عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 07-11-2017 - 11:16 AM ]



3– ومما يجاب به على هؤلاء الملاحدة كذلك على فريتهم تلك: أنه على تقدير هذا اللحن المزعوم: هل من الممكن أن يدع جمهور المسلمين من المهاجرين والأنصار هذا اللحن المدعى والمزعوم دون أن يصححوه؟! وهم الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يقرون على باطل.

بل كانوا رضي الله عنهم أجمعين يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات، فكيف يقرون اللحن في القرآن، مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته؟! وكيف يظن بهم، وهم الأئمة والقدوة بعد خير الأنام أن يتركوا لحنًا أو خطأ يصلحه من بعدهم، وهم الذين سخرهم الله لحفظ كتابه وتبليغ دينه؟! فلو وجدوا في المصحف لحنًا لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم، مع تحذيرهم من الابتداع، وترغيبهم في الاتباع.

قال الزمخشري رحمه الله: غاب عنه - أي: عن هذا الملحد - أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقًا يرفوه من يلحق بهم. اهـ.

وقال السيوطي رحمه الله: كيف يظن بالصحابة أولًا اللحن في الكلام، فضلًا عن القرآن، وهم الفصحاء اللد.

ثم كيف يظن بهم ثانيًا: في القرآن الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل، وحفظوه، وضبطوه، وأتقنوه.

ثم كيف يظن بهم ثالثًا: اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته.

ثم كيث يظن بهم رابعًا: عدم تنبههم ورجوعهم عنه.

ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفًا عن سلف؟!.

هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادة، فالحق أن هذا مما لا يقوله إلا كافر ملحد عدو للإسلام، ولا يصدقه إلا من ألغى عقله. اهـ.


4– دعونا نتساءل هل غابت هذه الأخطاء المزعومة التي اكتشفها ذلك الكافر الجهول الأعجمي عن صناديد قريش العرب الأقحاح[7] أهل اللغة والفصاحة والشعر، مع أنهم كانوا مترقبين لأي خطأ في القرآن مهما كان صغيرًا، حتى يتمهد لهم طريق للطعن فيه، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم؟!.


ثم كيف يتصور أن يكون الفصحاء والبلغاء من العرب العرباء كثيرين كثرة رمال الدهناء[8] وحصى البطحاء، ومشهورين بغاية العصبية والحمية الجاهلية، وتهالكهم على المباراة، والمباهاة، والدفاع عن الأحساب، فيتركون الأمر الأسهل الذي هو الإتيان بمقدار أقصر سورة، ويختارون الأشد الأصعب مثل الجلاء وبذل المهج والأرواح، ويبتلون بسبي الذراري ونهب الأموال، ومخالفهم المتحدي لهم يقرعهم إلى مدة عل رءوس الملأ بمثل هذه الآيات: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾، ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾، ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾.

فلما لم يفعلوا ذلك، وآثروا المقارعة على المعارضة، والمقاتلة على المقاولة، ثبت أن بلاغة القرآن كانت مسلَّمة عندهم، وكانوا عاجزين عن المعارضة.

ألا ترى - أخي الكريم - أن ما يدعيه هذا المسكين من اللحن في القرآن أمر لا ينقضي منه العجب، وأنه لو خوطب به الطفل الصغير، والمجنون الذي لا يعقل للفظاه ولم يقبلاه؛ إذ كيف يكتشف أعجمي غارق في عجمته خطأ لم يكتشفه من اللغة العربية سليقته، وهو يتكلم بها على طبيعته، إن هذا لشيء عجاب، نعوذ بالله من العقول الممسوخة.


ومما يزيد موقف ذلك العنيد المكابر الجهول حرجًا أن هؤلاء الكفار من أهل قريش رغم شدة عداوتهم للإسلام قد صرحوا وأقروا ببلاغة القرآن وأسلوبه المعجز حتى وصفه أحد كبرائهم - وهو الوليد بن المغيرة - وكان من أعلمهم بالشعر والنثر وسجع الكهان، قال: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا، ما هو كلام الإنس، ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته[9].


ولما نزل قول الله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾. قال أبو جهل، وكان من أشد الناس عداوة لنبينا صلى الله عليه وسلم: إن رب محمد لفصيح.

بل دع عنك أيها المكابر المعاند الجهول ما حصل للإنس من استعظام أمر القرآن والتعجب من فصاحته وبلاغته، وانظر إلى هؤلاء الجن، فإنهم لما استمعوا القرآن ذهبوا إلى قومهم، وقالوا لهم: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾.


5– أن النص القرآني قد أجمع جهابذة النحو وأحباره وعلماؤه وأئمته الذين يرجع إليهم عند الاختلاف، ولا يشق لهم غبار، على الاحتجاج به في اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة في قراءاته كلها المتواترة والثابتة[10].

حتى إنهم قد نصوا على أن القراءات الشاذة - وهي التي لم تنقل بالتواتر - أقوى سندًا، وأصح نقلًا، من كل ما احتج به العلماء من الكلام العربي غير القرآن[11]، وليس ذلك إلا لأن رواة هذه القراءات كانوا عربًا فصحاء، سليمة سلائقهم، تبنى على أقوالهم قواعد العربية[12].

فكان القرآن بجميع قراءاته قد نزل على أفصح لغات العرب وأكثرها ذيوعًا وانتشارًا.

ولذلك قال الفراء رحمه الله: إن القرآن أعرب وأقوى في الحجة من الشعر[13]. اهـ.

وقد كان ابن القيم رحمه الله يعجبه هذا القول جدًا.

وقال أبو حيان رحمه الله إمام اللغة المعروف: لكل قراءة من القراءات السبعة وجه ظاهر حسن في العربية.

وقال المهدوي رحمه الله "شرح الهداية": لم يوجد في القرآن العظيم حرف واحد إلا وله وجه صحيح في العربية، وقد قال الله تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾. والقرآن محفوظ من اللحن والزيادة والنقصان. فلذلك ولكل ما مر من الأجوبة التي ذكرناها التي لا يغفل عنها طفل صغير، تجزم بأن ما قاله هؤلاء الملاحدة من الطعن في فصاحة القرآن، وادعاء اللحن فيه، إنما مرجعه إلى أمرين: الجهل بكلام العرب وأساليبهم، وبغض الإسلام ومحاولة تشكيك عوام المسلمين في قرآنهم.


قال الزمخشري رحمه الله: ولا يلتفت إلى من زعم أن في خط القرآن لحنًا، ولم يعرف مذاهب العرب.

وقد ذكر أبو حيان رحمه الله أن الطعن في قراءة من القراءات لا يصدر إلا من غير عارف بالعربية.

هذا وقد نص كثير من أهل العلم أن من طعن في شيء من القرآن، وادعى فيه اللحن، من المسلمين فهو كافر مرتد عن دين الإسلام.

قال أبو بكر الأنباري رحمه الله في الرد على من يزعم وجود لحن في القرآن: وفي قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. دلالة على كفر هذا الإنسان؛ لأن الله عز وجل قد حفظ القرآن من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، وفي هذا الذي قال توطئة الطريق لأهل الإلحاد؛ ليدخلوا في القرآن ما يحلون به عسر الإسلام. أهـ.

وقال أبو حيان رحمه الله: إن الطعن في قراءة متواترة يقرب من الردة، والعياذ بالله. اهـ.


________________


[1] فرأوا أرضًا خصبة لإلقاء سمومهم المنتنة العفنة، وبذر بذور الفتنة، وتشكيك المسلمين في كتابهم العزيز ومما دعا هؤلاء المجرمين كذلك إلى اختراع هذه الفرية، أنهم لما افتضح أمرهم من التحريفات التي امتلأ بها إنجيلهم، أرادوا - خابوا وخسروا - أن يلحقوا القرآن الكريم - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد - بكتبهم المحرفة، فكانت فريتهم تلك ليست إلا كما ورد المثل: رمتني بدائها وانسلت.

وكقول أبي الأسود الدؤلي:

كضرائر الحسناء قلن لوجهها ♦♦♦ حسدًا وبغضًا إنه لدميم

[2] فهي كما قال الشاعر:

حجج تهافت كالزجاج تخالها ♦♦♦ حقًا وكل كاسر مكسور

[3] فإن الله تعالى قد تكفل بحفظه: فقال عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾.

[4] أي: من صميم العرب وخالصهم.

[5] أي: على طرق الشعر وبحوره، واحدها: قرء. بالفتح.

[6] النقد: صغار الغنم، أو جنس منها، صغير الأرجل. قبيح الشكل، يوجد بالبحرين، واحدته: نقدة. وانظر: المعجم الوسيط (ن ق د).

[7] "قحاح" واحدها: قح. يقال: عربي قح: أي: محض، وهو الذي لم يدخل الأمصار، ولم يختلط بأهلها.

والمراد بالعرب الأقحاح: الذين كانت العربية طبيعة لهم، فلم يتغير لسانهم عن العربية الفصحى: لمخالطة الأعاجم.

[8] الدهناء: الفلاة.

[9] فانظر - أخي الكريم - إلى مقولة هذا الرجل، الذي هو من أشد الناس عداوة للإسلام، وانظر كذلك إلى مقولة ذلك الفيلسوف الفرنسي الكافر الملحد جوزيف آرنست رينان، وهو يتكلم بإنصاف عن القرآن: "تضم مكتبتي آلاف الكتب السياسية والاجتماعية والأدبية وغيرها، والتي لم أقرأها أكثر من مرة واحدة، وما أكثر الكتب التي للزينة فقط، ولكن هناك كتاب واحد تؤنسني قراءته دائمًا، هو كتاب المسلمين "القرآن"، فكلما أحسست بالإجهاد، وأردت أن تفتح لي أبواب المعاني والكمالات طالعت القرآن حيث إنني لا أحس بالتعب أو الملل بمطالعته بكثرة، لو أراد أحد أن يعتقد بكتاب نزل من السماء فإن ذلك الكتاب هو القرآن، لا غير، إذ إن الكتب الأخرى ليست لها خصائص القرآن". اهـ أليست هي بنفسها مقولة الوليد بن المغيرة؟!.

فما الذي جعل الوليد وجوزيف يتفقان على أن القرآن "يعلو، ولا يعلى عليه"؟!

إننا لا نملك أن نقول في هذا المقام لهؤلاء الطاعنين في القرآن ظلمًا وبغيًا وكذبًا وإفكًا وزورًا: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾.

[10] فكل النحاة متفقون على أن كل ما جاء في القرآن فهو حجة بالغة.

[11] ولذلك فقد أجمع العلماء- كما نقل ذلك السيوطي رحمه الله - على جواز الاحتجاج بالقراءات الشاذة على إثبات قواعد العربية.

[12] فمن أئمة القراء على سبيل المثال: أبو عمرو بن العلاء، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب الحضرمي، وهؤلاء أئمة في اللغة والنحو.

قال أبو حيان في أبي عمرو بن العلاء: عربي صريح، وسامع لغة، وإمام في النحو. اهـ

وقال في ابن عامر: رجل عربي لم يكن ليلحن. اهـ

وقال في الكسائي: إمام الكوفيين في علم العربية. اهـ

[13] فإذا كان القرآن هو الذي يحتج به على قواعد اللغة، وكان هو المصدر الرئيس الذي استند عليه واضعو علم النحو لتقرير قواعدهم - فكانت القواعد النحوية هي التي تخضع للقراءات، ولم تكن القراءات هي التي تخضع للقواعد النحوية - وكان هذا كله باتفاق أهل هذا الشأن علماء النحو. فهل يمكن بعد ذلك كله أن نقول: إن في القرآن لحنًا. هذا لا يقوله إلا رجل مخبول مجنون. قد مسه طائف من الشيطان.

رد مع اقتباس