عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,075
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 07-23-2017 - 08:53 PM ]




• الحذف في باب التحذير والإغراء، وهذا باب الحذف مذكور فيه أيضًا، والدليل على ذلك أنَّ النحاة عند تعرُّضهم لهذا المبحث، يعرِّفون أسلوب التحذير بأنه: "اسم منصوب معمول للفعل "أُحَذِّرُ" المحذوف ونحوه، ومنه قول الشاعر:
بَيْنِي وَبَيْنَكَ حُرْمَةٌ
اللَّهَ فِي تَضْيِيعِهَا


بنصب لفظ الجلالة "اللَّهَ" بعامل محذوف تقديره: احْذَر الله، أو اخْشَه، أو اتَّقِه، أو نحو ذلك.



ولأسلوب الإغراء صُوَر مختلفة، منها: صورة الأمر، كالذي في قول الشاعر:
وَاحْذَرْ مُصَاحَبَةَ الدَّنِيِّ فَِإِنَّهَا
تُعْدِي كَمَا يُعْدِي الصَّحِيحَ الأَجْرَبُ


ومنها صورة النهي، كقول الأعرابي في لُغته وقد فتنته:
لاَ تَلُمْنِي فِي هَوَاهَا
لَيْسَ يُرضِينِي سِوَاهَا


ومنها الصورة المبدوءة بالضمير "إيَّاك" وفروعه الخاصة بالخطاب، غير أنَّ الكثير من الصور السالفة لا يَخضع لأحكام هذا الباب، ولا تَنطبق عليه ضوابطه النحويَّة وقواعده؛ لأنَّ هذه الضوابط والقواعد والأحكام، لا تَنطبق إلاَّ على أنواع اصطلاحيَّة معيَّنة، وهي المقصودة من هذا الباب بكلِّ ما يَحويه؛ لأنها تشتمل على اسم منصوب يُعرَب مفعولاً به لفعلٍ محذوف، منها:

• نوع يقتصر فيه على ذِكْر المحذَّر منه فقط، كأن تقول محذِّرًا الطفل من النار: "النارَ"، وهذا التعبير حُذِف فيه شيْئان: الفعل الناصب للمفعول النار، والذي حُذِف جوازًا تقديره: "احْذَر"، أو شيء نحو هذا، مثل: "اجْتَنِب" حسب السياق، والثاني: الفاعل المحذوف الذي تقديره "أنت"[9].


• ونوع يشتمل ذِكْر المحذَّر منه اسمًا ظاهرًا؛ إمَّا مُكررًا، أو معطوفًا، فالأوَّل مثل: "الخيانةَ الخيانةَ"، والثاني مثل: "الظلمَ والبَغيَ"، وحكم هذا النوع نصب الاسم في الصورتين كليهما بعاملٍ محذوف مع مرفوعه؛ أي: فاعله.



قسم ثالث يشتمل على ذِكْر اسم ظاهر مختوم بكاف الخطاب، نحو: "يَدكَ يدكَ"، وهناك أقسام أخرى لا يتَّسع المجال لذِكرها، والشاهد عندنا أنَّ هذا الأسلوب مما تواتَر القول فيه بالحذف عند النحاة، وكل ما قيل من أحكام نحويَّة عن التحذير ينطبق على أسلوب الإغراء، إلاَّ أنَّ هذا الأخير في مقابل الآخر من حيث معناه؛ لأنه يدلُّ على تنبيه المخاطب على أمرٍ محبوب، ويُنصب بعاملٍ محذوف تقديره: "الْزَم"، أو نحو ذلك.



• الحذف في باب الاختصاص، ويكون الاختصاص بإيراد جملة اعتراضيَّة لا محلَّ لها من الإعراب، وهي على ثلاثة صُوَر في الأشهر، يكون فيها الفعل محذوفًا حذفًا واجبًا، فيَنصب ما بعده، أو يُبنى على الضمِّ في محل نصب، فأمَّا القسم الذي يُبنى على الضم، فهو في نحو: "أنا أدافع - أيها الجندي - عن وطني، وبُني لشَبهه بالمنادى لفظًا، وموضعه النصب بفعلٍ واجب الحذف، فإذا قلت: أنا أفعل كذا أيها الرجل، فتقدير عامله: أَخُصُّ بذلك أيها الرجل، والمراد بأيها المتكلم نفسه، وأمَّا القسم المعرب نصبًا، وهو المضاف وذُو الألف واللام - المعرف بـ"أل"، نحو: "نحن - العرب - أقْرَى الناس للضيف"، فنحن مبتدأ وخبره أقرى الناس، والعرب منصوب بفعلٍ واجب الحذف تقديره: "أخُصُّ"، وكذلك المضاف، نحو: قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((نحن - معاشرَ الأنبياء - لا نُورَث))، "فنحن" مبتدأ وخبره "لا نورث"، و"معاشر الأنبياء" مفعول بفعلٍ واجب الحذف[10]، ومثل ذلك أيضًا ما أنشدتْه هند بنت أبي عتبة متمثِّلة به يوم أُحُد[11]:
نَحْنُ - بَنَاتِ طَارِقْ
نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ[12]


فقولها: "بنات" مفعول به لفعلٍ محذوف تقديره: "أخصُّ"، وعلامة النصب هنا في "بنات" الكسرة النائبة عن الفتحة؛ لأنها جمْع مؤنث سالِم.



وبالإضافة إلى هذه المواضع التي ذُكِرَت، فهناك مواضع أخرى يذكرها النحاة، خصوصًا في الأبواب التي تتعلَّق بالترخيم - وإن كان لا يترتب عليه أيُّ أثرٍ نحوي، وكذا باب الإضمار، فالإضمار: مصدر من ضَمُرَ يَضْمُرُ إِضْمَارًا، والإضمار لغة: هو الإخفاء والتغييب؛ قال صاحب اللسان: "أَضْمَرْتُ الشيء: أَخْفَيته، وأَضْمَرَتْه الأَرضُ: غَيَّبَتْه؛ إمَّا بموت، وإمَّا بسَفَرٍ؛ قال الأَعشى:
أُرَانَا إِذَا أَضْمَرَتْكَ الْبِلاَ
دُ نُجْفَى وَتُقْطَعُ مِنَّا الرَّحِمْ


أراد: إذا غيَّبتْكَ البلادُ.



والإضمار، وقد يُحيل الإضمار كذلك على الضآلة والخَفاء والاستتار، يُقال: أضمرت السرَّ، إذا أخفيْته وكتَمته.



إذًا الإضمار هو الإخفاء والتغييب، فأضمَر الشيء بمعنى أخفاه وغيَّبه، وهذا يعني وجود هذا الشيء أصلاً، وإنما غُيِّب لغاية وأُخفِي لنكتة ما، وهذا كثير عند النحاة في أبواب النحو:

أمَّا الضمير اصطلاحًا، فهو يفيد ما يفيده المعنى اللغوي؛ وذلك لأنَّ الضمير من قولهم: "أضمَرت الشيء إذا سترته وأخفَيْته"، ومنه قولهم: "أضمَرت الشيء في نفسي، أو من الضمور وهو الهُزال؛ لأنه في الغالب قليل الحروف، ثم إنَّ تلك الحروف الموضوعة له غالبًا مهموسة - وهي التاء والكاف والهاء - والهمْس هو الصوت الخفيّ"[13].



وهو الاسم المتضمن للإشارة إلى المتكلم أو المخاطب أو الغائب، بعد سبْق ذِكره لفظًا أو تحقيقًا أو تقديرًا، أو معنًى أو حكمًا، وقد فرَّق الزركشي بين الحذف والإضمار، واشترَط في المضمَر بقاء الأثَر المقدَّر في اللفظ، في حين لا يُشترط ذلك في المحذوف، وذكَر أنه "لا بدَّ أن يكون فيما أُبْقِي دليلٌ على ما أُلْقِي"[14]، وعليه فإنَّ الإضمار إسقاطٌ لعنصر ما مع الاحتفاظ به في الذهن.



أمَّا الضمير عند النحويين، فهو أحد المعارف السبعة، وهو اسم جامد يدلُّ على متكلم: "أنا، ياء المتكلم"، أو مخاطب: "أنت، أنتم"، أو غائب: "هو، هما"، وهو يُذكَر في باب الأفعال، وقد قسَّم النحاة الضمير بناءً على عدة اعتبارات، والمهم عندنا في هذا البحث هو ما يتعلَّق بالضمير، من حيث ظهوره في الكلام وعدمه؛ إذ إنه بناءً على هذا الاعتبار ينقسم إلى بارز ومُستتر، فأمَّا البارز فهو ماله صورة في اللفظ: كتابة ونُطقًا، والمُستتر هو ما يكون خفيًّا في النُّطق والكتابة[15]، مثل قولنا: "ساعِد غيرك"، فالفاعل هنا ضمير مستتر تقديره: "أنت"، وإنما سُمِّي ضميرًا؛ لأنه يُضمَر، ويُخفى ولا يُذْكر.



• الاستتار: جاء في اللسان "سَتَر" ما يلي: ستَر: سَتَر الشيء، يَسْتُرُه ويَسْتِرُه سَتْرًا وسَتَرًا: أخفاه؛ أنشَد ابن الأعرابي: ويَسْتُرُون الناسَ مِن غير سَتَر، والسَّتَر بالفتح: مصدر سَتَرْت الشيء أَسْتُرُه، إذا غَطَّيْته فاسْتَتَر هو، وتَسَتَّرَ؛ أَي: تَغَطَّى، وفي الحديث: ((إنَّ الله حَيِيٌّ سِتِّير، يحب السَّتر)).



سِتِّيرٌ: فَعِّيلٌ بمعنى فاعل؛ أَي: من شأْنه وإرادته حبُّ الستر والصَّوْن.



أما من الناحية الاصطلاحيَّة عند النحويين، فهو مصطلح يُطلق على ضمائر الرفع، والاستتار لا يتعلَّق به كثيرٌ من النِّقاش المحتدَم، خاصة في الحذف والاستتار.



ووَفْق ما تقدَّم نجد أنَّ الإضمار والاستتار يشتركان في المعنى اللغوي، بيد أنَّ الاستتار جزءٌ من الإضمار، والإضمار جزءٌ من الحذف، أمَّا العلاقة بين الاستتار والحذف، فتكمُن في أنَّ "الاستتار يكون في ضمائر الرفع، ويكون الحذف في أيِّ جزءٍ من أجزاء الجملة"، مع أنَّ في الحذف والاستتار إكمالَ النص ذهنيًّا، وهذا دليلٌ على أنَّ عنصرًا ما ليس موجودًا، مع احتياج الجملة إليه؛ سواء أكانت اسميَّة أم فعليَّة؛ لأنها قائمة على الفائدة، وما دام الموقف اللغوي يتطلَّب الإفادة عن طريق تقدير المحذوف، فلا بدَّ من تقديره لاكتمال المعنى، وقد سُمِّي عدم وجود الضمير استتارًا ولَم يُسَمَّ حذفًا؛ "لأنَّ الاستتار على تقدير الوجود، والحذف على تقدير عدمه"، فهم يقولون بوجودها مُختفية؛ لتكون المطابقة والرَّبط بها مكفولين؛ إذ لا بدَّ من ضمان توفير القرائن التي تدلُّ على المعنى، ولو قالوا بحذْفها، لكانت هي نفسها في حال الحذف بحاجة إلى قرينة تدلُّ عليها؛ إذ لا حذْفَ دون قرينة، ومن أجْل ذلك فالحذف يحتاج إلى قرينة تدلُّ على المحذوف[16].



المطلب الثاني: أقوال النحاة في وقوع حذف الفاعل:
لقد اختَلف النحاة قديمًا حول مسألة حذف الفاعل، فأجازه قومٌ مطلقًا، ومنَعه قومٌ وشدَّدوا في ذلك، وتوسَّط قومٌ آخرون وأجازُوه بشروط، كأن تدلُّ عليه قرينة معيَّنة، ومنَعوه إذا انتَفى وجود ذلك، وهذا تلخيص مُوجَز لِمَا قالوه وذهبوا إليه:


• القسم الأول: وهم الذين يمنعون حذف الفاعل، ولا يُجيزون ذلك إلاَّ في مواضع سنذكرها؛ وذلك لأنهم يرون أنَّ الفاعل من العُمَد التي لا يستقيم الكلام دونها، كما أنَّهم قد أجازوا التقدير في المصدر المؤول وجعلوه فاعلاً، والذي دعاهم إلى ذلك قولُهم بمَسِيس حاجة الفعل للفاعل؛ كما قال صاحب النحو الوافي: "وقد دعاهم إلى تقدير "أن" - يقصد المصدر المؤول - حاجة الفعل الذي قبلها إلى فاعل"[17]، وقال أيضًا: بعد أن تحدَّث عن امتناع حذفه: "لأنه - أي الفاعل - جزءٌ أساسي في جملته، لا تَستغني الجملة عنه لتكملة معناها الأصيل مع عامله؛ لذا لا يصحُّ حذفه"[18].





• القسم الثاني: وهم قوم أجازوا حذفَه مطلقًا إذا وُجِد ما يدلُّ عليه، وممن قال بذلك "الكسائي ومَن نحا نحوه"[19]؛ كقوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾ [القيامة: 26]؛ أي: بلَغت الرُّوح، وقوله: ﴿ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴾[ص: 32]؛ أي: الشمس، وقوله: ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ ﴾ [الصافات: 177]، يعني العذاب؛ لقوله قبل هذه الآية: ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [الصافات: 176].



وقد ردَّ أصحاب القول الأول على أصحاب هذا القول، وقالوا بأنَّ هذا الحذف ظاهري فقط.



• القسم الثالث: وهؤلاء يُمكن أن نَسِمَهم بالوسطيين؛ كما أشار إلى ذلك خالد بن عبدالكريم بسندي[20]؛ لأنهم لَم يمنعوا حذف الفاعل الْبَتة، ولَم يُجيزوه إلاَّ مع قرينة، وقالوا بأن المنع من حذفه، إنما يكون بغير دَلالة تدلُّ عليه، وهذه الدَّلالة؛ إمَّا حاليَّة، أو مقاليَّة، فإذا وُجِدت إحداهما، فلا يمتنع جوازُه، ويدلُّ على حذفه قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾ [القيامة: 26]، فحُذِف فاعل "بلَغَت" والغرض النَّفْس، وليس مضمرًا؛ لأنه لَم يتقدَّم له ظاهر يفسِّره، وإنما دلَّت القرينة الحاليَّة عليه؛ لأنه في ذِكر الموت، ولا يَبلغ التراقي عند الموت إلاَّ النفس".



والذي يُمكن أن نَستخلصه أنَّ الفاعل عُمدة من عُمَد الكلام؛ إذ إن كلَّ فعلٍ يحتاج إلى فاعل، ولكنَّه قد يُحذف جوازًا أو وجوبًا في مواطنَ لداعٍ يقتضي ذلك، وهذه المواطن هي:

• أن يكون عامله مبنيًّا للمجهول، نحو: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183]، وأصل الكلام كَتَبَ الله عليكم، ثم بُنِي الفعل للمجهول وجوبًا، وحلَّ محلَّه نائبُه، وهذا المثال يدخل في باب ما لَم يُسَمَّ فاعله؛ كما يُسميه بعض القُدماء، أو نائب الفاعل؛ كما يُسميه آخرون.



• أن يكون الفاعل واو جماعة، أو ياءَ مخاطبة، وفِعْله مؤكَّد بنون التوكيد، نحو: "أيها الأبطال، لتَهْزِمُنَّ أعداءَكم"، في واو الجماعة.
ونحو: " لتُطِيعِنَّ ربَّكِ أو لتَنْدمِنَّ" في ياء المخاطبة.

فالفاعل في الحالتين كلتيهما محذوفٌ؛ لأن الفاعل جاء هنا واوَ جماعةٍ، وياء مخاطبة، فنقول مثلاً في إعراب "لتَهْزِمُنَّ": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال: "نون الرفع، ونون التوكيد الثقيلة المكوَّنة من نونين"، والواو المحذوفة - لالْتِقاء الساكنين - فاعل مبني على السكون في محل رفع، والنون حرف توكيد مبني على الحذف لا محلَّ له من الإعراب[21]، والشيء نفسه بالنسبة لـ"لتُطِيعِنَّ"، فأصلُه "تُطِيعِن - نَّ"، اجْتَمَعت ثلاث نونات، فحُذِفت نون الفعل، فصارَت: "تُطِيعِنَّ"، فالْتَقى ساكنان: ياء المخاطبة، والنون الأولى من التوكيد، فحُذِفت الياء؛ لدَلالة الكسرة السابقة عليها، وهناك من أضاف حالة أخرى، وهي:

• أن يكون عامله مصدرًا، نحو: "إكرامٌ الوالدَ مطلوبٌ"، والحذف هنا جائز، مع أنَّ النُّحاة اختَلفوا في المصدر: أهو جامد، "فحين ذاك لا يتحمَّل ضميرًا مستترًا فاعلاً، إلاَّ إذا كان نائبًا عن فاعله المحذوف"؟ أم غير جامد؟ وحين ذاك فهو مؤوَّل بمُشتق مُحتمل للضمير.

• أن يحذف لداعٍ بلاغي، شرْط وجود دليلٍ يدلُّ عليه.

وأضاف الكسائي موضعًا رابعًا، وهو أنَّ الفاعل يُحذف من الفعل الأول في باب التنازع، واختار الفرَّاء مَذهبه، وأضاف موضعًا خامسًا، وهو الفعل "حاشا" الذي لا فاعلَ له، وهناك مواضع أخرى في الاستثناء المفرَّغ، نحو: ما قام إلاَّ هند، وفي أفْعِل بكَسْر العين في التعجُّب إذا دلَّ عليه متقدِّم، نحو: قوله تعالى ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ [مريم: 38]، وفي نحو: ما قام وقعَد إلاَّ زيد؛ لأنه من الحذف لا من التنازع، فالإضمار في أحدهما يُفسد المعنى؛ لاقتضائه نفْيَ الفعل، وإنما هو منفي عن غيره، مُثبت له.

فهذه الحالات هي التي يجوز فيها حذْفُ الفاعل؛ أي: إنَّ الأصل فيه الذِّكر أو الاستتار جوازًا، أو وجوبًا، ولكن قد يُحذف إذا طرَأ عليه طارئ، وهذا الطارئ هو الحالات التي ذُكِرت، وما عدا ذلك، فإنه يُمتنع حذف الفاعل حسب قول المانعين.

المبحث الثالث: الحذف عند أهل البلاغة:
إنَّ الحذف من الأبواب اللطيفة والبديعة عند أهل اللغة العربية؛ حيث اعتبروه من المسائل التي تُكسب الكلام جمالاً وروعة، وتَمنحه جودة وبلاغة، بل إنه من الأساليب التي لا يُحسنها إلا المتمكِّنون في اللغة والبارعون في أساليبها، حتى إنَّ إمام البلاغة عبدالقاهر الجرجاني قال عن هذا الباب: "هو باب دقيق المَسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسِّحر؛ فإنك ترى به ترْكَ الذِّكر أفصحَ من الذِّكر، والصَّمْت عن الإفادة أزيدَ للإفادة، وتَجدك أنطْقَ ما تكون بيانًا إذا لَم تُبِن"[22].


ويَقصد الجرجاني بهذا القول أنَّ باب الحذف بابٌ دقيق لطيفٌ، يُكسب الكلام قوَّةً ومَتانة، يكون أشبه ما يكون بالسِّحر الذي يُبهر النفوس، ويذهب بالفكر مذاهبَ عجيبة لطيفة، والسر في ذلك - كما أشار الإمام - أنَّ ترْك الإفصاح أبلغُ من الإفصاح نفسه، وأنَّ التلميح أبلغُ من التصريح، بل إنَّك تجد في بعض الأحايين السكوت أبلغَ جوابًا، وأحسن بيانًا، ثم سرَد الجرجاني مجموعة من الأمثلة الدالة على ما ذكَره، وأضاف قائلاً ومُعلِّقًا: "فتأمَّل الآن هذه الأبيات كلها، واسْتَقْرِها واحدًا واحدًا، وانظر إلى موقعها من نفسك، وإلى ما تجده من اللطف والظرف، إذا أنت مَرَرتَ بموضع الحذف منها، ثم قَلبت النفس عما تجد، وألطَفْتَ النظر فيما تحسُّ به، فإنَّك تعلم أنَّ الذي قلت كما قلت، وأنَّ رُبَّ حذفٍ هو قِلادة الجِيد، وقاعدة التجويد"[23].


كما أنَّ الحذف من الأساليب التي اتَّخذتها العرب في كلامها؛ لتزيينه وتنميقه، وجَعْله أبلغَ تأثيرًا، وأكثر تعبيرًا، وهذا صاحب "فقه اللغة وسر العربية" قد خصَّص فصلاً لذلك، وَسَمَه بما يأتي: "فصل مُجمل في الحذف والاختصار"، وأشار أنه من سنن العرب المتبعة، والسنة - كما هو معلوم - الطريقة والمنهج المتَّبع والمُحْتذى - وقد سرَد في هذا الباب بعضَ المواضع التي حَذَفت فيها العرب حذفًا حسنًا وبديعًا.

والحذف عند أهل البلاغة قسمان:
• قسم يَظهر فيه المحذوف عند الإعراب، كقولهم: "أهلاً وسهلاً"، فإن نَصْبَها يدلُّ على ناصب محذوف يُقدَّر بنحو: "جِئت أهلاً، ونزَلْت مكانًا سهلاً"، وليس هذا القسم من البلاغة في شيء"[25]، يعني أنَّ هذا القسم إنما يُعنى به علماء اللغة الذين يَدرسون العلاقات التركيبيَّة بين الكلمات، ويُقَدِّرون المحذوفات حسب ما يقتضيه الإعراب، ويُحتِّمه موقع الكلمة من الإعراب.

• وقسم آخر لا يَظهر فيه المحذوف بالإعراب، وإنما تَعلم مكانه إذا أنت تصفَّحت المعنى وجَدته لا يتمُّ إلاَّ بِمُراعاته، نحو: "يعطي ويمنع"؛ أي: يعطي ما يشاء، ويَمنع ما يشاء، ولكن لا سبيلَ إلى إظهار ذلك المحذوف، ولو أنت أظهرته، لزَالت البهجة، وضاع ذلك الرَّونق"[26]، وهذا هو القسم الذي تناقشه البلاغة، ويَظهر فيه دقائق البيان، ومكنون التعبير، وروائع الأسلوب.

وما ذكرناه آنفًا لا يَعني عدم وجود شيءٍ يدل على وجود الشيء المحذوف، وإلاَّ كان ذلك تعمية وتضليلاً - كما ذكَر د. يوسف الصميلي في تعليقه على كلام الجرجاني، بعد أن نقَله من الدلائل - حيث قال: "مع ذلك فإنَّ الأصل في جميع المحذوفات - حتى وإن تعلَّق الأمر بالبلاغة على مختلف ضروبها - أن يكون في الكلام ما يدلُّ عليها، وإلاَّ كان الحذف تعمية وإلغازًا، لا يُصار إليه بحال، ومِن شرْط حُسن الحذف أنه متى ظهَر المحذوف، زال ما كان في الكلام من البهجة والطلاوة، وصار إلى شيءٍ غَثٍّ لا تَناسُبَ بينه وبين ما كان عليه أولاً"[27].




رد مع اقتباس