تتمة:
تلميذُنا العربيُّ مظلومٌ؛ لأنه يتعلَّم المعرفةَ بلغةٍ لم يُتقِنها ولا يُمارسُها إلا في أثناء القراءة والكتابة، وأعجَبُ وضع تربَويٍّ وأغرَبُه في تاريخ الأُمَم: أن تكونَ لغةُ الخطاب السائدَةُ في مدارسنا وجامعاتنا هي العاميَّة، ولغةُ الكتاب والدِّراسة: الفُصحى.
إذن طفلُنا العربيُّ يُفاجَأ عند دخوله الصفَّ الأوَّلَ في المدرسة أنه سيتَلقَّى المعرفةَ بلغةٍ غير لغته الأم التي أتقنها ورضعها مع لَبان أمِّه، وتشكل وجدانه وأحاسيسه وفقها، ويُواجِهُ من الساعات الأُولى خبراتٍ تربويَّةً غيرَ سارَّة.
وينتج عن ذلك: معاناةُ الطفل عندَ دخول المدرسَة وكراهيته لها ولما يتلقَّاه فيها. الطفلُ العربيُّ لا يُكافَأ على القراءة بفهم ما يقرأ، فيُصاب بالتَّواكُل الذِّهْني، إذ يشعر بعَجزه عن فهم الكلام المكتوب ما لم يُترجمه له أحدٌ إلى عاميَّته، فيكرهُ القراءة والكتاب. ويُضطرُّ مع تقدُّمه في سنوات الدِّراسة أن يلجأَ إلى الملخَّصات، وأن يعتمدَ على الحِفْظ بدَلَ الفَهْم.
حلول سقيمة:
إذن من أخطر ما تمخَّض عن هذه الحال من مخالفة الفطرة في التعليم في عالمنا العربي أمران:
الأول: عزوف الطفل العربي عن القراءة؛ فإنها تكلفه مجهودًا شاقًّا، ولا يفهم كل ما يقرأ، ومن ثَمَّ لا يستمتع بالقراءة، ولا يُقبِل عليها إلا مكرَهًا مضطرًّا عند أداء الواجبات المدرسيَّة والتحضير للاختبارات، فتستحكم الكراهية في نفسه للكتاب، حتى تتحوَّل إلى عداء وحَنَق، فإذا ما فرغ من أداء اختبارات نهاية العام عبَّر عن كراهيته للكتاب برميه في القمامة، أو دوسه بالأقدام، أو تمزيقه شرَّ تمزيق، أو الحكم عليه بالإعدام حرقًا!!
الثاني: صعوبة التحصيل المعرفيِّ والعلمي؛ لأن الطفل غيرُ متمكِّن من أداته، وهي اللغة التي يتلقَّى بها المعرفة والعلم، وهي الفصحى.
وحار التربويون وواضعو المناهج في الدول العربية في حل هذه المعضلة، وانتهَوا أخيرًا إلى معالجتها بحشد عدد كبير من حصص قواعد اللغة العربية وما يتصل بها في جميع المراحل الدراسية، ليرتقوا بمستوى الطالب في معرفة لغته! ولكنَّ هذه الحصصَ على كثرتها لم تصل بخريج المدرسة الثانوية إلى أدنى درجات الإتقان!
وقد عقد بعض الباحثين مقارنة بين عدد حصص اللغة العربية التي يتلقاها طلابنا العرب في الدول العربية، من الصف الأول المتوسط حتى الثالث الثانوي، وبين عدد حصص اللغة الإنكليزية في بريطانيا التي يتلقَّاها الطالب هناك في المرحلة ذاتها؛ فوجد أن عددها في الدول العربية يراوح بين 1050 و1250 حصة؛ في حين لا يزيد عددها على 580 حصة في بريطانيا؛ والفارق كما هو ظاهر يعادل ثلاث ساعات أسبوعيًّا، على مدار ست سنوات، يقضيها الطفل العربي في تعلم قواعد لغته وتعرُّف مبادئها؛ على حين تتاح للطفل الإنكليزي الفرصة لاستثمارها في دراسة موضوعات أخرى.
وفضلاً عن الفارق البيِّن في عدد الحصص هناك فارقٌ جوهري في طبيعة المادة المعطاة؛ ففي حين يقضي الطفل العربي معظم الحصص في تعلُّم القواعد والنحو والإعراب فإن الطفل الإنكليزي يقضيها في تحليل النصوص، واستخلاص الأفكار، والتدرُّب على أساليب التعبير وغيرها.
ولا غرابة بعد ذلك أن تكون فرص الطفل الإنكليزي في الإبداع أكبر من فرص قرينه العربي، وأن نجد في العرب عمومًا عزوفًا عن القراءة؛ في حين يُقبل الغربيون عليها، فنراهم يقرؤون في كل مكان (الحافلة، القطار، الطائرة، المتنزَّهات، أوقات الانتظار).
الحل الذي يقدِّمه د. الدنَّان:
لما كان الطفل في مَرحلَة الاكتساب الفِطريِّ للغة قادرًا على اكتساب أكثر من لغة، فإن الحلَّ لمشكلة التعليم يتجلَّى في إكسابِ أطفالنا اللغةَ الفُصحى لغةَ المعرفَة والتعليم والكتاب قبل دخول المدرسة، إلى جنب عاميتهم التي يتواصلون بها مع محيطهم.
وقد بدأ د.الدنَّان تجريبَ هذه الفكرة على ولَده باسل (من مواليد 1977م)، يتواصَلُ معه بالفُصحى دائمًا، وسائرُ أفراد الأُسرة بالعاميَّة... وحينَ بلغَ باسلٌ سنَّ الثالثة، كان يتحدَّثُ الفُصحى بطَلاقَة، مع إتقانه للعاميَّة.
وكان باسلٌ يُتَرجمُ من الفُصحى إلى العاميَّة (والعكس) بينَ أبيه وأمِّه [ما هذه؟ هذه بَيْضَة. شو هي؟ هَيّْ بِيْضَة، قُل لأمِّكَ تجهِّزُ نفسَها للذَّهاب إلى الحَديقَة. باسل: ماما، بابا بيئول جَهْزي حالِكْ لَنْرُوح عالجنِينِه. الأم: إلُّه يِسْتَنَّى شْوَيّ أنا مَشْغولِه، باسل: أمِّي تقولُ هي مَشغولةٌ الآنَ انتظِرها قليلاً...].
ثم كرَّر د.الدنَّان التجرِبَةَ مع ابنتِه لونَة (تصغرُ باسلاً بأربعة أعوام)، ونجحَت أيضًا نَجاحًا باهرًا. ومن أعظم ما استفاده باسل وأخته من إلف العربية وإتقان الفصحى: تعلقهما الشديد بالكتاب والقراءة، وقد بلغَ ما قرأه باسل في الصفِّ الثاني الابتدائي أكثرَ من 350 كتاب من كتب الأطفال.
من التطبيق الفرديِّ إلى الجماعي:
بعد نَجاح التَّجرِبَة انتقَلَ الدكتور الدنَّان إلى التطبيق الجَماعيِّ في رياض الأطفال، فأسس في عام 1988م بالكويت دارَ الحَضانَة العربيَّة، درَّب جميعَ المعلمين فيها على الحديث بالفصحى المعربة، واعتُمدَت لغةً وحيدةً للتواصُل طَوالَ اليوم الدراسيِّ، داخلَ الفُصول وخارجَها.
وفي عام 1992م أسَّسَ بدمشقَ روضةَ الأزهار العربيَّة، وطبَّق فيها طريقته نفسها، وقد نجحت الفكرةُ نجاحًا عظيمًا فاقَ التوقُّعات، واستطاعَ الأطفالُ إتقانَ الفُصحى والعاميَّة معًا، وكلُّ من يتخرَّجُ في هذه الرَّوضة يصبحُ صديقًا للكتاب، (يقرأُ الأطفالُ بلا خطأ مع فَهم تامٍّ ودقيق).
ثم كتب الله لهذه النظرية القَبول والرضا فانتشرت في عدد من البلاد العربية، على ما سيأتي، وشرع في تطبيقها عدد من الأفراد على أبنائهم في البيوت، ناسجين على نول أستاذهم رائد الفكرة، وكنت بفضل الله من أول من طبَّق النظرية على أولاده؛ إذ بدأت فيها مع ولدي أحمد مذ كان جنينًا في رحم أمه في شهره الخامس، وواظبت على ذلك حتى ولادته بتاريخ السادس من ربيع الأول 1419هـ، الموافق لـ 30/ 6/ 1998م، وما زلت مستمرًّا بالتواصل معه بالفصحى، وقد نجح التطبيق نجاحًا بيِّنًا عظيمًا، وأتقن أحمـد الفصحى إتقانًا تامًّا بالسليقة والفطرة، مع اكتسابه عددًا من العاميَّات من بيئته ومحيطه، وهي العامية الشاميَّة والسعودية والمصرية، وأثمرت بكرم الله هذه التجربة فوق ما كنت أتوقع وأؤمِّل من ثمار.
من أهداف نظرية الدنان:
• معالجة مشكلة الضَّعف العامِّ في إتقان اللغة العربية الفصحى.
• إنشاء جيل عربيٍّ مبدع محبٍّ للعلم باحث عن المعرفة.
• استثمار المرحلة التي يكون فيها دماغُ الطفل قادرًا على اكتساب اللغات بالفطرة.
• تعزيز حبِّ القراءة لدى الأجيال العربية لكي تنتهيَ الأمية المقنَّعة ويرتفع شعار "العرب أمة تقرأ".
• جعل المحادثة بالعربية أمرًا مألوفًا؛ لكي تصبحَ اللغة العربية قريبةً من القلوب محبَّبة للنفوس.
من ثمرات التواصل بالفصحى:
بعد ثلاث سنوات من تطبيق منهج د. الدنان في مدارس البسَّام الأهليَّة بالدمَّام: في عام دارسيٍّ واحد استعارَ أحدُ التلاميذ (136) كتاب، وقد ارتابَ أمينُ المكتبة في أمره، فاختبَرَه في بعض ما استعار، فإذا به يَعي كلَّ ما فيها.. وأقلُّ كتب استعارها طالب: (35) كتابًا، وقد قرأ طالبٌ في الصفِّ الثالث الابتدائيِّ قصَّةَ مدينتَين (بالعربيَّة) كاملة، وهي في نحو 200 صفحة، في حين أخوهُ الذي في الصفِّ الثاني المتوسِّط قرأ منها 4 صفحات فقط، ثم رماها.
ولعل من أهم ثمرات التواصل بالفصحى امتلاكَ الطفل العربي للذوق اللغوي السليم (الذائقة اللغوية)، ولا يتأتَّى هذا إلا بعد اكتساب صحيح للملكة اللغوية، فحين يكتسب الطفل الفصحى ويتشبَّع بأساليب الفصحاء، ويغرف من بيان البلغاء، وبلاغة الأبيناء، فإنه سيصل إلى مستوى راق من الإحساس بجمال العربية، وبهاء أساليبها، وروعة تراكيبها، وجلال نظمها، وعبقرية تعبيرها..
وسيعود ذلك عليه بخير جمٍّ عميم من قدرة على التعبير عن نفسه بأبلغ عبارة وأبين أسلوب، وستنشأ رابطة حبٍّ وهُيام عميقةٍ متينة بينه وبين لغته، تدفعه إلى أن يتخذ الكتابَ خِدنًا ورفيقًا، لا يجد راحة النفس وطمأنينة البال إلا برفقته وتقليب صفحاته، ولا يخفى ما للإنسان القارئ من مزية ومنزلة عالية هيهات يدركها من لا يقرأ.
وتحصيله لهذه الملكة يطوي له المفاوز الشاسعة في تحصيل المعارف والعلوم، ويردم الهُوَّة العميقة القائمة بينه وبين كتاب ربِّه، ويزلفه من تراث أمَّته، ويربطه بتاريخ عريق جليل متطاول. فيستوي بعد ذلك على سوقه فتى عربيَّ الهوى والوجدان واللسان.
ثم يفوز بأجزل مكافأة يحصِّلها مسلم، يفوز بشعور مرهف وإحساس دقيق بإعجاز القرآن الكريم، وأنه نمط فذ من الكلام، دونه كل قول وكلام مهما علا في سماء الفصاحة والبيان.
وإذًا، تتلخَّص الغاية من إكساب أبنائنا العربيةَ الفصحى، وتنمية الذَّوق اللغوي عندهم بتحقيق المكاسب والثمرات المستقبليَّة الآتية، وهي مكاسبُ بلا شكٍّ عظيمة:
1- اكتساب القدرة على التعبير عن النفس تعبيرًا دقيقًا مُحكَمًا.
2- نشوء علاقة حبٍّ حميمة مع العربيَّة لغة القرآن.
3- انعقاد أواصر صداقة دائمة مع الكتاب.
4- التفوُّق والتميُّز في التحصيل العلمي والمعرفي والثقافي.
5- المَيل والتعلُّق المتين بتراث الأمَّة الجليل، وتاريخها المشرق النبيل.
6- امتلاك شخصيَّة أصيلة سويَّة منتمية انتماء حقيقيًا صادقًا إلى العروبة والإسلام.
7- الإحساس المُرهَف والشعور العميق بإعجاز القرآن الكريم، وأنه فوق كلِّ بلاغة وبيان، وأنه مُفارقٌ لجنس كلام البشر.
نماذج من إدراك بعض الأطفال الفصحاء لطرف من إعجاز القرآن:
• قصَّة باسل: عندما كان في الثالثة والنصف من عمره قرأ له أبوه د.الدنَّان سورةَ النازعات، فكان يسمعها بتأمُّل وإصغاء غريبَين، وحين فرغ الأبُ من الترتيل سأله: ماذا سمعتَ؟ فأجابَ: لا أدري، ولكنَّه كلامٌ حُلوٌ جَميل!
• وأخته لونَة: حينما كانت في السادسة من العمر لوحظت تتنَحَّى جانبًا من البيت وتُردِّد ما تحفَظُه من قصار سور القُرآن، سألها أبوها عن سَبب فعلها؟ فقالت: أنا أُحسُّ أنه أحلى من كلِّ الكلام!
• قصَّة ولدي أحمـد (عندما كان ابنَ سنتَين): تمييزُه القُرآنَ من الدُّعاء، في موقف بديع طريف. و(عندما كان ابنَ 3 سنوات ونصف): كان منشَغلاً باللعب، وأمُّه بجواره تُصْغي إلى تَرتيل للقُرآن من (المسجِّلة) ومرَّ قولُه تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18] فانتفَضَ وقال: كذَبوا.. كذَبوا ! وفي (السنة السادسة من عمره): سألني: أيهما أقوى النسر أم الصقر؟ أجبته: لا أدري! فقال: أظنُّ يا أبي أن الصَّقر أقوى، انظر إلى كلمة (صقر) قوية، أما كلمة (نسر) فضعيفة. [يتذوق بناء الكلمة وحروفها ويميز القوي منها والضعيف]!