عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
شمس
مشرفة

شمس غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال :
افتراضي مبحث حول توكيد الفعل بالنون

كُتب : [ 06-20-2017 - 12:00 AM ]


مبحث حول توكيد الفعل بالنون [1]


أ.د. أحمد محمد عبد الدايم


مِن المؤثرات التي تلحق آخِرَ الفِعل وتؤثِّر فيه: نونَا التوكيد.

وهما نونان تلحقانِ آخِر الفِعل لتوكيده:
إحداهما: نون ثَقيلة، والثانية: نون خفيفة.

النون الأولى:
نون ثقيلة، التوكيد بها أشد[2] وأبْلغ؛ لأنَّ زِيادة المبنَى تدلُّ على زيادة المعنى غالبًا، وقد يكون مِن هذا القبيل قول "زليخا" زوْج عزيز مصر، حيث حكى قولها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32]، حيث نتبيَّن مِن قولها هذا حرصًا منها على سجْنه في بيتها؛ لتراه في كلِّ وقت أكثرَ مِن كونها تراه صاغرًا.

أحكامها:
مِن أحكام نونِ التوكيد الثقيلة: أن تكونَ مفتوحةً مشددةً متحرِّكة للأسباب التالية:
1- أمَّا كونها مفتوحة؛ فذلك لأنَّ الفتحة أخفُّ الحرَكات.
2- وأمَّا كونها مشدَّدة؛ فلأنَّها نونان أُدغمت إحداهما في الأخرى.
3- وأمَّا كونها متحرِّكة؛ فلئلا يلتقي ساكنان؛ لأنَّ المدغَم ساكن، فلو كان المدغَم فيه ساكنًا أيضًا لزم التقاء الساكنين، وهذا لا يجوز.

حكم كسرها:
في جميع المواضع، النون الثقيلة مفتوحة، إلا في فِعل الاثنين وجماعة النِّساء، فهي مكسورة فيهما تشبيهًا لها بنون التثنية؛ لوقوعها بعدَ ألِف زائدة.

ففي توكيدِ فِعل الأمر "اذهبا"، نقول "اذهبان"، وهو للاثنين.

وفي الفعل "اذهبْن" نقول: "اذهبنان"، وهو لجماعة الإناث، ويتَّضح مِن المثال الثاني أنَّه متى اتصلت نون التوكيد الثقيلة بفِعل جماعة النساء، وجَب أن تدخل ألف بعدَ نون جمع المؤنث تُسمَّى "فارقة"؛ لتكون فاصلاً بين النونات؛ لأنَّ النون الثقيلة إذا دخلت فيه اجتمع في بعض الصُّور ثلاثُ نونات وفي بعضِها أربع نونات.

انظر ذلك في الأمثلة الآتية حيثُ جاءتْ أفعال جماعة النِّساء بدون ألف فارقة:
(يا نساء قلنن الحقّ)، حيث التَقى في الفِعل ثلاث نونات: نون النسوة، ونون التوكيد الثقيلة وهي نونان.

ونقول: "يا نساء صُنن أنفسكنَّ"، حيث التقَى في الفعل أربع نونات: نون الفعل (صان)، ونون النسوة، ونون التوكيد الثقيلة، وهي نونان.

واجتماع النونين مستكْرَه؛ ولهذا يفرُّ منه إلى الإدغام، فكيف الثلاث؟

لذا وجَب إدخالها (أي الألف الفارقة) لتفصلَ بيْن النونات، ولا يرد عليه بـ "صونن" للمذكَّر؛ لنُدرةِ اجتماعها فيها[3].

ما تختصُّ بدخوله النون الثقيلة:
كل موضع تدخُل فيه النون الثقيلة تدخُل فيه النون الخفيفة إلا في موضعين تختصُّ بالدخول فيهما النون الثقيلة دون الخفيفة، هما:
1- في فِعل الاثنين حيثُ نقول: يا زيدان اذهبانّ.
2- في فِعل جماعة النِّساء حيثُ نقول: يا فاطمات اذهبنانّ.

فلا يصحُّ أن ندخُل عليهما نون التوكيد الخفيفة، فنقول: اذهبانْ واذهبنانْ.

إذ لو دخلتْ فيهما النون الخفيفة، "وهي نون ساكنة" لَلَزِم أحد المحذورين، وهما:
1- إمَّا تحريك النون الخفيفة.
2- أو إبقاؤها على السُّكون.

• ولا سبيلَ إلى الأوَّل؛ لخروجه عن الوضع الأصْلي وهو السُّكون.
• ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنَّه يلزم التقاء الساكنين على غيرِ حده.
• ولا يجوز حذْف الألِف؛ لأنَّه حينذاك يلتبس المثنَّى بالمفرد، ويجتمع المثلان في الجمْع من غير الإدغام.
• ولا يجوز حذفُ النون لفوات التأكيد.

النون الثانية:
نون خفيفة:
النون الخفيفة، نون ساكنة دائمًا؛ لأنَّها مبنية، والأصل في المبني البِناء على السكون؛ لأنه أخف.

أحكامها:
تنفرد نونُ التوكيد الخفيفة بأربعة أحكام:
الأول: أنَّها لا تقَع بعد الألف، سواء أكانتِ الألف اسمًا أم حرفًا، بأن أسند الفِعل للظاهر.
نحو: يضربان المحمدان.
أو التالية لنون النِّسوة نحو: النِّساء يضربنان.
ولا في نحو: "قوما" و"قعدا".

وذلك لئلا يلتقي ساكنان "علمًا بأنَّ التقاء الساكنين يُغتفر إذا كان أوَّل الساكنين حرْف لِين والثاني مدغمًا في مثله"، وهذا هو السرُّ في جواز وقوع النون المشدَّدة بعد الألف"، وامتناع الخفيفة بعدَها.

وقد أجازه يونسُ والكوفيُّون، وصرَّح الفارسي في الحُجَّة بأنَّ يونس يُبقي النونَ ساكنةً واستشهد بقراءة نافع: (محيايْ) أي بسكون الياء بعدَ الألف.

وذكر ابنُ مالك أنه يكسر النون[4]، وحمل ذلك على قِراءة بعضهم (فدمرناهم تدميرًا)[5] على أنَّه أمرٌ لاثنين، والنون المكسورة نون توكيد خفيفة، وجوَّز في قراءة ابن ذكوان (ولا تتبعان)[6] بتخفيف النون، على أنَّ الواو "للعطف"، و"لا" للنهي، ونون الرفْع محذوفة، والنون المذكورة مؤكِّدة مكسورة، ولا يجوز أن تكونَ الواو للحال و"لا" للنفي، والنون الموجودة علامة رفْع.

وأمَّا نون التوكيد الثقيلة فتقَع بعدَها اتفاقًا، ويجب كسرُها لقراءة السبعة (ولا تتبعان).

الثاني: أنَّها لا تؤكد الفعل المسند إلى نون الإناث؛ وذلك لأنَّ الفعل المذكور يجب أن يُؤتى بعدَ فاعله بألف فارقة بين النونين؛ قصدًا للتخفيف فيُقال: اضربنان[7].

وقدْ مضَى أنَّ النونَ الخفيفة لا تقَع بعدَ الألِف، ومَن أجاز ذلك فيما تقدَّم أجازه بشرْط كسْر النون فرارًا مِن التِقاء الساكنين.

الثالث: أنَّها تُحذف قبل الساكِن الذي يأتي بعدها، قال الأضبط بن قريع[8]:
لاَ تُهِينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ
كَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
والأصل: "لا تُهينَنْ"[9].

الرابع: أنَّها تُعطَى في الوقف حُكم التنوين، فإنْ وقعت بعدَ فتحة قُلِبت ألفًا[10]، كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: 15]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32].

وكقول الشاعر الأعشى[11] مِن قصيدة يمْدَح فيها الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
وَإِيَّاكَ وَالمَيْتَاتِ لاَ تَقْرَبْنَهَا
وَلاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا

والشاهد فيه قوله "فاعبدَا" حيث أبدل نون التوكيد الخفيفة ألفًا في الوقْف، والأصل فيها "فاعبدن".

وإنْ وقَعتْ بعد ضمَّة أو كسْرة حُذِفت، ويجب حينئذٍ أن يردَّ ما حُذف في الوصل لأجلها[12]، لزوال علَّة الحذْف، وهي التِقاء الساكنين، تقول في الوصل: "اضربن يا قوم"، و"اضربن يا هند"، والأصل: اضربون، واضربين، فإنْ وقف عليها حذفت النون لشبهها بالتنوين في نحو: جاء زيدٌ، ومررت بزيدٍ.

ثم ترجِع بالواو والياء؛ لزوال الساكنين، فتقول: "اضربوا"، و"اضربي" [13].

شروط توكيد الأفعال بالنونين:
أورد النحاةُ للتوكيدِ بالنونين شروطًا، نُورِدها فيما يلي:
أولاً: الفعل الماضي:
لا يُؤكَّد بهما الفعل الماضي مطلقًا، ولو كان بمعنى الاستقبال، وأما قول الشاعر[14]:
دَامَنَّ سَعْدُكَ إِنْ رَحِمْتَ مُتَيَّمًا
لَوْلاَكَ لَمْ يَكُ لِلصَّبَابَةِ جَانِحًا


فضرورة شاذَّة، سهَّلها مجيء "دامن" مفيدًا للمستقبل معنًى؛ لكونه دعاء، وإنما قرر النحاة عدمَ توكيد الماضي؛ لأنَّه قد فات، وتأكيد الفائِت يمتنع؛ لأنَّه حدَث وانتهى.

ثانيًا: الفعل الأمر:
يُؤكَّد الفعل الأمر بالنونين مطلقًا دون شروط؛ لأنَّه خالِص للمستقبل دائمًا، سواء أكان الأمرُ بالصيغة أم باللام.
بالصِّيغة نحو (قومن).
باللام نحو (ليقومن).

ثالثًا: الفِعل المضارع:
اعلمْ أنَّ نوني التوكيد الثقيلة والخفيفة، تؤثِّران في الفِعل المضارع إذا أُكِّد بهما تأثيرين:
1- تأثيرًا لفظيًّا:
ونعني به: إخراجَ الفعل المضارع مِن الإعراب إلى البِناء، ويصير الفِعل بسبب دخولهما عليه مبنيًّا بعدَ أنْ كان معرَبًا.

2- تأثيرًا معنويًّا:
ونعني به: تخصيص الفِعل المضارِع بالاستقبال فقط بعدَ أنْ كان يصلُح للحال والاستقبال، والعلَّة في بناء الفِعل المضارع عندَ دخولهما عليه، أنَّ الأصل في الأفعال البناء، والفِعل المضارع إنما كان معربًا بسببِ مشابهته الاسم، ونوني التوكيد مِن خصائص الأفعال، فلمَّا دخلتَا على المضارع ضعفتْ مشابهته الاسم، فيَرجِع إلى الأصل الذي هو البناء فصار مبنيًّا.

ولتوكيد الفِعل المضارِع بهما حالات وأحكام؛ أولها: وجوب توكيد الفِعل المضارع، وذلك إذا توافرتْ فيه الشروط التالية:
1- أن يكون المضارع مثبتًا.
2- أن يكون مسقبلاً.
3- أن يكون المضارع جوابًا لقَسَم.
4- أن يكون غيرَ مفصول عن لامِه بفاصل.

ويجب توكيدُ المضارع باللام والنون عندَ البصريِّين، مثل قوله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57]، وخلوه مِن أحدهما شاذٌّ أو ضرورة، أمَّا الكوفيُّون فقد أجازوا الاكتفاءَ بأحدهما.

ويَمتنع توكيد المضارع بالنونين إنْ كان منفيًّا، نحو قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 85]؛ إذ التقدير: (لا تفتأ)، ولعلَّ السر في هذا يرجِع إلى أنَّ بعض أدوات النفْي تخصُّ الفِعل الحالي مِثل (لا - ما) النافيتين، وذلك يُنافي التوكيدَ بالنونين، ومِن ثَمَّ عدم جواز التوكيد في هذه الحالة في جميعِ حالات النفي.

ولا يجوز توكيدُ الفِعل المضارع بهما إنْ كان الفعل يُفيد الحال، مِن ذلك قراءة ابن كثير (لَأُقْسِم بيوم القيامة)[15]، وكقول الشاعر[16]:
يَمِينًا لَأُبْغِضَ كُلَّ امْرِئٍ
يُزَخْرِفُ قَوْلاً وَلاَ يَفْعَلُ

والشاهِد في الآية الكريمة عدمُ توكيد الفِعل (أقسم)، وفي بيْت الشِّعر عدمُ توكيد الفِعل (أبغض) لأنَّهما فعلان حاليَّان؛ وذلك لأنَّ "الإقسام" و"البُغض" كلاهما موجود حال التكلُّم، ولا يُفيدان الاستقبال، وإنَّما امتنع توكيدُ المضارِع المقصود به الحال؛ لأنَّ نون التوكيد تُخلِّص الفعل للاستقبال، فإذا كان للحال كان في إلْحاق نونِ التوكيد به تناقُض.

ولا يجوز كذلك التوكيد إذا كان الفعلُ المضارع مفصولاً مِن اللام؛ وذلك لأنَّ الفصلَ يدلُّ على عدمِ الاهتمام بالفِعل، وذلك يَتنافى مع التوكيد به، ومِن أمثلة الفصل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158].

فقد فُصِل بيْن اللام والفِعل بمعموله، واللام في "لئن" موطِّئة للقسم المحذوف، واللام في الأولى مؤكِّدة للجواب، وهو (تحشرون)، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5].

ثانيها: أن يكون التوكيدُ قريبًا من الواجب: وذلك إذا كان شرطًا "لأن" المؤكِّدة بما الزائدة، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: 41]، ومِنْ تَرْكِ توكيده قولُ الشاعر[17]:
يَا صَاحِ إِمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ ذِي جِدَةٍ
فَمَا التَّخَلِي عَنِ الخِلاَّن مِنْ شِيَمِي


فقد ترَك توكيد الفِعل "تجد" مع وقوعه شرطًا لـ"إن" المؤكّدة بما الزائدة، وهذا قليل، وقيل: ترك التوكيد للضرورة[18] الشِّعريَّة.


رد مع اقتباس