عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 07-25-2017 - 01:08 PM ]


المقالة الرابعة: البيان .. والطريق المهجور:

ذكر الطناحي في هذه المقالة أن من أَجَلِّ نِعَم الله على عباده نعمة البيان، وأنه لا ينبغي أن يكون المراد بالبيان مجرد الكشف عما في النفس لقضاء الحاجات واتصال مصالح العباد، لكن المراد بالبيان الإحسان في تأدية المعاني، يقول:" ووجوه الإحسان في تأدية المعاني كثيرة، ومنادحها واسعة، ولا يكاد يظفر بها إلا من وهب لطافة الحس، وخفة الروح، ورحابة النفس، والارتياح والطرب لمظاهر إبداع الله عز وجل في هذا الكون، وما بثه في ملكوت السموات والأرض، وما أجراه على ألسنة خلقه"(20).

وذكر أيضا أن العرب أمة بيان وفصاحة، ولغة العرب معينة على ذلك، ولقد تجلّت هذه الأخيرة على ألسنة الشعراء والخطباء شعرا شجي النغم، ونثرا حلو الوقع، ثم كان مجلى هذه اللغة العزيزة كلام الله عز وجل، ثم ما ألقاه ربنا على لسان نبيه من جوامع الكلم" فصاحة صافية المورد، وبلاغة عذبة المشرع، ومنطقا صائب الحجة"(21).

يعرض الطناحي في هذه المقالة أيضا تاريخ البيان العربي الجاري على أقلام الكتاب وألسنة المتكلمين وقصائد الشعراء، والذي أصل له الجاحظ في « البيان والتبيين» وابن قتيبة في «عيون الأخبار» إلى جانب كتب الأمالي والمجالس والمختارات.

ينتقد المؤلف أساليب الكتاب ومن ينتسبون إلى الأدب في زمنه والتي أصبحت تدور في فلك ألفاظ مستهلكة إلى جانب الغموض المظلم الذي يَكُدُّ العقل، ويكون مجلبةً للغم والكآبة، يقول المؤلف:" إن كثيرا مما يكتب الآن لا صلة له بالعربية إلا صورة الحروف والأبنية من الأسماء والأفعال! أما روح العربية وآمادها الرحبة الواسعة؛ فلا تجدها في أسلوب مما تقرأ، ولا كلام مما تسمع!" (22).

وقد رد الطناحي – رحمه الله- سر التردي في الكتابة ومجافاة حسن البيان والإعراض عن جمال العبارة إلى أسباب خمسة وهي:

أولا: ذهاب الكِبار بالموت أو بالملل أو بالمصانعة.

ثانيا: قلة المحصول اللغوي عند الكتاب وقد رد هذا الأمر إلى قلة القراءة وضعف الزاد، يقول:" وليس يخفى أن قلة المحصول اللغوي، والعجز عن التصرف في الكلام، إنما يرجعان إلى قلة القراءة وضعف الزاد. فالأديب لكي يكتب أدبا عاليا جميلا لا بد أن يكون على صلة لا تنقطع بالقراءة، وأن يجعل من يومه نصيبا مفروضا للمراجعة والاستزادة، فـ « الإبداع» - كما يقال في هذه الأيام!- لا بد له من مدد، والمدد ليس له إلا طريق واحد، هو القراءة الرشيدة المستمرة، ثم التأمل"(23).

ثالثا: تسويغ العجز باصطناع نظريات تمهد له وتسانده.

رابعا: اقترن بتسويغ العجز عن جمال البيان السخرية منه والإزراء بقائله.

خامسا: الكسل والإخلاد إلى الراحة.

المقالة الخامسة: النحو العربي.. والحمى المستباح:

أكد الطناحي سلطان النحو على اللغة وعلى الفكر والفن معا إضافة إلى أنه إبداع، يقول:" نعم .. النحو إبداع، ولا يعرف هذا إلا من قرأ القرآن الكريم قراءة تبصر وإحسان، ثم أطال النظر في كلام العرب: نثرها وشعرها، وصبر نفسه على قراءة الكتب والسير في دروبها، وحمل تكاليف العلم وأعباءه"(24).

وقد أشار الطناحي إلى مهاجمة بعض القدامى النحو والنحاة وضيقهم به مثل أبي حنيفة الصوفي، لكن الطناحي أرجع ذلك إلى ضعف الهمم وقصور الخطى، ومِثْل الفرزدق الذي سَخِرَ من قواعد النحو، وابن الراوندي الذي أوثر عنه طعن في النحو ونقض على النحويين، لكنه انتهى إلى أن قول الفرزدق وقول سواه من الشعراء الذين أظهروا سخطهم على النحو وقواعده إنما هو من باب المعابثة والاستطالة بالذكاء، أو أنها سخرية بالنحاة لا بالنحو.

يذهب المؤلف إلى أن النحو نحوان: « نحو الصنعة» و« نحو التراكيب»؛ " فالأول: هو النظام والقواعد والتعريفات والقوالب، وما صحب ذلك كله من العلة والعامل. ولبعض خلق الله الحق في أن يضيقوا بالنحو على هذا الوصف؛ لأن فيه أحيانا ما يكد الذهن ويصدع الرأس[...] ولكنه على كل حال علم ينبغي أن يعرف ويحاط به.

والنحو الثاني: « نحو التراكيب»، وهو الذي اتكأ على النظام، وانطلق منه إلى إدراك العلائق بين أجزاء الكلام [...] والنحو بهذا الوصف لا يصح أن يطعن فيه أو ينتقص منه؛ لأن الطاعن فيه منتقص للعربية كلها، ذاهب عنها جميعها"(25).

وقد استعرض الطناحي في هذه المقالة بداية التأليف النحوي عند العرب في القرون الثاني والثالث والرابع؛ تلك القرون التي ظهر فيها النحو ظهورا بينا على ساحة الفكر العربي، وأخذ الاهتمام به أشكالا كثيرة، تآليف في النحو خالصة، وأعاريب للقرآن الكريم، وكتبا في توجيه قراءاته والاحتجاج لها، ثم تجلى الاهتمام بالنحو أيضا في شروح الشعر الجاهلي والإسلامي، وقد عنيت هذه الشروح عناية فائقة بالنحو.

ومن وراء ذلك كله كان هناك مظهر رابع للاهتمام بالنحو وهو تلك المجالس التي كانت تعقد بين عالمين أو أكثر من علماء النحو واللغة، وقد عرفت بـ " المجالس النحوية".

وبَيَّنَ كذلك أن الاهتمام بالنحو كان متزامنا مع النهضة العامة التي كانت آخذة في النمو والاتساع في علوم العرب وفنونها، وقد صور لنا الطناحي في هذا السياق صورا من العلاقة التي كانت تجمع بين النحاة والشعراء.

كما تصدى للرد على ما ذكره الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي في حق ابن منظور وابن هشام حيث جعلهما آيتين من آيات الضعف، ومظهرين من مظاهر الانحطاط، مستشهدا بالدلائل القاطعة على خلاف ذلك.

فلولا ما صنعه ابن منظور وابن هشام ومن إليهما من اللغويين والنحاة والعلماء الذين عاشوا في القرن الثامن - وهو العصر المملوكي الموسوم بالتخلف والانحطاط- من أعمالهم الموسوعية، لضاع علم كثير ولضعفت ذاكرة الأمة العربية ضياعا؛ فابن منظور صاحب أول معجم عربي كبير وهو « لسان العرب» وهو أحد معالم حضارتنا العربية، وقد ألفه ابن منظور لغايات منها الغاية القومية والوطنية " وباعثها الغيرة على العربية والعصبية لها، بعد أن اطرح بعض الناس الحديث بالعربية وهجروها إلى اللغة الأعجمية، وهي التركية في ذلك الزمان"(26).

أما ابن هشام فهو الذي تعمق في مذاهب النحاة ونظر فيها بتروٍ واستقصاءٍ، ثم أحسن عرضها ومناقشتها في مصنفاته الكثيرة وعلى رأسها كتابه الشهير « مغني اللبيب عن كتب الأعاريب»، وقد استشهد الطناحي على صحة كلامه بكلام ابن خلدون وشوقي ضيف؛ حيث جعلاه محيِيَ صناعة النحو في العصور الوسطى بعدما كادت تؤذن بالذهاب، وقرين سيبويه وابن جني، وهما ما هما بين أعلام العربية.

أما الأبحاث فهي كالآتي:

1- استثمار التراث في تدريس النحو العربي:

بَيَّنَ الطناحي في بداية بحثه أن النحو أول علم عربي صُنِّفَ فيه، فصار بذلك ملاك العربية وقوامها، يقول:" وقد صار النحو بهذه المثابة إماما لكل فن، ومقدما على كل علم. وأصبح التقصير فيه، والإخلال بقواعده، وإهمال ضوابطه.. مجلبة للنقص، ومدعاة للإزراء. وصار مرتكب ذلك منقوص الحظ من الكمال، مشنعا عليه في كل مكان"(27)، وهو أيضا إمام كل علم وأساسه، يقول:" وهكذا كان النحو – منذ أن عرف- إمام كل علم، وأساس كل بناء، وتوشك معرفته أن تكون فرض عين على كل من انتسب إلى العربية، أو كتب فيها حرفا"(28).

تشغل المصنفات النحوية في المكتبة العربية مكانا ضخما جدا، ونَبَّه المؤلف إلى أن النحو لا يوجد في كتبه المصنفة فيه فقط بل هو موجود في المكتبة العربية كلها، وقد عرض في بحثه هذا النهجَ الذي كان يسلكه الأولون في تعلم النحو وتعليمه والمتمثل في القراءة على الشيخ مؤلف الكتاب نفسه، أو من يقوم مقامه علما وبصيرة، ثم ما يكون بعد ذلك من حفظ المتون والمنظومات، والعكوف على الشروح وإدامة النظر فيها، ومفاتشة أهل العلم عن طريق المدارسة والمذاكرة، فيما سمي بمجالس العلماء ومناظراتهم.

وحين أخذ التعليم شكله الحديث في أوائل القرن العشرين، ووضعت المناهج لتدريس مختلف العلوم برزت طائفة من كتب النحو القديمة تدرس من خلالها هذه المناهج، يقول الطناحي:" ولقد تخرج الجيل العظيم من نحاة ولغويي مصر والبلدان العربية الأخرى من هذه المدرسة: مدرسة النصوص والكتاب القديم، وهو ما أسميه « جيل المتون والحفظة»"(29).

وفي هذا السياق تحدث عن تعليم النحو والعربية في مصر من خلال الكتاب القديم أو الكتاب الحديث المؤسس على الكتاب القديم، والماضي في طريقه؛ حيث كان الطلاب في كليات اللغة العربية يتصلون بالكتاب القديم اتصالا وثيقا.

وقد رد الطناحي أسباب ضعف هذا الجيل في النحو والعربية إلى أسباب أربعة:

أولها: هجر الكتاب القديم.

ثانيها: طغيان المناهج الغربية في درس النحو واللغة، وما تبع ذلك من جرأة على النحو وسخرية بالنحاة.

ثالثها: الاشتغال بالنظرية واجتواء التطبيق.

رابعها: إهمال جوانب ضرورية في تعليم النحو والعربية.

ففي هجر الكتاب القديم تحدث عن أن شواهد النحو واللغة يجب أن تنتزع من مصادر أربعة: القرآن الكريم وحديث سيدنا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] وكلام العرب وأمثالها والشعر، على أن الأثر الضخم للشاهد التراثي إنما كان للقرآن الكريم تثبيتا للقاعدة اللغوية والنحوية وتمكينا لها في النفس.

ومن الجوانب الضرورية التي أهملت: ضبط الأبنية من أسماء وأفعال، ومعلوم أن المعاني تختلف باختلاف ضبط بنية الفعل والاسم، يقول:" إن ضبط الأبنية باب من أبواب العربية، ينبغي تعهده والعناية به، وليس من الأمور الشكلية كما يزعم بعض الناس"(30). ومن الجوانب التي أهملت أيضا في تعليم النحو والعربية مخارج الحروف وصفاتها.

2- لغتنا المعاصرة .. والثقة الغائبة:

أقام الطناحي بحثه هذا على تأكيد الثقة باللغة المعاصرة، ومَهَّدَ لذلك ببيان قِدَمِ اللغة العربية، وهي إلى قدمها تعد اللغة الوحيدة التي حافظت على خصائصها الصوتية والصرفية والمعجمية والدلالية، وإنما حافظت على خصائصها تلك لأنها لغة عقيدة، ارتبطت بالدين ارتباطا شديدا، وكان لنزول القرآن الكريم بها أثر ضخم في تثبيتها في عقول الناس وجريانها على ألسنتهم – كما يقول المؤلف-.

وقد تعرضت اللغة العربية شأن سائر اللغات لشيء من التطور في أصواتها ودلالتها وشيوع بعض التراكيب في وقت وانحسارها في وقت، وفي هذا السياق أكد عدمَ وجود فرق بين عربية الشعر الجاهلي وعربيتنا الآن إلا في بعض الغريب واستشهد على ذلك بشعر لامرئ القيس وشعر للأضبط بن قريع السعدي.

فقد أورد الطناحي – رحمه الله- ثلاثة أبيات لامرئ القيس من قصيدتين مختلفتين وهي قوله في القصيدة الأولى:

وَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً! وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا!

وقوله في قصيدة ثانية:

أُرَانَا مُوضِعينَ لأَمْر غَيْبٍ ونُسْحَر بالطَّعَامِ وبِالشَّرَابِ

وقوله أيضا من نفس القصيدة:

وَقَدْ طَوَّفْتُ بالآفاقِ حتى رضيتُ من الغَنِيمَة بالإِيَابِ

وقد شرح الطناحي – رحمه الله- كل بيت على حدة، وعلق على الأبيات الثلاثة بقوله:" فأي فرق بين كلام امرئ القيس هذا، الجاهلي، وبين كلامنا؟"(31).

أما بالنسبة للأضبط بن قريع السعدي فقد أورد قصيدته الشهيرة في كتب الأدب وهي:

لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمومِ سَعَه وَالمُسيُ وَالصُبحُ لا فَلاحَ مَعَه

فَصِلْ حِبَالَ البَعِيد إِنْ وَصَلَ الـ حَبْلَ واقْصِ القَرِيبَ إِنْ قَطَعَه

وخُذْ مِنَ الدَّهْرِ مَا أَتَاكَ بِهِ مَنْ قَرَّ عَيْناً بِعَيْشِهِ؛ نَفَعَه

لَا تَحقِرَنَّ الفَقِيرَ.. عَلَّكَ أَنْ تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَه

قَد يَجمَعُ المالَ غَيرُ آكِلِهِ وَيَأكُلُ المالَ غَيرُ مَن جَمَعَه

قد يَرقعُ الثَوبَ غَيرُ لا بِسِهِ وَيَلبسُ الثَوبَ غَيرُ مَن رقعَه

يقول الطناحي – رحمه الله- معلقا على هذه الأبيات:" فهذا شعر شجي النغم، عميق الحكمة، يتولج في القلب تولجا، وينصب في السمع انصبابا. وليس فيه من اللفظ الغريب علينا، إلا قوله « لا فلاح»، وهي هنا بمعنى البقاء.. يقول: والمساء والصباح رائحان وغاديان، لا يبقيان على حال"(32).

والمعنى الذي أرده المؤلف - والله أعلم- هو تأكيد قُربِ لغة هذا الشعر المستشهد به - والذي يعود إلى العصر الجاهلي – من لغتنا المعاصرة في حروفها وأفعالها وأسمائها وجموعها ومصادرها.

خلافا لما يذهب إليه بعض المستشرقين حيث قَسَّمُوا العربية إلى لغة تراثية ولغة معاصرة، يقول:" إن هذا الصدع في جدار اللغة العربية، وتقسيمها إلى لغة تراثية ولغة معاصرة، إنما شقه بعض المستشرقين الذين اشتغلوا بتراثنا منذ القرن السابع عشر، أو قبله بقليل.. فهم يميزون دائما بين مستويين للفصحى، يسمون الأول « العربية القديمة»، ويسمون الثاني « العربية المعاصرة». ثم يتحدثون عن مستوى ثالث هو « العربية المنطوقة»، ويعنون بها « العامية»"(33).

ومن الظواهر التي عالجها الطناحي في بحثه هذا ظاهرتا الانحرافات الصوتية والانحرافات النحوية، وكذا ما يتصل بتأصيل بعض المفردات والتراكيب؛ فالانحرافات الصوتية هي أبرز ما ترمى به لغتنا، وأكثر ما ترى هذه الظاهرة في اللغة المنطوقة، وقد أتى الطناحي على شواهد كثيرة من ذلك.

وفي حديثه عن الانحرافات النحوية عرض الطناحي أيضا أمثلة يسيرة مما تتجاوز فيه لغتنا المعاصرة القاعدة النحوية النموذجية، مع التماس وجه صوابها من لهجات القبائل أي لغاتها، أو استعمالات العلماء الفصحاء، وهي نماذج مما يشيع في لغتنا المعاصرة، ويظنه الناس مخالفا لكلام العرب واستعمالاتها، وإنما هو ماض في طريق العربية، آخذ في بعض وجوهها، يقول:" وأنبه إلى أن المقصود من طلب وجه الصواب لهذه الاستعمالات هو تأكيد عربيتها، وأنها ليست وليدة « التطور» النحوي أو اللغوي، و « التأثر بإيقاع الحياة السريع»، و « التأثر بالاتصال الأوروبي». وليس المراد تسويغ الانحراف، أو تجاوز القاعدة الأساسية العامة"(34).

أما ما يتعلق بتأصيل بعض المفردات والتراكيب فقد استشهد على ذلك بأمثلة تشيع في لغتنا المعاصرة من مفردات وتراكيب يستوحش منها المتشددون، لأنهم لا يرونها في النصوص القديمة، أو لم تسجلها المعاجم اللغوية أو سجلتها ولم يلتفت إليها، فظُنَّت من العامية. لكن الطناحي – رحمه الله- عَمِلَ على ردها إلى أصولها الفصيحة، كما عمل على رد الفكرة القائلة بأن اللغة العربية المعاصرة في مصر بوجه الخصوص مليئة بمفردات وتراكيب من اللغة القبطية القديمة، مستشهدا بمجموعة من الأحاديث الصحيحة والأشعار القديمة.

وإذا كان الطناحي – رحمه الله- قد أقام بحثه على تأكيد الثقة باللغة المعاصرة وأنها لم تبتعد عن العربية الأصيلة فإن هناك أمرين أساسيين وقف عندهما ونبه عليهما:

الأمر الأول: أن مما يعيب لغتنا المعاصرة المكتوبة الآن هو تجافيها عن حسن البيان وجمال العبارة.

الأمر الثاني: أنه في مجال لغتنا المعاصرة المنطوقة ينبغي ونحن نسَوِّغها ونردها إلى أصولها العربية الصحيحة، أن ننتبه إلى مستويين من تلك اللغة المعاصرة المنطوقة: أولهما هو ما يحافظ على معجم اللغة الفصحى مع تجاوزات صوتية أو نحوية، وثانيهما هو لغة العامة التي يمارسها الحرفيون والصناع والباعة، ويلجأ إليها المثقفون أحيانا حين يتعاملون مع هذه الفئات.

أهم القضايا النقدية في هذا الكتاب:

عندما يتحدث الطناحي في هذا الكتاب فإنه يتحدث من موقع الأستاذ والمدرس الذي احتكَّ بالتلاميذ والطلاب وخَبَرَ أساليبهم في الكتابة وكذا طريقة تفكيرهم، وموضع الضعف والخلل في كل ذلك، لا من موقع الكاتب فقط، لذا فإن هذه المقالات والأبحاث تدل على حس نقدي كبير وغيرة على ثوابت الهوية العربية أكبر، ومن أبرز القضايا النقدية التي يمكن تسجيلها ما يلي:

- إن ضعف هذا الجيل في النحو والعربية له آثاره في تلاوة القرآن الكريم، وهنا يكمن الخطر العظيم أو المصيبة كما يسميها الطناحي.

- العودة إلى ما يسميه الطناحي « جيل المتون والحفظة»، ويقصد به مدرسة النصوص والكتاب القديم.

- أهمية الحفظ وأثره في ضبط قوانين العربية وتثبيت القواعد.

- العودة إلى تدريس النحو من خلال الكتاب القديم.

- من أسباب ضعف الناشئة في العربية اطراح الحفظ وهجر النصوص القديمة وإهمال التطبيق.

- للنحو سلطان على اللغة والفكر والفن، وهو ملاك العربية وقوامها.

- للإعراب أثر في توجيه المعنى وفي تحديد الدلالة وفي الفصل بين المعاني، ومن هنا تكمن أهميته.

- ضعف الطلاب في النحو والعربية لا يمكن رده إلى ضعف الطالب وحده، لكن يمكن رده أيضا إلى المعلم [ يقصد الطناحي - كما ذكر- المعلم الضعيف الذي لا يقف ضعفه عند حدود تقصيره في عرض المادة وتثبيتها في أذهان التلاميذ، بل يتعدى ذلك كله إلى إعطاء المعلومات الخاطئة، والتوجيه المضلل! وهذه هي المصيبة الكبرى] (35) والتي تهون عندها كل مصيبة.


رد مع اقتباس