "مجبر" ولكن الحقيقة غير ذلك. وإليك البيان.

2- الإنسان مختار:
يقسم الأصفهاني الأحياء إلى ثلاثة أنواع، نوع للدار الدنيا وهي الحيوانات، ونوع للدار الآخرة والملأ الأعلى "أي الملائكة"، والإنسان بين هذين النوعين يصلح للدارين لأنه واسطة بين اثنين أحدهما وضيع وهو الحيوانات والثاني رفيع وهو الملائكة، فهو كالحيوانات من حيث الشهوة البدنية والغذاء والتناسل والمنازعة وغيرها من صفات الحيوانات، وكالملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والاتصاف بالأخلاق الشريفة كالصدق والوفاء وغيرها، وذلك لأن حكمة الله عز وجل اقتضت أن يرشح الإنسان لعبادته وخلافته وعمارة أرضه وهيأه أيضا لمجاورته في جنته فلو خلق كالحيوانات لما صلح للمجاورة بالجنة، ولو خلق كالملائكة لما صلح لتعمير الأرض "فاقتضت الحكمة الإلهية أن تجمع له القوتان وفي اعتبار هذه الجملة تنبيه على أن الإنسان دنيوي أخروي وأنه لم يخلق عبثًا ï´؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ï´¾ [المؤمنون: 115][26].

أما بالنظر إلى البشر في مدى اختلافهم فإنه يرى أن التفاوت بينهم يظهر للأسباب الآتية:
أولًا: اختلاف الخلقة، مستخرجًا هذا المعنى من قوله تعالى: ï´؟ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ï´¾ [الأعراف: 58]، والآية الأخرى: ï´؟ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ï´¾ [آل عمران: 6]، ويستشهد بما روي عن واقعة أصل الخلق "إن الله تعالى لما أراد خلق آدم عليه السلام أمر أن يؤخذ من كل أرض قبضة فجاء بنو آدم على قدر طينها الأحمر والأبيض والأسود والسهل والحزن والطيب والخبيث"[27].

ثانيًا: اختلاف طبائع الوالدين وتأثير عوامل الوراثة، ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم – ((تخيروا لنطفكم))[28].

ثالثًا: اختلاف الوالدين من حيث الصلاح والفساد؛ إذ أن الطفل بحكم نشأته بينهما ومخالطته لهما قد يتأثر بما هما عليه من جميل السيرة والخلق وقبيحها.

رابعًا: أثر الغذاء من حيث الرضاع وطيب المطعم، وبسبب هذا التأثير تصف العرب صاحب الفضل بقولها "لله دره"[29].

خامسًا: من حيث التربية والتهذيب وتنشئتهم على التعود بالعادات الحسنة ونبذ القبيحة، وبيان تفصيل ذلك أخذ الطفل بالآداب الشرعية وأمره بالصلاة لسبع وضربه لعشر طبقًا لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع إبعاده عن مجالسة الأردياء؛ لأنه يتطبع بطبائعهم، وتعليمه أن يسلك السبيل القويم في أقواله وسلوكه، وأن يقتصد في المآكل والمشارب، ويخالف الشهوة "ويمنع من المفاخرة ومن الضرب والشتم والعبث والاستكثار من الذهب والفضة، ويعود صلة الرحم وحسن تأدية فروض الشرع".

سادسًا: اختلاف الناس الذين يعيشون معهم ويختلطون بهم من حيث الآراء و المذاهب[30].

سابعًا: مدى الاختلاف في الاجتهاد في تزكية النفس بالعلم والعمل، فإذا ما اجتمع للإنسان هذا الركن فجاهد نفسه في تعريف الحق وزكاها مع توفر الاستعدادات الجبلية من حيث طيب المنبت وصلاح الوالدين وحسن التربية عن طريق الأخذ بالقواعد السالف الإشارة إليها، بلغ المرتبة العليا في الخيرات من جميع الجهات، وحق فيه قول الله تعالى: ï´؟ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ï´¾ [ص: 47] على عكس من يسميهم بالرذل التام الرذيلة أي بعكس الأمور التي ذكرها[31].

وهكذا نجد الأصفهاني يقر جانب عوامل الوراثة والبيئة وأصل الخلقة من حيث التكوين البيولوجي، ثم يحرص على التنويه بأنه مهما تفاوت الناس في هذه العوامل التي تعد في حكم الجبرية، إلا أنه ما من أحد "إلا وله قوة على اكتساب قدر ما من الفضيلة، ولولا ذلك لبطلت فائدة الوعظ والإنذار والتأديب"؛ ولهذا فإن على الإنسان أن يبذل قصارى جهده ليكتسب ما يقدر عليه من أنواع الفضائل والله تعالى يعذره بقوله سبحانه ï´؟ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ï´¾ [البقرة: 286].

فالأمر المهم والضروري هو المحاولة وعقد النية على تغيير سلوكه وتحسينه، حتى إذا فعل غاية وسعه كان ذلك إيذانًا بأن يزيل الله عنه باقي السيئات التي عجز عن التخلص منها. يقول تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ï´¾ [التحريم: 8][32].

إنه يثبت جانبًا جبريًا في الإنسان، يتمثل في عوامل الوراثة والخلقة وظروف النشأة والبيئة، ولكنه يرى أنه مختار لأفعاله، ويدعوه إلى بذل الجهد واستخدام إرادته الحرة في رياضة نفسه وتقويم أخلاقه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهنا يكاد يتفرد الأصفهاني بنظرته إلى دور العبادة في المجال الأخلاقي.

العبادة ودورها في السلوك الأخلاقي:
تمهيدًا لبيان دور العبادة في تقويم الأخلاق، ينبغي البدء بشرح ما يمتاز به الإنسان عن الحيوان، من حيث القوى والطبائع الحيوانية أي الشهوة البدنية والغذاء والتناسل وغيرها، ولكن الإنسان ينتقل إلى مستوى أعلى حيث يتميز بالعقل، بل إنه بسبب العقل صار إنسانًا، ولكن العقل لا يصلح وحده بغير الشرع، وهنا تظهر أهمية العبادة في السلوك الإنساني عند الراغب الأصفهاني "فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ عن الإنسانية فصار حيوانًا أو دون الحيوان"[33]؛ لأنه بالعبادة يحقق الغاية التي من أجلها خلق، كما قال تعالى: ï´؟ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ï´¾ [الذاريات: 56، 57]، ï´؟ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ï´¾ [البينة: 5].

فما هي العبادة وما هو دورها في السلوك الأخلاقي؟
العبادة كما يعرفها هي: "فعل اختياري مناف للشهوات البدنية تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى طاعة للشريعة".

أما دورها فهو المحافظة على الفطرة التي خلق بها الإنسان المشار إليها بقوله تعالى: ï´؟ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ï´¾ [الروم: 30]، وقوله عز وجل: ï´؟ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ï´¾ [البقرة: 138] فالصبغة هي العقول التي تميز بها الإنسان عن البهائم، والاستفهام في الآية للإنكار والنفي، فلا صبغة أحسن من صبغته تعالى، ويتساءل الراغب ((فكيف تذهب عنا صبغته ونحن نؤكدها بالعبادة، وهي تزيل رين القلب فينطبع فيه صورة الهداية؟))[34].

وترتفع العبادة إلى أرقى مراتبها عندما يحب الإنسان أن يتحرى بها ابتغاء مرضاة الله. يؤديها بانشراح صدر بدلًا من مجاهدة النفس "ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إن استطعت أن تعمل لله في الرضا باليقين فاعمل وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير"[35].

ثالثًا: إلى أين المصير؟
يرى الراغب أن الإنسان في دنياه مسافر متخذًا الدليل على ذلك قصة الخلق؛ إذ قال تعالى: ï´؟ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ï´¾ [البقرة: 36]، ويستشهد بعبارة على بن أبي طالب رضي الله عنه "الناس على سفر والدنيا دار ممر لا دار مقر وبطن أمه مبدأ سفره والآخرة مقصده وزمان حياته مقدار مسافته وسنوه منازله وشهوره فراسخه وأيامه أمياله وأنفاسه خطاياه يسار به سير السفينة براكبها"[36].

فالغاية للإنسان ينبغي أن تكون دار السلام، ويحتاج في حياته إلى التزود للسفر، وهو في كدح وكبد ما لم ينته إلى دار القرار، كما قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ï´¾ [الانشقاق: 6].

والناس في طلبها على ضربين:
ضرب انصرفوا عن طلب الآخرة وركنوا إلى الدنيا، وقالوا: ï´؟ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ï´¾ [الجاثية: 24] وطلبوا الراحة فيها من حيث لا راحة، أي أنهم في أعمالهم وسلوكهم يبتغون من الدنيا ((ما ليس في طبيعتها ولا موجودا فيها ولها))[37].

ونفهم من رأي الأصفهاني انحراف هذا الموقف من الناحية الأخلاقية لأن أصحابه يسعون في تصرفاتهم نحو غاية لن تتحقق، مصداقًا لقوله تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ï´¾ [النور: 39] أما الضرب الثاني من الناس، فهم الذين عرفوا أنهم يعيشون في الدنيا بصفة مؤقتة كما قال سبحانه: ï´؟ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ï´¾ [البقرة: 36]، ومن ثم فقد أصبح الدافع لهم في أعمالهم التزود لدار اخلود، فاغترفوا من الزاد الروحاني كالمعارف والحكم والعبادات والأخلاق الحميدة، لأنهم على يقين من الحصول على ثمرته وهي الحياة الأبدية، فإن الاستكثار من هذا الزاد محمود "ولا يكاد يطلبه إلا من قد عرفه وعرف منفعته"[38].

ولم ينس هذا الفريق من الناس في الوقت نفسه نصيبه من الدنيا، فتزود بالزاد الجسماني كالمال والأثاث ï´؟ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ï´¾ [آل عمران: 14]، وغايتهم أن يستعينوا به على الحياة الدنيوية الفانية، إذ من طبيعة هذا الزاد أن يسترد من الإنسان بعد مفارقته للدنيا، فلا ينبغي الركون إليه والاستغناء به عن الزاد الروحاني اللازم للآخرة: ï´؟ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ ï´¾ [آل عمران: 185] ويخشى على المتكثر منه أن يثبط صاحبه عن مقصده. يقول الراغب "والاستكثار منه ليسر بمذموم ما لم يكن مثبطًا لصاحبه عن مقصده، وكان متناولًا على الوجه الذي بجب وكما يجب"[39]، ويقصد بالشق الثاني من عبارته التقيد في المعاملات بمقتضى الشرع.


رد مع اقتباس