وما دام في الأثر مقصدية؛ فقد اتَّجه البلاغيون للمعنى وجعَلوه في مقدمة اهتماماتهم، قبل أن يبحثوا في المباني (التراكيب)؛ ولذلك قيل: (لكلِّ مقامٍ مقالٌ)؛ فالمقام هو الذي يقتضي الحذف أو الذكر، والفصل أو الوصل، والخبر أو الإنشاء، ولهذا يتم التمييز في البلاغة بين ثلاثة أنماط أساسية من (المقصدية):
1- المقصدية الفكرية: وتضم مكونات متداخلة:
• المكون / الغرض التعليمي: التقديم الموضوعي للواقع دون استدعاء العواطف، كما في النصوص العلمية والإخبارية.
• المكون/ الغرض الحجاجي.
• المكون / الغرض الأخلاقي: ويتعلق بتعليم المجتمع الأخلاق، ويتضمن عناصر تعليمية وحجاجية، ودعوة إلى العقل، وانتقالًا من المقاصد الفكرية إلى المقاصد العاطفية في النصح الظاهر في جميع النصوص التعليمية.
2- المقصدية العاطفية المعتدلة: وتضم مكونينِ ينتجان انفعالًا خفيفًا (التعاطف)؛
• المكون الغائي: وغرضه الظفر باقتناع الجمهور.
• المكون غير الغائي: وغرضه هو المتعة الجمالية للجمهور.
3- مقصدية التهييج: وتكمن في البحث عن الانفعالات العنيفة التي تسيطرُ على الجمهور[27].
وما يؤكد الصفة الحجاجية للخطاب البلاغي، اختلافُ مستويات التلقي؛ فكل الأقوال المدعمة بمختلف الوسائل، ومن خلال مختلف الصيغ اللُّغوية، صالحةٌ أو مقبولة، على أساس أن تلك الأقوال وهذه الصيغ، هي أفعال كلامية لها وظيفة تأثيرية من خلال قوتها الكلامية، التي تظهر من خلال الطرائق المنطقية في البناء والربط والعَلاقات الاستدلالية التي يعدُّ الحجاج أبرز مظاهرها.
فالفعالية الحجاجية، باعتبارها فعالية خطابية، تتجسَّم لُغويًّا بمهارات أسلوبية وتأثيرات بلاغية، وَفْقَ شروط إبداعية، تجعلُها مكسوَّة بألبسة ذات جمالية، يتلبسها مسار الحجاج وعلاقاته الداخلية، ولهذا فمصلحة التأثير والإقناع تقتضي استعمال أساليب ومهارات البيان والتبيين، لتقوية الحجج والرفع من فعاليتها، فيكون النظر إليها من جانبينِ:
• باعتبارها ظواهر أدبية وخطابية.
• وباعتبار قيمتها الإقناعية؛ حيث يكمن الحجاج البلاغي الذي يتعدَّى نطاق الخطابة، ليصبح سعيًا لكسب تأييد المتلقي ليقبل ويوافق على القضية أو الفعل أو هما معًا[28].
ويدفعنا التفكير البلاغي إلى صياغة بعض الأسئلة من قبيل:
ألا يمكن قراءة الأدب باعتباره حجاجًا؟
ألا يمكن الاشتغال نظريًّا وتطبيقيًّا على مد الجسور بين الشعري والبلاغي؟
البلاغة العربية شأنها شأن البلاغات القديمة، لم تعتبر النص مكتفيًا بذاته، أو كلامًا يهم المتكلم فقط، بل تهتم بالنص الذي يتم توجيهه للآخرين، ولهذا عالجت نصوصًا وخطابات أدبية يحكمها القصد والوعي، مؤسِّسة روابط تقوم على التواصل بين الشعري والخطابي، بين التخييلي والإقناعي، وفي ذلك من الوصل بين المقاربة البلاغية والمقاربة الأدبية، وهذا ما يستدعي الكشف عن عدم استقلالية حقل الشعري والأدبي عن الرهانات الحجاجية للبلاغة، فليس الأدب منغلقًا على ذاته دائمًا، رغم أن له غائيَّته الخاصة، فالتصور الجمالي الخالص الذي يعتبر أن الأدب يرفض الاحتكاك بالواقع، منغلقًا داخل متعة جمالية خالصة، ليس إلا أحد التصورات الممكنة للنص الأدبي.
إن الاهتمام ببلاغة الخطاب الإقناعي يقترن بما يجري في العصر الراهن؛ حيث أصبح الإقناع أبرزَ إشكالية في عالم اليوم، ودراستُها مدعومة بالوعي بالحاجة إلى ثقافة التواصل والإقناع، فتقدير الحيوية التي استعادها علمُ البلاغة في العصر الراهن قاد إلى الاهتمام ببلاغة الإقناع، ومن أهم سمات هذه الحيويةِ الرهانُ على الاجتماعي؛ حيث أضحت البلاغة ذات أبعاد اجتماعية، فالبلاغة الجديدة جعلت العلائق الاجتماعية من أولويات انشغالاتها، معيدة الاعتبار للدور الذي تقوم به الأطر الاجتماعية من الناحية الإقناعية والحجاجية، معيدة النظر في مفهوم اللغة، على أنها خطاب أو شكل من أشكال الممارسة الاجتماعية.
فاللغة سيرورة اجتماعية ومشروطة اجتماعيًّا بالجوانب غير اللُّغَوية الموجودة في المجتمع، والخطاب متحدِّد بالبِنَى الاجتماعية، وما له من تأثيرات على هذه البِنَى، وما يرافق ذلك من تحوُّل واستمرار اجتماعي.
والاهتمام بالبلاغة والعودة إليها، هو إعادةُ الاعتبار للبعد الحجاجي، وتقنيات الإقناع المؤثرة؛ مما يقود إلى مفهوم ذي طابع نسقي للبلاغة، لا تنحصر بمقتضاه البلاغة في الأسلوبي والشعري، كما لا تنفصل في إطارها بلاغة الأسلوب وبلاغة الحجاج؛ فمنذ مرحلة تأسيس البلاغة العربية القديمة مع (الجاحظ)، إلى مرحلة الاكتمال والذروة مع (السكاكي) وبعده (حازم القرطاجني)، وهي ترومُ التأليف بين رافدينِ؛ أحدهما خطابي، والثاني شعري، وبلاغةُ الخطاب الإقناعي إشكاليةٌ شغلت التفكير الإنساني على امتداد الزمن، وهي إشكالية راهنة، فالمتن البلاغي يتشكل أساسًا من:
(كتاب البيان والتبيين للجاحظ).
و(كتاب البديع لابن المعتز).
و(كتاب الصناعتين للعسكري).
و(كتاب سر الفصاحة للخفاجي).
و(كتاب أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز للجرجاني).
و(كتاب مفتاح العلوم للسكاكي).
وغيرها من المؤلَّفات البلاغية القديمة، تسمح بقراءتها بطريقة تُغنِي التفكير البلاغي العربي المعاصر من جهة وتسهم في تسطير إجابة عن أسئلة من قبيل:
كيف ينبني الخطاب؟
ما مصادره ومراجعه ووسائله؟
ما وظائف الخطاب البليغ؟
وما علاقته بلغة الشعر والأدب؟
ثم: ما الدور الذي يقوم به المتكلِّم والمخاطَب والمقام في بناء الخطاب؟
لقد برز تحوُّل في النظر لمفهوم اللغة التي لم تَعُدْ تُدرَك باعتبارها نسقًا مستقلًّا بذاته مفصولًا عن الإنسان ومجتمعه وثقافته وتاريخه، بل أصبح النظر إليها باعتبارها خطابًا أو فعلًا لُغويًّا اجتماعيًّا؛ ولذلك فالبلاغي يُؤسِّس نظره للكلام على ركيزتينِ محوريتين: (تداولية) و(شعرية)؛ فالكلام من ناحية ينتج لتحقيق غاية ومنفعة، وهو من ناحية ثانية له جانبان مضموني، وصوري شكلي؛ مما يفيد أن الخطاب البليغ يضم مظهرًا أسلوبيًّا ومظهرًا حجاجيًّا.
ويقتضي الخطاب الإقناعي بعضَ الخصائص والشروط؛ منها:
أن تشمل البلاغة - بوصفها مفهومًا نسقيًّا - منطقةً يتقاطع فيها التخييل والحجاج، ودعم التوجُّه نحو التفكير في منطقة التقاطع بين الشعري والتداولي، بشكل يُتيح جعل البلاغة مستوعبة لعلوم الأدب واللغة وعلمًا عامًّا لِما هو شعري وخطابي.
ومنها التركيز على الفواعل الجوهرية المؤلفة لبلاغة الخطاب الإقناعي: المتكلم، النص، المخاطب، المقام.
فمنتج الخطاب له دورٌ في بناء الخطاب الإقناعي وتحقيقه لغاياته؛ فليس ذا وضع اعتباري نظري تصدر منه العمليات، كما أنه ليس ذاتًا لسانية، بل هو فاعل اجتماعي، له فعله الذي يفترض كفاءات في مقامات اجتماعية.
فإنتاج الخطاب يقتضي كفاءتينِ: (كفاءة إنتاج الخطاب) و(كفاءة إنجازه) في مقام اجتماعي ملموس، فلا بد من كفاءة قَبْلية لإنتاج خطاب بليغ، ولا بد من كفاءة بَعْدية تسمح بعملية إنجاز الخطاب وجعله كلامًا شفويًّا ملاحَظًا، تستثمر فيه إمكانات بلاغية تتمثَّل في الجسد والصوت والحركة واللباس، وهي الكفاءة التمثيلية التي لها دورُها في الإقناع؛ فالمنجِز البليغ هو الذي يستعمل البلاغات غير اللفظية، التي تتيح إمكاناتها التأثير والإقناع.
فمِن أجل إنتاج خطابٍ إقناعيٍّ بليغ، يحتاج المتكلم المنتج البليغ لأهم الكفاءات القبلية، وهي تتعلق بـ(الكفاءة اللغوية الأدبية)، و(الكفاءة الثقافية التداولية)، و(الكفاءة النفسية الانفعالية).
1 - فمؤلف اللغة يحتاج أولًا لمعرفة اللغة والعلم بأسرارها وإنتاج الكلام وَفْقَ أصولها وقواعدها اللغوية والأدبية، والقدرة الإبداعية الابتكارية لإنتاج الكلام البليغ.
2 - وتقتضي الكفاءة الثقافية التداولية أن يُدرِك مؤلِّف الخطاب ثقافةَ العالم الذي يخاطبه، مستثمرًا مكونات هذه الثقافة في عمليته التأثيرية والإقناعية.
3 - وتتوزَّع الكفاءة النفسية الانفعالية إلى كفاءتينِ، ترتبط الكفاءة الأولى بحالة المتكلِّم النفسية والانفعالية التي يستحسن أن يكون عليها عندما يكون مقبلًا على إنتاج الكلام البليغ، وتتصل الكفاءة الثانية بحالتِه النفسية المناسبة لكي ينجز الخطاب ويؤديه أمام السامع.
وتتأسَّس كفاءة الإنجاز على شروطِ الإنجاز البليغ ودورها في الإقناع؛ فالقيمة البلاغية للخطاب الإقناعي الشفوي، ترتقي بفضل بعض العناصر الأساسية كالاستفتاح والصمت والإيجاز وحسن الاختتام.
كما تقومُ ظروف الإنجاز بدور فعَّالٍ في بناء الخطاب الإقناعي، فعندما يُقدِّم المتكلم للسامعين نصًّا موجزًا، شديد الإبلاغ، جيد السبك والبناء، حسن الافتتاح والاختتام، تتوفَّر في أجزائه بلاغة الصمت والنطق، فيزداد تأثيرها وإقناعها، فتنساب في الآذان، وتحتفظ بها القلوب، وتتعلق بها الصدور.
ولا يتحدَّد الخطاب الإقناعي الشفوي، فيما يتم سماعه بل فيما يرى، فإنجاز العرض التمثيلي يتطلب القدرة على إنطاق الجسد، وجعله رمزًا معبرًا ومؤثرًا، مشيرًا إلى وظائف تواصلية إبلاغية، يُصبِح معها الجسد خطابًا رمزيًّا متصلًا بالخطاب الثقافي المجتمعي العام، قادرًا على التأثير والإخبار والإبلاغ.
وإذا كان النص يتحوَّل نفسه موضوعًا للاشتغال والتفكير، فهو أداة للفعل في سياق تخاطبي معين، وفعالية النص تتحدد فيما يتوفر في النص من خصائص، تمكنه من الفعل.
وقد اهتم البلاغيون بمكونات النص؛ ومن أهمها: (اللفظ)، و(النظم)، و(المجاز).
والشروط والقواعد التي تمكن المتكلِّم من حسن استعمال قوة شِعرية اللفظ الفياضة في التأثير والإقناع هو ما يُحدِّده علم البلاغة من خلال مصطلحات من قبيل البيان والفصاحة والبديع، فمع اعتبار شروط وقيم السياق الاجتماعية والثقافية عند استعمال شعرية اللفظ في الإقناع والتأثير؛ فاللفظ أساسٌ في الخطاب وقيمة نصية لها أهميتها.
لقد تم الانتقال في التفكير البلاغي من الاهتمام بشعرية اللفظ إلى الانشغال بمسألة النظم ووظائفه الشعرية والتداولية، فالتفكير في النص لم يَعُدْ من خلال اللفظ، بل من خلال التركيب، فمفهوم النظم يتم الجمع فيه بين النظر إلى اللفظ كمكون نصيٍّ داخلي من مكونات البِنْية النصية، وبين المنظور البلاغي الذي يعتبر بانزياحات النظم وشعريته، وبين المنظور التداولي الذي يعتبر فيه بالتأثير وقدرته على التعبير في مقام معين.
وبين وظيفية المجاز وتداوليته وحجاجية الاستعارة والتخييل، يعدُّ النص الشعري الموضوعَ المفضَّل للبلاغة العربية؛ فنجاعته وفعاليته في التأثير والتلقي هو ما يظهر في التركيز الشديد للتحليل البلاغي على النص الشعري المتعدد الوظائف؛ فالبلاغيُّ (عبدُالقاهر الجرجاني) لم يكن لينظرَ للنص من منظور شعري خالص، كما لم يقاربه من منظور تداولي مُقصيًا الشعري من دائرة اهتمامه، بل إنه يؤسس لتداولية نصية، تدرك النص الأدبي بوصفه قادرًا على تأدية وظائف يدعم فيها الشعري التداولي والتداولي الشعري، ففعالية النص البليغ، هي قدرته على تحويل الأشكال الصوتية والتركيبية والمجازية والاستعارية إلى مكونات تعتمد عليها البِنْية الحجاجية النصية القادرة على استمالة القلوب والنفوس وإقناع الألباب.
وإذا كانت النصوص باعتبارها نشاطًا يجري ويحدث، وذات مظهر غني، منتج للدلالات والتأويلات، فينبغي أن ننظر إلى حجاجية الاستعارة والمجاز والتخييل في علاقةٍ بالنظم والتركيب الذي يعم اللفظ، فرغم الارتباك الذي يخلقه الحجاج بواسطة التخييل، فمِن المفيد أن يتم فحصه ودراسته قصد إعادة إدماج التخييل في قلب البلاغة؛ لمعرفة الأنماط الحجاجية المحركة للأدب التخييلي، والكشف عن منطقة متمفصلة بين الفعالية المنطقية وسحر التصوير والتخييل والاستعارة والمجاز.
وبالإضافة لدورِ المقام في إنتاج الخطاب الإقناعي، انطلاقًا من محورية المبدأ الأساس في البلاغة (لكل مقام مقال)، ومراعاة الألفاظ والتراكيب للأغراض والمقاصد؛ فيبقى المخاطب ذا دورٍ في بناء الخطاب ونجاحه؛ فمراعاة حاله تفترض أن يأخذ المتكلِّم بعين الاعتبار ما يرتبط بمخاطَبِيه من الناحية اللُّغوية والاجتماعية والذهنية والثقافية والنفسية، فالمخاطب طرفٌ أساس في العملية الإقناعية؛ فليس هو غايةَ الخطاب فقط، بل إنه عنصر حتمي في تشكيله وبنائه.
وإذا كانت وظيفةُ البلاغة وصفَ الطرق الخاصة في استعمال اللغة، وتصنيف الأساليب وَفْقًا لمستوى تمكُّنها من التعبير عن الغرض تعبيرًا لا ينحصر في الإبلاغ، بل يمتد للتأثير والإقناع بالقول والإشراك في الإحساس، فغايتُها توفير الطرق الناجعة لبلوغ المقاصد، ولهذا فاللغة ليست وسيلةً للتعبير عن الأغراض الخارجية فحسب، وإنما هي منطقٌ حواري يقابل بين عالمينِ لُغَويين متباينين، وينحُوَانِ تدريجيًّا للتداخل فيما بينهما؛ لتبرز من ذلك لغة متجددة، تنطوي على معانٍ غير مسبوقة؛ وبهذا يكون الفهم المتحقق تفاهما.
البلاغة مظهر متقدِّم للوعي باللغة؛ أي لتأمل اللغة ذاتها؛ فنشأتها بوصفها مبحثًا قائم الذات هي الشهادةُ الأولى على التأمل في اللغة، واستعمالها في الإقناع.
وتصور البلاغة باعتبارها الإبلاغ الذي يؤثِّر ويفهم لتحقيق الاستمالة والإقناع، ينسجم وفن الخطابة، فتحقيق الاستمالة غاية مشتركة بين البلاغة العربية والخطابتين القديمة عند (أرسطو) والجديدة عند (بيرلمان).
لقد كان الغرض العاطفي محورًا في الموروث البلاغي، فالشاعر والخطيب يسعيان لإقناع الجمهور؛ حيث يكون الإقناع شيئًا خارج النص؛ أي فعل شيء ما، كما أن (مقصدية التهييج) تكمُنُ في البحث عن الانفعالات العنيفة؛ كالألم والحقد والخوف، والتي تسيطر على الجمهور، وتُحدِث تهييجًا وقتيًّا أو انفجارًا عاطفيًّا؛ مما يعني أن مِن أغراض البلاغة القديمة تعليمَ المستمع مجال الأخلاقيات؛ ويتضمَّن ذلك دعوةً للعقل، وتسجيلًا لعناصر الإرشاد والنصح.
ويقتضي التأثيرُ في الجمهور واستمالته الإبانةَ والوضوح واستعمال أساليب الإقناع، وهذا ما حدا بـ(الجاحظ) إلى اعتبار الشاهد والمثل مدار العلم، ولذلك تفترض البلاغة القديمة أن القائلَ لديه شيءٌ محدَّد معروف، يرغب في تأديته ونقله إلى السامع، ويلزمه انتقاء كيفية الأداء وإزاحة العقبات لعقد الصلة بينه وبين المخاطب وإقناعه والتأثير فيه.
وقد جعل البلاغيون - انطلاقًا من محورية مهمة الإقناع والحوار في جوهر البلاغة - الاستدلالَ من أساسيات علم البلاغة؛ فالبلاغي مُطالَب بتعلم فن الحوار الذي يقود للإقناع؛ أي فن الاتصال المستمر بالمتلقي، وعقد صلة متينة وحقيقية معه.
وبهذا يتجدد الاقتناع بأن قوة البلاغة في اتصالها بالإقناع، كما أن فهمَها في معناها النسقي العام يفتحُ آفاقًا خصبة، خصوصًا عند التركيز على منطقة التفاعل الذي يتم بين أطراف ثنائيات؛ من قبيل: المتكلم / المخاطب، النص / المقام، الشكل / المضمون، الحجة/ الصورة.
كما تعلم قوة البلاغة القراءة الفاحصة لمكونات النص الداخلية، والعَلاقات الممكنة بينها وبين العناصر الخارجية؛ أي المخاطب والمقام والسياق، وهي لا تسلم فحسب بالعَلاقات الحوارية الجدلية بين الداخل والخارج، بين النص والسياق، بل تدفع للاشتغالِ التطبيقي على ما للمكونات النصية من عَلاقة بالمقاصد والأغراض، والانتباه للثراءِ الإيحائي والتعدُّد الدلالي في الأصوات والألفاظ والصور والتراكيب، وقابليتها للاستعمال في سياقات ومقامات متعددة.
المقاربة الإشهارية:
يعد الخطاب الإشهاريُّ من أنواع الخطابات التي لها أهميتُها في الحياة الإنسانية؛ فهو يتصل بها بشكل مباشر، وبالإضافة لقيمتِه التِّجارية المرتبطة بالدعاية؛ فهو ذو قيمةٍ ثقافية وأخلاقية وحضارية، تهدف إلى ترسيخ إيديولوجية معينة لدى المستهلكين.
الإشهار مادةٌ إعلامية اتصالية، تقوم بوظيفة أساسية تتحدَّد في الإخبار والإعلام والتفسير والشرح، قاصدة المستهلكين الراغِبين في شراء السلعة، مزوِّدة إياهم بما يكفي من المعلومات عنها، وهو يعتمد وسائل اتصال تطورت من الطور الشفهي إلى الكتابي إلى استعمال الآليات الإلكترونية والرقمية؛ فهدف الإشهار هو توزيع وترويج السلعة، والزيادة في الربح عبر البحث عن حلول مناسبة (تعديل البيع عبر تخفيض الأسعار، لزيادة الإنتاج وتقليل التكلفة، وتحسين مستوى السلعة نتيجة للمنافسة).
وقد أتاح تطورُ التكنولوجيا وسائلَ كثيرة ومتنوعة للإعلام والاتصال، فالإشهار التليفزيوني استفادَتْ رسالتُه من التطورات التقنية، فتطورت أساليبه في الإخراج والإنتاج والتوزيع، مستفيدة من الفنون والعلوم الإنسانية؛ قصد إيجاد عَلاقة طيبة وإيجابية بين المستهلِك والسلعة حتى يهتمَّ بمضمون وتصميم وبناء الرسالة[29].
كما أنه من الوسائل الضرورية في البيع؛ فهو الواسطة التي يعرض من خلالها البائع بضاعتَه - سواء أكانت فكرًا أو سلعة أو خدمات - وبين الزبون المرتقب المضطر إلى استعمال تلك البضاعة في تدبير شؤونه اليومية، وهذا ما تمارسه المؤسسات الإعلامية، لا سيما الفضائيات التي تبثُّ رسالتها ضمن عوامل جذب مختلفة؛ فالحركة المثيرة تمتزج بالهدف الترويجي والأداة الدعائية في كِيان الرسالة اللُّغوية، التي تصبح بمثابة شيءٍ شخصي يتم بثه والدعاية له من قِبَل الأفراد الذين تلقَّوه من قبل[30].
ويتَّسِم الخطاب الإشهاري بطبيعته المتشابكة؛ فهو من جهةٍ خطابٌ يُوصَف بالنسيج اللُّغَوي، وهو من ناحيةٍ ثانية يتَّصِل بما هو خارج الخطاب اللساني؛ حيث القيم الاجتماعية والاقتصادية، وكل ذلك له دلالته في تحقيق الإقناع الذي ينبني على توجيه المستهلك وتعديل سلوكاته دون إجبار، في ارتباط مستمر بالمنافسة والاستثمار، وإستراتيجيات التسويق والإعلان؛ مما يجسد الحرص على استقلالية التفكير بالنسبة للفرد والمجتمع[31].
وبِنْية الخطاب الإشهاري تتشكل من نسقين؛ أحدهما (لساني)؛ حيث تكون العلامة اللسانية هي الأداة المهيمنة في التبليغ، والثاني (أيقوني) تكون العلامة البصرية أداته المحورية، وحضورهما معًا أو هيمنة أحدهما على الآخر، ينبني على قصد محدد، متوافق مع المقام الإشهاري.