عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي رثاء الشباب في الشعر

كُتب : [ 07-18-2017 - 11:12 AM ]


رثاء الشباب في الشعر

بكاء الشباب، وتمني عودته، وذكرى التصابي



محمد حمادة إمام



بكى شعراء الأندلس الشباب، بعد أن حرمهم المشيب من متع الحياة، ومبهاجها، وقطع عنهم لذات الصبا وأطايبه، وحبسهم وحبس عنهم المحبب إليهم، فندبوا حينئذ أيامه الخوالي. وأخذوا في آهاتهم وتأوهاتهم، حتى ثابوا إلى رشدهم، وأيقنوا أن موت الشباب، هو المصير المحتوم للبشر أجمعين.

جاءت صور رثاء الشباب متقاربة في الصور الكلية، متفاوته فيما تحوي من صور جزئية، وأساليب، أو طرائق التعبير عنها، كل حسب ثقافته، ومدى نهله من حسناته وسيئاته.


يقول أبو عمرو بن العلاء: ما بكت العرب شيئًا ما بكت الشباب، وما بلغت ما يستحقه وقال الأصمعي: أحسن أنماط الشعر المراثي، والبكاء على الشباب. وقال عبد الله بن عباس: " الدنيا العافية والشباب الصحة.. "[1]

يرى البشر أن الشباب عنوان الصحة، ودليل الفتوة، والقوة النفسية والعقلية والبدنية. فإذا ما بان - بلا رجعة - كانت صور رثائه تفطر لوعة، وتفيض حسرة وأسى.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط. قال الشاعر: [2] [من الكامل]
شَيْئان لو بَكَتْ الدماءَ عليهما
عَيْنَاكَ حَتّى يُؤْذنَا بذَهابِ
لم يَبْلُغَا المِعْشارَ من حَقَّيْهما
فَقْدُ الشَّبابِ وفُرْقَةُ الأَحْبابِ



وهذا ابن عبد ربه - وكان خدن الصبا وإلفه - يبكي شبابا، ودعه وداعا بقيت منه بعض توابعه وآثاره مصورا أيام لهوه وتصابيه، فيقول: [3] [من المنسرح]
كُنْتُ أليفَ الصِّبا فَوَدّعَني
وَدَاعَ مَنْ بَانَ غَيْرَ مُنْصرِفِ
أيّام لَهْوي كظلِّ إِسْحلةٍ
وذا شبابي كرَوْضةٍ أُنُفِ [4]

شبه ابن عبد ربه، أيام لهوه بظل شجر يستاك به، أو يتخذ منه الرحل، في سرعة التبدد والانقشاع، وعدم الدوام، وشبابه بالروضة التي لم ترع، وفي هذا، يكشف عن أنه لم يستمتع بشبابه، كما كان يشتهي، وهو من رائع الخيال.


وها هو - أيضًا - في موطن آخر، يشبه العيش في الشباب بظل الغمام واللهو فيه بطيف المنام، فيقول: [5] [من الكامل]
قالوا شبابك قد مضت أيامه
بالعيش قُلْتُ: وَقَدْ مَضَتْ أيّامي
لله! أيّةُ نِعْمةٍ كَان الصِّبا
لو أَنّها وُصِلَتْ بِطُولِ دَوَامِ
حَسَرَ المَشِيُب قناعه عن رأسه
وصَحَا العَوَاذلُ بَعْدَ طُولِ مَلاَمِ
فكأنّ ذاكَ العيشَ ظِلُّ غَمَامةٍ
وكأنَّ ذَاكَ اللهوَ طَيْفُ مَنَامِ

يوحي هذا التصوير بحبه للشباب، ويوضح تحسره على فراقه، وضيقه بالمشيب، الذي أيقظ العواذل، وفيه - كذلك - بيان بقصر أيام المتعة والسرور متمنيا دوامها، متعجبا من سرعة زوالها.


ومعاني هذه الأبيات، تضاهي معاني بيتين، لأحد الأعراب، يندب فيهما أيام الشباب، متعجبا من قصرها. فيقول: [6] [من الكامل]
لله أيّامُ الشباب وعَصْرُه
لَوْ يُسْتَعارُ جديده فَيُعارُ
ما كانَ أَقْصَرَ لَيْلَهُ ونَهَارَه
وكذاكَ أيّامُ السُّرورِ قِصَارُ



وقفه مع ابن عبد ربه في رثاء شبابه:

مما يسترعي الانتباه، استكثار ابن عبد ربه من ندب الشباب، وتمني عودته، ولعل من أهم البواعث له على ذلك: [7]

أولا: ما كان له من لهو أيام شبابه.

ثانيا: امتداد العمر به، وتقدمه في السن.

ثالثا: زهده في خواتيم عمره. وطلبه التنفيس عن نفسه.

إذا دققنا النظر في شعر ابن عبد ربه في الشباب، ليتبين لنا مدى انغماسه في تلبية رغبات النفس، فلم يفطمها عن هواها ومناها، بل ناجاها بتحقيق مشتهاها، واستمر على هذا أمدا، حتى داهمه المشيب بأحداث ونوازل ليس لها طبيب، فكانت الآهات والحسرات والأمنيات، فيقول: [8][ من الكامل]
أَوْحَتْ إِليك جُفُونُها بِوَدَاعِ
خُودٌ بَدَتْ لك مِنْ وَرَاءِ قِناعِ [9]
بَيْضَاءُ ما بِاهى النَّعِيمَ بِصُفْرةٍ
فكأنَّها شَمْسٌ بغير شُعَاعِ
أمُّا الشّبابُ فَوْدِّعَتْ أيّامُه
ووداعُهُنَ مُوّكَّلٌ بِوَداعي
لله أيّامُ الصِّبا لو أنّها
كَرَّتْ عَلَيّ بلذةٍ وسَمَاعِ

تمنى الشاعر عودة أيامه الخوالي، والمن عليه ولو بلذة وسماع فقد تناول الشاعر أهم قضيتين، أرقتاه في مضجعه، كل منهما مرتبطة بالأخرى. قضية وداع الغواني، وقضية وداع الشباب ونزول المشيب.

مصورا خلال عرضهما من ضاهت الشمس في حسنها، وكيف كان جزعه إثر انصرام الشباب، وهذا دليل على انقطاع أمله في البقاء، وهو باب من أبواب تمني عودة هاتيك اللذات والشهوات.


وله في التقاط صورة لعراك الشباب مع الليالي والمشيب، ومآل المرء إليه قوله: [10] [من الوافر]
شَبَابُ المَرْء تُنْفِدُه الليالي
وإنْ كَانَتْ تَصيرُ إِلَى نَفَادِ
فَأَسْودُهُ يَصِيُر إِلى بَيَاضِ
وأبيضُه يَعُودُ إِلَى سَوَادِ

ولعل مراده في البيت الثاني، أن سواد الشعر يتحول على يد المشيب إلى بياض، فيتبدد فرحه وانبساطه، مستبدلا بهما الترح والضيق.

أما عن الباعث الثاني، في كثرة ندب الشباب، وهو امتداد العمر به، فهذا دليل تعرضه لأحداث جسام، على يد المشيب، أو الليالي والأيام، عندئذ " جاء شعره حافلا بالمعاني الإنسانية، تلك المعاني، التي اختار لها أجمل الصور الفنية الحسية. وقد جارى الرجل سابقيه، واختط لنفسه طريقا، يضارعهم فيه، إن لم يكن فاتهم، وهذا مازاد من قوة شاعريته، ونضجه الفني، لذلك تميز شعره بأصالة الموهبة وفطرية الإلهام الفني، الذي كان أضخم دعامة لخلوده." [11]


ويقول - ابن عبد ربه - لائما وعاتبا على من قتله بهجره، بعد أن ولى الشباب، واصفا جماله ودلاله، متلهفا على الشباب، وأيامه العذاب: [12] [من مخلع البسيط]
قَتَلْتَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفَسٍ
فَكَيْفَ تَنْجو من العَذَابِ
خُلقْتَ مِنْ بَهْجَةٍ وطيبِ
إذ خُلِقَ النَّاسُ مِنْ تُرابِ
وَلَّتْ حُمَيّا الشَّباب عَنّي
فَلَهْفَ نَفْسي عَلَى الشَّبابِ
أَصْبَحْتُ والشَّيْبُ قَدْ عَلاَني
يَدْعُو حثيثًا إِلى الخِضَابِ

الاتهام في القتل، موجه إلى محبوبه، وقتله له صدوده عنه، أو موجه إلى المشيب، لتنفيره الغواني منه.

والبيت الأول، من معنى قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32] [13]

أما عن الباعث الثالث، وهو رغبته في التنفيس عن هموم قلبه وروحه، والتخفيف من حدتها، بتصوير ما أصابه بين أمسه ويومه. ومن الممكن أن يكون تصويره هذا؛ اعترافًا منه بما وقع فيه من تفريط وتقصير، فحاول أن يضمد جراح ضميره، وشرخ الشباب، وشدخ الفؤاد.

ولعل أهم مغزى من هذه الأشعار، هو دعوته إلى الاعتبار، وعدم التمادي فيما وقع فيه من المعاصي، أو الاقتراب منها.


يقول الحميدي: " ولأحمد بن محمد بن عبد ربه أشعار كثيرة جدا، سماها " الممحصات "، وذلك أنه نقض كل قطعة قالها في الصبا والغزل بقطعة في المواعظ والزهد، محصها بها، كالتوبة منها والندم عليها. " [14] فيقول موبخا، ومعنفا طالب المحال، غير مبال بذل السؤال: [15] [من مجزوء البسيط]
يَاَ طَالِبًا فِي الحُبِّ مَاَ لا يُنَال
وسائِلًا لم يَعَفْ ذُلَّ السُّؤالْ
وَلَّتْ ليالي الصِّبا مَحْمُودةً
لو أَنّها رَجَعَتْ تِلْكَ اللّيَالْ
وأَعْقَبَتْهَا التي أوصلتها
بالهَجْرِ لَمّا رّأّتْ شَيْبَ القَذَالْ
لا تَلْتَمِسْ وَصْلةً مِنْ مُخْلِفٍ
ولا تَكُنْ طالبا مَا لا يُنالْ
يا صَاحِ قَدْ أَخْلَفَتْ أسْماءُ ما
كَانَتْ تُمّنِّيك مِنْ حُسْنِ الوصَالْ

يتمنى ابن عبد ربه عودة ليالي الشباب، التي ولت حميدة، وينصح بعدم التماس، أوانتظار وصلة من مخلف - وأكثرهم الغواني -، وعدم طلب المحال بعيد المنال، فما أكثر حاملي شعار خلف الوعد، والغدر بالعهد، وعدم الوفاء.


ونترك الحديث عن ابن عبد ربه - مؤقتا - ذاهبين إلى بني بيئته ولسانه وجلدته من الشعراء، لنقف على جميع تصويرهم،وعذب حديثهم وعلى رأسهم ابن هانئ الأندلسي، الذي يبكي شبابه، مخاطبا محبوبته التي جارت عليه، كالزمان، حيث رمته بسهام عينيها، فأصابته في مقتل، مناشدا إياها أن تخفف من وقع السهام، وأن ترد إليه ما سلبته من ثوب الشباب. فيقول: [16] [من الكامل]
قُلْ للتي أَصْمَتْ فُؤَادي خَفِّضِي
وَقْعَ السِّهام فَقَدْ أُصِيبَ المَقْتَلُ [17]
وذَهَبْتِ عَنِّي بالشَّبيبة فارْدُدِي
ثَوْبي الذي قَدْ كُنْتُ فيه أَرْفُلُ [18]
جَارَتْ كَمَا جَارَ الزَّمَاُن ورَيْبه
وكِلاَهُمْا في صَرْفهِ لا يَعْدِلُ

أبيات يستدر بها الشاعر الشفقة والرحمة، ممن أجهز عليه، وهو غير قادر على الزود عن نفسه، فأسلحتها لا عدل لها. وفيها تحسر على نفسه، التي وهت، وذلَّت على يد أضعف خلق الله أركانا، ومن أجل هذا استمر في تصوير أيام شبيبته التي كثيرا ما عاودته ذكرياتها، حتى سالت دموع عينه، فيقول: [19]
هل آجلٌ مِمّا أُؤمِّلُ عاجل
أَرْجو زمانا والزَمانُ حُلاحِلُ [20]
وأعزُّ مَفْقُودٍ شَبَابٌ عائدٌ
مِنْ بَعْد ما ولّى وإلْفٌ وَاصِلُ
ما أَحْسَن الدنيا بشمل جامعٍ
لَكنّهَا أُمُّ البنين الثَّاكِلُ
جَرَتِ الليَالِي والتَّنَائِي بَيْنَنَا
أمُّ الليالي والتَّنَائي هَابِلُ [21]
فكأنَّمَا يَوْمٌ ليومٍ طاردٌ
وكأنَّمَا دَهْرٌ لِدَهْرٍ آكِلُ
أَعَلَى الشَّبابِ أم الخليط تَلَدُّدي
هذا يُفارِقُني وذاكَ يُزَائِلُ [22]
فِي كُلِّ يَوْمٍ أستزيُد تَجارِبًا
كم عالمٍ بالشيء وَهْوَ يُسِائل
ما العِيسُ ترْحلُ بالقِبَابِ حَميدةً
لَكنّها عَصْرُ الشَّباب الرّاحِلُ

استهل الشاعر قصيدته باستفهام إنكاري، متسائلا عن الآمال العريضة، التي تركزت في خياله، منذ فترة بعيدة راجيا من زمانه، الذي هو سيده، أن يفسح له المجال لتحقيقها، " وفي البيت التالي يفصل ما أجمل: فعودة الشباب أمنية عزيزة على نفس الشاعر، ليتها تعود.. " [23]

ثم أخذ الشاعر في الأبيات الثلاثة التالية، في تصوير تضييع الدنيا لمن اطمأن بها، وركن إليها فهي تسوء ولا تسر، تفجع وتضر، لا تأتي بخير إلا ندورا، تقتل أهلها، وتأكل أولادها.

ثم أخذت الدهشة تستولي عليه من جراء مفارقة الشباب، وتوديع أحبائه له، وارعوائهم من شيبه، وجزع الغواني من كبره وضعفه.

وفي البيت الذي يليه يبين: قلة علم المرء، وضآلة ثقافته وازدياد خبرته مع مرور الأيام.فكثيرا ما يدعي الفهم،وهو العيي قال تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85] [24]


وكما افتتح الشاعر قصيدته باستفهام إنكاري -ختم كثيرا من صوره بنفس الاستفهام، متعجبا من بَيْنِ الشباب، مفصحا عن حبه له، داعيا إلى اغتنام عصره، ورأب الصدع، فقد جار الزمان، ورحل الشباب، وضاق الحال، وماتت الأماني، وتعطلت الآمال.


رد مع اقتباس