أحسن أوديك لعظيمنا ... بشيلك ألفين شيله
فقلت:
انتا صغار لسه نونو ... وفي الزجل منتشى مجدع
اتبع نديم تلقى فنونو ... تأتيك من المعنى الأبدع
أما عظيمك وجنونو ... يأكل نفسه
وإن كان يعارض بمجونه ... يطلب عكه
لأن فني وسجونو ... لكل متعنتظ يردع
وبعد أن دار بيني وبين الكلام في كثير من هذا الوزن قام الشيخ داود، وقال:
قصدي أقول كلاما ... يحكي لضعات الزهور
هات أشجنا بنظام ... من فن كان وكان
أدخل بنا لمعان ... كالبكر من خلف الستور
في قلب متحل ... في النظم بالإتقان
فقلت:
اسمع كلام نديم ... من طيه كل سرور
واعقل نصيحة حر ... ينعوك للعرفان
لا تستخف بخصم ... لو كان من أوهى الطيور
واصفح فكل صفوح ... يعلو على الأعيان
واخش اللئيم دواما ... فاللؤم داع للشرور
واحفظ مودة حر ... في عهده ما خان
لا تصطحب بوضيع ... ينزلك عن سرج الظهور
واصحب أخي شريفا ... واطلب رضا الإخوان
وانزل ببيت كريم ... إن كنت ضيفا في العبور
واسمع سؤال فقير ... أودى به الحرمان
هذه نصيحة حر ... قد جرب الدهر الجسور
إن كان يعجب هذا ... أولا فخذ تبيان
فالبحر بحر لآل ... إن قلت زانت النحور
والفكر فكر ذكي ... لا يعرف النسيان
فأعرض عن كان وكان عجزًا منه، وقال: هات فخرًا على قد!
يا صبا نجد ورامه ... هجت للمتشاق وجدا
كل صب في غرامه ... ما اشتكى في الليل سهدا
عنفوني عذبوني ... ذقت في التعذيب شهدا
والهوى أحرق ضرامه ... كل أحشائي وقلبي.
قلت:
فخر مثلي في بيانه ... والغني يفخر بماله
والأدب أحسن صفاتي ... فالذكي حسنو كماله
واللبيب يظهر بعلمو ... والغلام مجده جماله
كل قول المرء يفنى ... غير محمود المآثر
... "وإلى هنا صفق الحاضرون والباشا، ثم عدنا للزجل المعتاد بما يطول ذكره، فإن الشيخ رمضان كتب من هذا الزجل خمسة كراريس، وكله محفوظ عندنا لم يضع منه شيء، وقد استمرت المناظرة ثلاث ساعات إلى آخر ما ذكر النديم في مجلة الأستاذ".
هذا طرف مما أورده النديم في مجلته عن قصة الزجل، ويقول "أحمد تيمور باشا": "لقد سألت بعض من حضروا هذا المجلس عما كتبه المترجم، فأنكره وأخبرني أنه تغالى فيما كتب، وذكر أناسا لم يكونوا حاضريه".
وقد يكون النديم مغاليا كما قيل "لتيمور"، ولكن هذه المغالاة لا تنفي أصل الحادثة، وليس النديم على مكانته الأدبية والاجتماعية بالذي يخلق حادثة مثل هذه لم تكن، ثم يطالع بها قراءة في مجلة كانت تتلقفها الأيدي، وتستشرف لها الأبصار، ويمعن في الادعاء، فيزعم أن المجلس حضره فلان وفلان ممن سماهم بأسمائهم، وممن هم ذو مقام بين الأدباء والشعراء والعلماء، فإنه إن فعل تعرض لخصومه يكذبونه، ويسفهونه وهم كثير وكثير، وعندي أن اتهام الذي سأله تيمور باشا عن القصة فنفاها، أو زعم مغلالاة النديم فيها أخف لدى العقل من اتهام النديم بالكذب والوضع.
هذا وإن زجل النديم بالغ حظا عظيما من الرقة، وسعة الأفق والقدرة على المجاراة، وتصوير العامة في مظاهرهم وحياتهم.
كلماته الجارية مجرى الأمثال:
للنديم كلمات جرت مجرى الأمثال لها روعة البلاغة، وقوة الصوغ وعذوبة النطق ومجاراتها لكلمات الفصحاء من فحول العرب، ومن هذه الكلمات التي تزين الحديث، وينجلي بها الأسلوب، وتشرق في ثنايا ما ينفصح به الأدباء قوله من النثر "أدبك حياتك فطول أو قصر- روحك غذاؤك فأصلح أو أفسد- علمك قدرك فارفع أو اخفض - ترك الحزم يضيع الفرص - بعدك عن الشر مع حب أهله، وقوع فيه - كن حيث صرت تقطع العقبات، وأنت جالس - كل خلاف كذاب - أمرك بيدك، فإذا جذبته فطاوعك تبدد - بين الجد أو الغاية التبصر فاحفظ نصلها - يومك كأمسك فأعد لغدك ما تخيرته منهما - مملكة يسوقها غارق في الشهوات مقبرة تزار، ولا تسكن - إذا طلبت الراحة، فارجع إلى ظهر أبيك - لن للظالم ما تنبه، فإن غفل فاحمل عليه - إذا وصلت الغاية، فقف فورًا كانت أو خذلانا فما بعدهم إلا العدم -
المشرب السياسي يغالب الجنسية والدين، فانظر مع من تكون -إذا نفذت كلمتك، فاحفظها بالرفق وأيدها بالاستقامة، من الشعر:-
جزاء فعال السوء في العدل مثلها ... فنفس بنفس والجروح قصاص
دنوك من مرضى القلوب تعرض ... لعدواك فاحذر فالدواء عزيز
ذوق المعاني لذة ... وسواه يأتي بالهوس
ذم النقى وأهله ... أمر يحسن لي الطرش
خذ من زمانك صفوة ... ودع التعمق تسترح
آثاره الأدبية والعلمية:
خلف النديم آثارا أدبية وعلمية ضخمة تشهد بكريم فضله، وعظيم جدواه في الأدب والعلم، فمن ذلك شعره الخصيب الذي عبثت به يد الضياع، ولم تبق منه إلا النزر اليسير، ومقالاته الأدبية الممتعة التي كان ينشرها في صفحه المختلفة، وهي ثورة أدبية ممتعة تمثل أطوارًا مختلفة من مظاهر الحياة الاجتماعية في هذا العصر، وله روايتا الوطن والعرب، ورسائل أدبية لم يصل إلى أيدي الذين احتفلوا بجميع آثاره إلا أربع عشرة منها بعد سعي ممض، وعناء موصول وله كان ويكون، وهو الذي طبع بعضه في مجلة الأستاذ ألفه حين اختفائه في سنة 1883م، وهو كتاب أدبي تاريخي يحتوي بحوثا أدبية ودينية، وتاريخية وسياسية، وتضمن الحديث عن عادات الأمم المختلفة، والمقارنة بين هذه الأمم فيها كما يتضمن طرفا من شئون الأجناس الشرقية والغربية، والكتاب نسخة في مجلد واحد طبع في مطبعة النديم بالقاهرة سنة 1892م، وله كتب قيمة مختلفة منها "النحلة في الرحلة"، والاحتفاظ في الاختفاء، والشرك في المشترك، وكتاب في المترادفات، وآخر في اللغة سماه "موحد الفصول وجامع الأصول"، وله الفرائد في العقائد واللآلي والدرر في فواتح السور، والبديع في مدح الشفيع، وأمثا العرب، وغير ذلك من الآثار الجليلة الدالة على مكانته السابقة في هذه النهضة.
وقد عني شقيقه "عبد الفتاح أفندي نديم"، وصديقه "محمود أفندي واصف بجمع ما عثرا عليه من آثار، وأودعاه كتابا أسمياه "سلاقة النديم" في منتخبات السيد عبد الله نديم.
والحق أن النديم كان أنجب نموذج من نماذج الشخصيات في تاريخ الأدب المصري، "ويتعذر عليك أن" تبحث عن مثيل له ذوي الأدوار -المحددة الذين تنجب طلائع النهضات في عالم الأدب والثقافة، فلا تظفر له بمثيل.
نشر "النديم" فن الخطابة بين النشء الحديث، فكان ذلك فتحا في سجل النهضة إذ مرن الألسنة على القول، وفتق الأذهان للتبصر وكان صوتا انبعث في خطابته وكتابته، فاستيقظ به همم وصحت عزائم، وضرب أبلغ الأمثلة في الجهاد للرأي، والذود عن الوطن ...
نموذج من خطبه:
من خطبه في الثائرين العرابيين قوله:
من قرأ التواريخ، وعلم ما توالى على مصر من الحوادث والنوازل، عرف مقدار ما وصلتم إليه من الشرف، وما كتب لكم في صفحات التاريخ من الحسنات، فقد ارتقيتم ذروة ما سبقكم إليها سابق، ولا يلحقكم في إدراكها لاحق، ألا وهي حماية البلاد وحفظ العباد، وكف يد الاستبداد عنها فلكم الذكر الجميل، والمجد المخلد يباهي بكم الحاضر من أهلنا، ويفاخر بأثركم الآتي من أبنائنا، فقد حي الوطن حياة طيبة بعد أن بلغت الروح التراقي، فإن الأمة جسد والجند روح، ولا حياة للجسم بلا روح، وهذا وطنكم العزيز يناديكم ويناجيكم ويقول:-
إليكم يرد الأمر وهو عظيم ... فإني بكم طول الزمان رحيم
إذا لم تكونوا للخطوب وللردى ... فمن أين يأتي الديار نعيم
وإن الفتى إن لم ينازل زمانه ... تأخر عنه صاحب وحميم
فردوا عنان الخيل نحو محرم ... تقلبه بين البيوت نسيم
وشدوا له الأطراف من كل وجهة ... فمشدود أطراف الجهات قويم
إذا لم تكن سيفا فكن أرض وطأة ... فليس لمغلول اليدين حريم
وإن لم تكن للعائذين حماية ... فأنت ومخضوب البنان قسيم
ولقد ذكرت باتحادكم وحسن تعاهدكم، ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند تغيب سيدنا عثمان في أهل مكة من مبايعة أهل الشجرة على استخلاص صاحبهم، فصاروا يعنونون بالعشرة المبشرين بالجنة، وأنتم قد تعاهدتم على حفظ الأوطان، وبقاء سطوة مولانا الخديو، وتأييد ملكه وتبايعتم على الدفاع، ووقاية أهليكم من كل ما يذهب بالثروة، ويضعف القوة أو يخدش الشرف، فاستبشروا بيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم.
ثم قال:-
هذا أخوكم الحر يودعكم، ويسير بإخوانكم إلى دمياط، فاجعلوا عروة الود وثيقة، ولا تحلوا حبل الاتحاد الذي جاهدتم الأنفس في إحكامه، فقد:
زالت موانعنا التي ... كانت تجر إلى الفساد
والأنس دار رحيقه ... بين الجيوش أولي الرشاد
ولا تعمر الدنيا إذا ... لم يترك الخلق العناد
فالأرض تنبت زرعها ... لحياتنا بالاتحاد
ومن محاسنكم التي تفخرون بها، ويعرف لكم بها الفضل، طاعتكم لأوامر الحكومة وامتثالكم لإشارتها، وربط قلوبكم بمحبة مولانها الخديو، ورجاله الكرام خصوصا هذا الرئيس البر والرءوف القائم بخدمة الأمة وبلادها.
ثم ختم خطبته بقوله:-
وأحسن ما يؤرخ به اسم الجهادي عند النوازل أن يقال -مات شهيد الأوطان- فنادى الجميع، رضينا بالموت في حفظ الأوطان، ووقاية أميرنا من كل ما يمس سلطته.
نماذج من كتابته:
مما كتبه في العدد الأول من صحيفته "التنكيت والتبكيت" الصادر في 8 من رجب سنة 1298 هـ، الموافق 6 من يونيو سنة 1881م.
إعلان إلى النبهاء، والأذكياء من أبناء بجدة اللغة العربية:
إليكم يراعي فاستخدموه في مقترحات أفكاركم العالية، وصحيفتي فاملأوها بآدابكم المألوفة، وبدائعكم الرائعة، فاليراع وطني يخاطب القوم بلغتهم، ويطيعهم فيما يأمرون به، والصحيفة عربية لا تبخل بالعطاء، ولا ترد الهدية وأنتم كرام اللغة، وإخوان الوطنية فشدوا عضد أخيكم بالقبول والإغضاء عن العيوب، وساعدوه بأفكار توسع دائرة التهذيب، وتفتح أبواب الكمال، وكونوا معي في المشرب الذي أشربته، والمذهب الذي انتحلته: أفكار تخيليه، وفوائد تاريخية، وأمثال أدبية وتبكيت ينادي بقبح الجهالة، وذم الخرافات لنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مثله في الوجود من ركوب متن الغواية، واتباع اللذين أضلانا سواء السبيل.
وكتب فصلا عن الخطابة قال فيه:-
ألسن الخطباء تحيي وتميت، حكمة إذا عقلت معناها وقفت على سر الخطابة وحكمة حدوثها، وعلمت أنها للعقول بمنزلة الغذاء للبدن، وكانت الخطابة في الأعصر الخالية غير معلومة إلا من أمتي العرب واليونان، فكانت ساحتها في جزيرة العرب عكاظا، ومنابرها ظهور الإبل، وهذه الساحة كانت معرضا للأفكار يجتمع فيه الخطباء والبلغاء، والشعراء وأمم كثيرة من المجاورة للجزيرة، فيرقى الخطيب ظهر ناقته، ويشير بطرف ردائه، وينثر على الأسماع دررا وبدائع، ثم يباريه آخر ويعارضه غيره، فتتضارب الأفكار وتتنبه الأذهان، وتحيا الهمم، وتتحرك الدماء، ويرجع كبار القبائل وأمراؤها لما يثير إليه الخطيب إن صلحا وإن حربا، ولم يقتصروا في خطاباتهم على مسائل الحرب والصلح، بل كانوا يخوضون بحار الأفكار، فلا يتركون حكمة إلا شرحوها، ولا يذرون فضيلة إلا حثوا عليها.
وبلغه أن أستاذه المرحوم "الشيخ محمد العشري"، كان راكبا عربة مع بعض الناس في زمن المطر، فوقعت بهم ونجا الشيخ من بينهم وأصيب من كان معه، فكتب إليه هذه الرسالة التي تأنق وابتكر في سجعها.
"منحتنا اللهم سلامة الروح، فلك الحمد على هذه المنحة حمدا بلا عد، ووهبتنا صحة لب البيان فلك الشكر على هذه الصحة شكرا بلا حد، يلوح بدره ويفوح عطره روح هو عين الحياة ومدد العقل، ولب هو منطق الشفاة وسند النقل طال عمره، وجال أمره غذاء النفوس، وبهجة المهجة، ونور الشموس، ومهجة البهجة أمنا سره وعمنا بره.
أستاذي وقدوتي وملاذي، وعمدتي محمد العشري قام ذكره، ودام شكره سيدي ومصيري ومؤيدي، ونصيري يخصك بالتحية غرس بستانك، وغصن وقتك وزهر إحسانك، وثمر دقتك الطيبة الشهية، إن تكلم بلسان فبيان من جنانه، وإن خط ببيان فإحسان من فرقانه، وإن انتسب فنعم النسب مع الحسب، ولا عجب فإلى العرب فن الأدب.
آباؤه الغر أهل الجود والكرم ... وكلهم غاية في الحلم والكلم
وكيف لا يكون لساني قوس البديع، وكلامي السهم السريع، وأنت باريه وراميه، أو كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع، وقدري العزيز الرفيع، وأنت معليه وبانيه، فوجه جمال العلم أنت غرته، وإنسان عين الحلم أنت قرته، وحاليه وجاليه، وجبين العقل أنت طرته، وكتاب الفضل أنت صورته، وطالبه وتاليه.
على بابك العالي من الفضل راية ... على رأس أرباب المعارف تخفق
فعلمك جنات وحلمك جنة ... وظلت خيرات وغيثك مغدق
أرى غصن من يدعو إلى الفضل نفسه ... من الفضل عريانا وغصنك مورق
إذا رمت إنشاء فعن صدق فكرة ... تهادي بأبكار وغيرك يسرق
ثم أنهى لفضيلتك وحضرتك السنية، ما وصل إلي "فأوجب الشكر علي" ما دمت حيا، وهو سلامتك من تلك البلية، بمعرفة العربية، وقد وقع في الري من أدركه العي ولم يسع شيا، أدخله التقصير في جمع التكسير، فكنت في جمع السلامة تحية وكرامة إذ كنت نفيسا، وظهر ذراعه الكسير ظهور الضمير، ومذ رأى أولاده آلامه، وفهموا كلامه صاحوا بكيا، فقد أتى أهله فساءت دياره، إذ وهت رحله، وبانت يساره".
وكتب بعنوان "الجنون فنون" في صحيفة التنكيت والتبكيت"، فقال:
"جلس أحد المحتالين في قهوة، وأخذ يقرأ أكاذيب سماها قصة عنترة، فاجتمع إليه عدد كثير من الرعاع والهمج الذين ولعوا بسماع الأكاذيب والخرافات، فلما رآهم منصتين إليه أخذ يفتري عبارات ينسبها إلى عنترة، وكلمات يعزوها إلى عمارة، وقد افترق القوم فريقين، وكل فريق منهم يدفع لهذا المحتال نقودا ليؤيد مشربه، ويمتدح بمن يميل إليهم، والمحتال مجد في التحريف متفنن في الكذب حتى قرب الفجر، فقال: -وبينما هم في قتال ونزال، وقد انكشف الغبار عن أسر عنترة: وسنخلصه الليلة القابلة- فقال أحد المجانين لا بد أن تخلصه الآن وخذ عشرة جنيهات، فأبى المحتال وسكت عن الكلام، فشتمه المجنون وهلت أصواتهما بالقبائح، وآل الأمر إلى الضرب والإهانة.
ثم ذهب المجنون، وقد تذكر أن عنده قصة عنترة، ولكنه أمي لا يقرأ فقصد غرفة ولده وأيقظه من النوم، وهو يبكي وقاله له: يا ولدي أبوك رزيء بمصيبة عظيمة، فقال له ولده: هل مات أخي؟ قال: أهون، هل هدم البيت الجديد؟ قال: أهون، هل ماتت أمي؟ كان أهون، ما الذي أصابك يا والدي؟ يا ولدي في هذه الليلة أخذوا عنترة أسيرا، فهات الكتاب وخلصه وإلا قتلت نفسي.
الولد: من عنترة يا ولدي؟ أتتكدر على حكاية مكذوبة، وقصة كلها تخريف وما لنا وعنترة؟ إن هو إلا عبد أسود أخذ شهرة بما صنعه من الشعر، وقتل بعض الناس بلاحق لولوعه بالنهب، وسعيه خلف مقاصده.
الوالد: أنت تشتم عنترة يا ابن آل..... ونزل عليه بعصاه حتى أسال دمه، وحلف عليه بالطلاق لا يبيت عنده ولا يعاشره، فخرج المسكين، وهو يسب الجهل وأهله، ويعجب من فساد أخلاق والده الذي أحدثه عدم التهذيب حتى ألحقه بالبهائم، وسلخ عنه جلد الإنسانية، فعارضه أحد جيرانه، وسأله عن حاله فقص عليه قصته مع والده، فقال:
طالما قلت لأبيك: فضك من عنترة وتعال اعمل "زغبي"، فما سمع كلامي فضحك الولد من سخافة عقل الاثنين، وقال: "لا شك أن الجنون فنون".
ومن أسلوبه وصفه اللاذع التهكمي الذي طبع بطابع الجدة والطرافة