عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 2 )
شمس
مشرفة
رقم العضوية : 2246
تاريخ التسجيل : Dec 2014
مكان الإقامة : القاهرة - مصر
عدد المشاركات : 9,077
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

شمس غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-11-2017 - 06:48 AM ]


6 - سؤال:

هل بدأ صوتُ تراثنا اللغوي والبلاغي والنقدي يعلو ليُسمَع على مدار الساحة العالمية أم إنه حضور في المؤتمرات والندوات، يتلوه غيابٌ على أرض الواقع الفعلي والتفاعلي؟

جواب:

الحقيقة أن المقولات السائدة في الخطاب البلاغي الحديث هي مقولات البلاغة الجديدة، وأن الخطاب المهيمِن اليوم هو الخطاب البلاغي الحديث، أما البلاغة العربية ذات العمق الفكري والخصائص الجمالية العالية فلا يَفهمها إلا ذووها من المتخصصين، وهي ذاتها تحتاج إلى جهود ثقافية لنقلها بمقاييس الخطاب الحديث إلى القارئ الغربي، وبيان مزاياها وحاجة اللسانيات والأسلوبية والسيميائيات إلى بعض القيَم الجمالية العالية التي اجتهدت البلاغة العربية في صنعها ووضعها، وهذه خطوةٌ لا يمكن أن تُخطَى إلا بوسائل التقريب؛ كالترجمة الدقيقة السديدة، التي تحترم شروط البحث العلمي، وكعقد الندوات والمؤتمرات التي تجمع بين ممثلي الجانبين لعقد محاورات في الإشكالات المعرفية الكبرى المشتركة.

ولكن هذا لا يمنع من الحديث عن الاستفادة بين التراث والحدَاثة، يمكن أن نتحدث عن حدود الاتصال بين النحو العربي والنماذج اللسانية المعاصرة، وبالضبط يمكن أن نتحدث عن إمكان استثمار أفكار النحاة العرب القدماء ونظراتهم، وتوظيفها في تطوير البحث اللساني.

ولكن ينبغي مراعاة المفارقة والانفصال بين اللغويات العربية القديمة واللسانيات الحديثة؛ فالنماذج اللسانية المعاصرة تندرج في إطار نظريات مضبوطة ببرنامج علمي محدد الأهداف،أما اللغويات العربية القديمة فهي جمهرة من المعالجات اللغوية المتعددة المستويات، والمتفاوتة من حيث العمق في الوصف والتحليل، والإجمال أو التفصيل، ولا بد من أخذ هذه الفروق بعين الاعتبار..

ولقد اجتهَد كثيرٌ من اللسانيين العرب المعاصرين في تقديم معالجات لسانية للنحو العربي خاصةً، وللتراث اللغوي والبلاغي والأصولي والكلامي عامةً، وقدموا قراءاتٍ لسانيةً واعيةً لهذا التراث في ضوء ما يناسبه من نماذج لسانية حديثة،وانطلقوا في هذه القراءة من منهجية محددة، وإطار نظري يوحِّد بين ظواهر الوصف والتحليل، من هذه القراءات نجد النحو الوظيفي التداولي الذي عده المشتغلون عليه إطارًا لسانيًّا صالحًا لمقاربة هذا التراث، واستكشاف النسق النظري العام الذي يؤطر علومه جميعًا على اختلاف مواضيعها، وتعدُّد مصنَّفاتها ورجالها، وخاصة أن عوامل نشأتها ومصادرها واحدةٌ، وهذا ما يفرض على قارئ هذا التراث أن يتناول علومه، لا على أنها مستقلٌّ بعضُها عن بعض، ولكن على أساس اعتبارها خطابًا متجانسًا يستمد مفاهيمه ومنهجه من جهاز نظري واحد – كما يقول أصحاب هذه المقاربة[2] – يركز على عناصرَ وظيفية تداولية رئيسة، منها: مقام الخطاب، ومنها: مقاصد المتكلم ونيته مِن وراء الخطاب، ومنها: أن وسيلة التخاطب في التراث الفكري العربي تجاوزَتِ المفردات والجُمَل إلى النص بوصفه وحدةً تواصليةً متكاملةً، ينتظم أجزاءَها موضوعٌ وغرَضٌ.

ومِن اللسانيين العرب مَن اجتهد في وضع نحو جديد للعربية المعاصرة، وذلك من خلال إمكان التطبيق للمبادئ النظرية لنموذج لسانيٍّ ما على اللغة العربية المعاصرة[3]، أو على أجزاء منها، ويؤدي هذا التطبيق إلى تغيير الوضع اللغوي، وإعداد المصطلحات الفنية، وإعادة النظر في أجهزة اللغة قصد تجديد التعبير بها، وإتاحة الفرصة للتطويع اللغوي، وإدماج مفاهيم حضارية وعلمية جديدة، وتناول مشاكل التعليم وتصميمه وبرمجته، وتحقيق الأهداف المتوخاة منه، ووضع الكتاب المدرسي، وتأليف المعاجم والكتب النحوية، واستثمار نتائج البحث اللساني في تعليم اللغة العربية، للناطقين بها وبغيرها، وتطبيق اللسانيات في تحليل أنواع الخطاب المختلفة، وتحليل الآثار الفنية، وتحليل الظواهر النفسية والمرضية المتصلة بالنشاط الكلامي، ومعالجة النصوص معالجةً آليةً حاسوبيةً، إلى غير ذلك مِن الميادين التطبيقية..

وهكذا نجد أنه قد أُحدِثَتْ طرقٌ جديدةٌ في تعليم العربية، منها: المقاربة الوظيفية التداولية، والمقاربة التوليدية من خلال بعض نماذجها التي تركز على البنية السطحية والبنية العميقة والتحويلات..ومعنى ذلك كلِّه أن العربية لغةٌ تتضمن طاقات تعبيريةً وتواصليةً هائلة، تمكِّنها مِن أن تعالج بمقاربات لسانية مختلفة تيسِّر تعليمها وإدماجها في السياق العام للمعرفة البشرية.

7- سؤال:

في القرن الرابع عشر كانت اللغة العربية تدرَّس في جامعة باريس، والآن نجد الفرانكفونية تحارِب اللغة العربية وتقدم اللهجات بديلًا؛ فلِمَ كلُّ هذا العداء وقد كانت بالأمسِ مرحَّبًا بها؟

جواب:

كانت اللغة العربية بالأمس تدرَّس في جامعات أوربا؛ لأنها كانت قبل ذلك لغةَ العلم والفكر والفلسفة، حتى بات مِن الواجب على مَن أراد أن يلتحق بركب البحث العلمي أن يتعلم اللغة العربية، فظلت العربية على حالها في القوة والهيمنة، على الرغم مِن ضعف المسلمين في الأندلس، وتراجع قُوَاهم، وتفكُّك صفوفهم، ولكن حملات الاستعمار بعد القرن الرابع عشر كسرَتْ قاعدة المرجعية العربية في أخذ العلم، ونقلَتْها إلى لغات أوربا بعد أن نقلت المصادر العربية والمخطوطات إلى الجامعات الأوربية الكبرى؛ للاقتباس منها، ولتأسيس علوم أوربية حديثة في مجال الطبيعيات والإنسانيات وغيرها؛ فالعداء الملحوظ صادرٌ عن النزعة الاستعمارية التي حرَصَتْ كلَّ الحرص على طمس معالم الحِقبة العربية الإسلامية في تاريخ العلم، وإلحاق العالم كله بأوروبا وأمريكا.

8- سؤال:

ذكرتم - دكتورنا الفاضل - في ملخص البحث الذي نشرتموه على صفحتكم في "الفيسبوك"، والذي شاركتم به في ندوة: "قراءة التراث الأدبي واللغوي في الدراسات الحديثة" بجامعة الملك سعود بالرياض، والذي حمل عنوان: "نحو قراءة إبستمولوجية معرفية للتراث النحوي العربي" ما يلي: (.. ومنهج القراءة المعرفية يُخرِج التراث اللغوي مِن جديد إلى حيز الوجود الثقافي المعاصر)،فإلى أي حد استطاعت القراءات الجديدة للتراث اللغوي أن تقدمه للغرب باعتباره متميزًا بأسسه وكينونته المعرفية، وليس مجرد استنساخ أو تابع للنظريات اللغوية الغربية؟

جواب:

القول الذي أوردتموه أعلاه إنما هو دعوةٌ صريحة للباحثين والمثقَّفين أن يعيدوا صياغة مسائلِ التراث وموادِّه وظواهره وَفْق الإشكالات المعرفية الحديثة؛ ليسهُلَ إدراكُه، ولإماطة الحواجز النفسية والتاريخية التي تراكمت عبر مئات السنين، والتي حالت بينه وبين بَنِيه قبل غيرهم، والحقيقة أن الإنجازات العلمية العربية في ميدان تحديث التراث وتقريبه وَفْق مقاييس المعرفة الحديثة لم تَرْقَ بالقدر المطلوب إلى المستوى الذي يعرِّفُ بالتراث ويجعله كيانًا ثقافيًّا معرفيًّا مشتركًا بين الأمم، وليس خاصًّا بالأمة العربية الإسلامية،لا بد من نشر التراث نشرًا علميًّا صحيحًا، وإخراجِه مِن مرحلة عدم المقروئية إلى مرحلة القراءة، ثم وصفه والتعريف بقضاياه وأعلامه وقيَمه، ثم يعقُبُ ذلك كلَّه مرحلةُ التفسير والتأويل، ووجهات النظر والمقاربات المعرفية المختلفة.

الحقيقة أن المرحلة الثالثة عرَفت إقبالًا كبيرًا من قِبَل الباحثين اللسانيين العرب؛ فقد اجتهدوا في مقاربة مسائل النحو العربي بأدوات تركيبية حديثة؛ كالعاملية، والربط، والبرنامج الأدنى، ومقاربة مسائل البلاغة العربية بمفاهيم؛ كأفعال الإنجاز، والاستلزام التخاطبي، وأفق الانتظار، وجماليات التلقي..فكان هذا الاجتهاد مقدمات للشروع في فتح أبواب التحاور بين قضايا التراث والمناهج اللسانية الحديثة.

9 - سؤال:

المؤتمرات والندوات اللغوية والأدبية ساحة لالتقاء المهتمين بهذا المجال، هل استطاعت الجامعة المغربية أن تستغل هذه التظاهرات؛ لتقدِّم مادة معرفية غنيَّة للطالب تفتح أمامه آفاق التقارب بينه وبين البحث العلمي؟

جواب:

دأبت الجامعات المغربية على تنظيم الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية منذ ثمانينيات القرن الماضي، في ميدان اللسانيات وقضايا التراث والمعاصرة، وقد أسهمت بحظ وافر في نشر الوعي بضرورة الالتحاق بالركب الغربي في ميدان اللسانيات، وهذا الأمر ساعَد على تطور الوعي اللساني والخطاب اللساني بالمغرب تطورًا ملحوظًا منذ ذلك التاريخ إلى يومنا، ودخل في الثقافة العلمية الجامعية وفي الأبحاث الأكاديمية، والحقيقة أن هذه المناسبات العلمية تساعد كثيرًا على تكوُّن معالم مدرسة لسانية رصينة استفادت من أخطاء البدء والمنطلقات، واستقرت على أعراف أكاديمية علمية متينة، وبدأت آثار العناية بالبحث اللساني قراءة وتأليفًا وتعليمًا وتعلُّمًا، تصيب باقي الميادين المعرفية والإبداعية في المغرب، فأصبحنا نشهد ظهور كتابات كثيرة في المعالجات اللسانية والسيميائية والتداولية للخطاب الأدبي وللإبداع، وخاصة البنية السردية في الرواية، وساعد اهتمام اللسانيات بالإبداع الروائي على ازدهار هذا الجنس الأدبي، وتشعُّب جوانبه، وتجاوبه مع قضايا المجتمع ومشكلاته.

10- سؤال:

لكم صفحة على "الفيسبوك" وعلى "تويتر"، وكذلك موقعكم "منتدى اللسانيات"، وتديرون منتدى مجالس الفصحى منذ ثماني سنوات، ولكم مدونة خاصة بكم كتبتم على جدارها الرئيس: "إقامة مشروع لغوي لساني عربي يُحيي التراث ويفيد من الجديد"، هل ترى دكتور أن تفاعل الأكاديمي واللغوي والناقد وكل مهتم بالمجال الأدبي والثقافي مع التقنية الرقمية ضرورة حتمية لنشر مشروعه المعرفي؟

جواب:

الحقيقة أن هذا الموضوع موضوع الساعة؛ لأن المعرفة شقت لها طريقًا جديدًا أسهل وأسرع وأضمن لمرور التواصل، وموضوع التواصل الشبكي أصبح من ضرورات الحياة العلمية والتواصلية؛ نظرًا لِما يشتمل عليه من أهمية علمية واجتماعية، لكن أكبر آفة وردت علينا من هذه الوسائل الجديدة آفة عدم التوثيق، وضياع الأمانة العلمية عند الأخذ والإحالة.. ذلك أن توثيقَ المعلومات منهجٌ علمي أكاديمي سليمٌ، ترتضيه الطباع السليمة والأخلاق الفاضلة، ومنهج البحث العلمي الرصين، يتعلق الأمر بتوثيق المعلومات؛ أي: إيرادها موقعةً باسم قائلها، منسوبةً إليه، مصحوبةً بمصادرها التي ظهرت فيها أول مرة، والغاية من ذلك أنه لا قيمة للمعرفة العلمية من دون تقديمها في إطار منهجي سليم وموثق، يطمئنُّ إلى مصادره وأصوله الباحثون، ويتصرفون باستثمار تلك المعلومات على أنها معلوماتٌ صحيحةٌ دقيقة، ويُنشِئون تخطيطًا علميًّا أو ثقافيًّا أو مهنيًّا على أساس تلك المعلومات الصحيحة الموثقة، فلا تخطيط بدون معلومات، ولا معلومات من دون توثيق، ولا توثيق من دون إحالات على المصادر الصحيحة السليمة والمنظمة، ولا شك في أن للتوثيق أهميةً كبيرةً في إدارة المعلومات المختلفة ومعالجتها وتداولها، لإنجاح البحث العلمي وتطوير المعرفة.

توثيق المعلومات بالطرق المنهجية الصحيحة يناط به جمع المعلومات بالطرق والوسائل كافةً، للاستفادة منها مِن أجل تحويل المعلومات إلى معرفة تساعد على تقدُّم العلم وتطوُّر المعرفة؛ فلا بد مِن احترام ضوابط التوثيق الصحيح السليم للنصوص أو الأقوال أو الأخبار؛ لجعلها صالحةً للتداول والاستعمال، وللاطمئنان على سلامة مصادرها،لا بد من أن نجعل من التوثيق ثقافةً لنا؛ انطلاقًا مِن أمر الله تعالى لنا بالتبيُّن قبل إيراد الخبر: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [الحجرات: 6].

أقول هذا لأن المعلومات أصبحت مستباحةً بين الناس، خاصةً على الشبكة العالمية؛ فمَن أراد أن يكون له رصيدٌ من المشاركات في المنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي وجدرانه فلا يكلِّف نفسه إلا الترامي على مشاركات الناس واقتباسها لنفسه، وكأنها من نتاجه، فيسارع القراء إلى ذِكره وشكره وحسن التنويه بجهوده، ولكنهم لو علموا بمصادر المعلومات التي ساقها لكان لهم معه شأنٌ آخر، ولا يكفي أن يقول الناقل: هذا موضوعٌ منقولٌ، لكي يبرِّئَ ذمته، ولكنه مطالبٌ ببيان مصدر الاقتباس؛ حتى يطمئن المستفيد أو القارئ إلى طبيعة المعلومة، أيستخدمُها لأغراض علمية أم لا تصلح لذلك؛ لأنها غير موثقة توثيقًا علميًّا سليمًا يجعلها تتداول ويصح نقلها ونقدها..لا بد أن يذكر الناقلُ كاتبَ المعلومات أو صاحبها، ومكان ورودها، سواء أكان المورد موقعًا أم منتدى أم غير ذلك، فإن كان موقعًا فليذكره، وليذكر اسم المنقول منه؛ حتى تبقى العهدة على المنقول منه، وتبرَأ الذمة.

ثقافة الشبكة العنكبوتية أمرٌ طارئٌ على عالم الثقافة والمرجعية العلمية، ولقد أصبح الباحثون الجدد ينشدون مراجعهم في هذا العالم الموازي الجديد، أو العالم الافتراضي الجديد، الذي غدَا يوازي عالم الواقع، من صفات هذا العالم المتصور أن كل مَن سجل نفسه في فضاء مِن أفضية الشبكة تمكن من الولوج فيه، وأُعطِيَ حق المشاركة، أو أعطي مساحةً أرضيةً وهميةً، غير أن المشاركين يتفاوتون في درجاتهم العلمية، ومستوياتهم الثقافية، فيحلو لكثير منهم أن يشاركوا بإجابات أو بمداخلات فارغة، ليس لها مِن المشاركة إلا الاسم..
وهذه كلمةٌ ينبغي أن تقال في حق المشاركات في المنتديات، وفي صفة التواصل الاجتماعي والثقافي، حتى نساعد على ترشيد هذا الضرب مِن التواصل العلمي وتعديله.


رد مع اقتباس