ومن الجدير بالذكر أن نشير هنا إلي أن الملك الإسباني – ألفونسو العاشر – كان عالما بالعربية ومتقنا لآدابها وألف عددا من الكتب بالعربية وسعي إلي ترويج العربية إبان فترة حكمه ولعل مما يتعجب له البعض أنه ألف كتابا ضخما في سيرة النبي محمد صلي الله عليه وسلم اطلع عليه المفكر الألماني – مراد هوفمان- في متحف – لائيدن- للتراث في هولندا. كما الف – الفونسو- كتابا أخر بالعربية في خواص الأحجار الكريمة ويوجد هذا الكتاب في مكتبة –الإسكوريال-
وفي عام 1130م قام ألأسقف الإسباني – ريمند – إنشاء جامعة في طليطلة. استقطب للتدريس فيها علماء متخصصين في علوم العربية واللاتينية الذين كانوا يقومون جنبا إلي جنب مع التدريس –وظيفتهم الأساسية – بمهمة ترجمة التراث العربي إلي اللاتينية والأسبانية وظلت هذه الجامعة تقدم خدماتها للمجتمع علي مدار ثلاثة قرون وقدرت الكتب التي ترجمت طوال هذه الفترة من العربية إلي اللاتينية بأكثر من ثلاثة الآلف وثلاث مائة كتاب.
وفي عام 1224م أنشأ – فريدريك الثاتي – جامعة ضخمة في – نيبلز- وكان من ضمن المقررات الإجبارية و المتطابات الجامعية الأساسية كتب ابن رشد في الفلسفة التي كانت تدرس باللغة العربية وكانت مكتبة الجامعة زاخرة بالآلف المجلدات في اللغة العربية.
وأنشأ ملك البرتغال – هنري الرابع- أكاديمية بحريه وظف للتدريس فيها عالمين بالعربية متقنين لفنونها وتخرج عنها الرحالة والمغامر البحري – فاسكودي غاما- الذي خرج من بلده البرتغال حتى وصل إلي الهند. وهو أول ملاح بحري أوربي خرج من قارته إلي بلد آخر.
واللغة العربية ليست قاصرة عن مسايرة الحياة وتطوراتها منذ دفع بها الإسلام إلى ارتياد أفاق العلم التجريبي حتى صارت لغة العلم كما هو لغة الدين والأدب ولم يطرأ عليها شيء يخلع عنها هذا الثوب الذي كساها به الإسلام.
إن علماء العرب لم يكتبوا أعمالهم التي نهل منها الغرب وكانت سبب رقيه ونهضته إلاّ باللغة العربية عندها صارت وعاء للعلوم وأصبح لها اليد الطولي والسيطرة على سائر لغات العالم أجمع. وقد رأينا كثير من رواد ومشاهير الأدب العالمي هرولوا إلى تعلم اللغة العربية بعدما استهوتهم جماليات الثقافة العربية الإسلامية أمثال: بوشكين، وتوليستوي، وغيرهما. ويكفي لإجمال الأثر الذي تركه الأدب الإسلامي باللغة العربية في آداب الأوربيين أننا لا نجد أديبا واحدا من نوابغ الأدباء عندهم خلا شعره أو نثره من بطل إسلامي أو نادرة إسلامية ومنهم: شكسبير، وأديسون، وبيرون، وسوزي، و كولردج، وشيلي، بين أدباء الإنجليز. ومنهم: جيتيه، وهردر، ولسنغ، وهيني، بين أدباء الألمان وفولتير، ومنتسيكو، وهيجو، بين أدباء الفرنسيين. ولافونتين الفرنسي الذي صرح بإقتدائه في الأساطير بكتاب كليلة ودمنه الذي عرفة الأوربيون عن طريق المسلمين ولغتهم العربية وهذه أمثلة لسطوة اللغة العربية في غير أرضها ففي ذلك العهد الزاهر كان رجال العلم والفكر الغربيون يعترفون بوجه عام أن التبحر في العلم والفلسفة لا يمكن أن يتم من غير درس المؤلفات العربية كان المفكرون المتعصبون منهم يتساءلون فيما إذا كان يمكن الاستغناء عن اللغة العربية في تحصيل العلوم. في ذلك الوقت كانت اللغة العربية هي التي يتكلمها جميع مثقفي العالم سواء كانوا في روما أو بيزانطه أو في الهند بل إن أحد القياصرة المثقفين وهو فردريك الثاني كان يؤلف كتبه باللغة العربية وكان بينه وبين الملك الكامل الأيوبي أبن شقيق صلاح الدين الأيوبي – مراسلات مطولة يستفسر فيها عن بعض المسائل الفكرية. وفي القرن الرابع الهجري وجدنا أحد كبار القسس في مصر يشكو مر الشكوى لأنه ألف كتابا في تاريخ الأقباط عنوانه – سير الأباء البطارقة – وأضطر مرغما أن يؤلفه باللغة العربية لا باللغة القبطية لأنه لم يجد في مصر حينذاك من يفهم اللغة القبطية وهي لغة المصريين التي كانت شائعة بينهم عند الفتح الإسلامي. وما كتبة الأسباني- الفارو – في القرن التاسع الميلادي واصفا إقبال قومه على العربية مصورا آسفة لهذا الإقبال بقولة " إن أرباب الفطنة والتذوق سحرهم رنين الأدب العربي فاحتقروا اللاتينية وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرهم ". كما ساء ذلك أحد كبار الأسبان المتعصبين فكتب يقول :" إن أخواني المسيحيين يعجبون بشعر العرب و أقصاصيهم ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء المسلمون باللغة العربية ولا يفعلون ذلك لدحضها والرد عليها بل لاقتباس الأسلوب العربي الفصيح فيا للأسى أن المسيحيين قد نسوا لغتهم فلا نكاد نجد فيهم اليوم واحد في كل ألف يكتب بها خطابا إلى صديق أما اللغة العربية فما اكثر اللذين يحسنون التعبير بها على أحسن أسلوب ".
أما الإيطالي – بترارك – في أوائل القرن الرابع عشر للميلاد فكتب صارخا " ماذا تقولون؟ استطاع شيسرون أن يكون خطيبا بعد – ديموستين – وصار فيرجيل – شاعرا بعد هوميروس – وأنتم تتوهمون مع ذلك بأنه لن يتبع أحد من العرب !! نحن قد ضاهينا اليونان حتى سبقناهم في بعض الأحيان وضاهينا وسبقنا بذلك جميع الأمم وأنتم تقولون الآن إننا لن نضاهي العرب!! هل تخدرت عبقرية الطليان إلى هذا الحد.
يتبين من هذه الصيحة الحماسية انه في القرن الرابع عشر الميلادي كان في البلاد الأوربية من يقول بعد إمكان مضاهاة العرب ومن يعتقد باستحالة الاستغناء عن اللغة العربية في الشئون الفكرية والعلمية أفليس المؤلم حقا أن تنعكس الآية الآن وبعد كل هذه الأمثلة تؤكد لنا قوة اللغة العربية و عالميتها وانتشارها بين حضارات تختلف عنا في أساليب الحياة وأنماطها ومعاييرها كما تؤكد أن الأمل قائم في حفاظنا أولا على أحد مقوماتنا وإحدى سمات شخصيتنا الإسلامية والعربية وثانيا نشرها بين سائر الأمم كما فعل أجدادنا وسلفنا الصالح.
* كيف للعربية أن تحافظ على عالميتها؟:
إذا أردنا للعربية أن تحتفظ بمكانتها اللائقة في دنيا العالمية فيجب علينا نحن أبنائها خوض غمار العلوم الحديثة بها وعدم الوقوف بها عند النظرة القاصرة على أنها لغة شعر وأدب فقط فهي قادرة على التعبير عن العلوم ومصطلحاته ومسايرة الحضارة الحديثة فأين هو نتاج أبنائها العلماء من الاختراعات والابتكارات وتسميتها بمسميات عربية تنتقل إلى اللغات الأخرى بلفظها العربي؟ مما يضعها في مصاف اللغات العالمية بحق لأن اللغة ظاهرة اجتماعية تعبر عن مكانة الناطقين بها والمجتمع الأكثر تفوقا هو القادر على أن يفرض وجودة على الآخرين.
وبعد: لقد أثبتت اللغة العربية جدارتها على مر العصور، ويشهد تاريخ الفتح الإسلامي على سرعة انتشارها، واندماجها في بيئات لغوية متباينة، وأنها كانت أداة فعالة لنقل المعرفة، ومن ثم فإن من حقها أن تصبح لغة عالمية، خاصة أنها تتسم بالعديد من الخصائص الجوهرية من أهمها: أنها تجمع بين كثير من خصائص اللغات الأخرى على مستوى جميع فروعها اللغوية، كما أنها (من منظور معالجة اللغات الإنسانية آليًا بواسطة الحاسب الآلي) جديرة أن تكون لغة عالمية. فبفضل توسطها اللغوي يسهل تطويع نماذج البرمجة المصممة للغة العربية، لتلبية مطالب اللغات الأخرى وعلى رأسها الإنجليزية.
انطلاقًا من عالمية الخطاب القرآني وعالمية لغته ينبغي إخضاع اللغة العربية للنظرية العامة التي تندرج في إطارها جميع اللغات الإنسانية، بل إن هذه العالمية تفرض أن تكون اللغة العربية من أوائل اللغات التي تنضم إلى حظيرة العموم اللغوي العالمي.
والله الموفق