عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
عبدالله بنعلي
عضو نشيط
رقم العضوية : 1630
تاريخ التسجيل : Apr 2014
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 6,053
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال :

عبدالله بنعلي غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 06-07-2017 - 11:46 AM ]


تتمة :
2 - توسيع الرؤية للرشدية: حاول د. أحمد شحلان أن يقدم رؤية جديدة للرشدية من خلال هذه المجتمعات الثلاثة، وأن يكون ذلك من خلال المجتمع اليهوديّ، ومن خلال قراءة خاصة لشراح أبي الوليد من العلماء اليهود. ويبدو أن غالبية الرُّشديِّين اقتصروا في رشديَّتهم على المجتمع العربيّ الأندلسيّ، وبعضهم على المجتمع اللاتينيّ.
ويرى الباحث أن الترجمات العبريّة الرشدية هي التي تكشف عن الصراع الفكريّ ( العَقَديّ الجدليّ) في الغرب الإسلاميّ وكذا في مشرقه، وهو ما عجزت المصادر التقليديّة عن بلورته والتأريخ له، فخفت صيت ابن رشد وأربك هذا الخفوت المؤرخ والباحث.
3 – كانت الرشدية تتطلع إلى تصحيح مسار التفكير النظري في المجتمع الإسلامي. فإذا كانت العامَّة ترى أن الأصل الثابت هو القرآن ولا حاجة إلى الفلسفة، وأن القرآن الكريم يدعو إلى النظر العقليّ، ووجد أن الفِرَق والمذاهب الإسلاميّة أوقعته في تأويلات خاطئة؛ فإنه يرى أن أمر تأويل القرآن الكريم ينبغي أن يسند إلى الفلاسفة؛ لأنهم وحدهم أقدر على فهم باطنه وتأويله التأويل الصحيح، وإذا تعذر ذلك فإنهم يسلمون بالظاهر.
وفلسفة أرسطو التي تمثل قمة العقلانيّة وبنائها للعلم على أساس الكليات؛ هي بدورها تعرضت للتشويه على أيدي الشراح اليونانيين وعلى يد المترجمين السريان والعرب، وعلى يد الفارابيّ وابن سينا. ففلسفة أرسطو تحتاج بدورها إلى الكشف عن حقيقتها.
وهكذا سارت كتب ابن رشد في أربعة مسارات:(1) نصوص عربيَّة متواضعة التحقيق(2) نصوص لاتينية لها قيمة تاريخية (3) ترجمة عبريّة مثلت دور الوساطة (4) ترجمة حديثة لمن يهتم بالفلسفة تاريخا ومضمونا [1/23].
4 - مشكل العقل والنقل وكتاب (فصل المقال): ما حقيقة ما أثارته فلسفة ابن رشد، وما كان سبب محنته، حتى تنكَّر له السلطان، كما تنكَّر له تلامذته؟ وما كانت خلفيات الصدام بين الطوائف اليهوديّة في الأندلس وغيرها، وبين رجال الكنيسة ومتأدِّبة اللاتين؟[1/121].
لاحظ د. أحمد شحلان أن« مشكل العقل والنقل من اكبر القضايا وأعوصها لذى الطوائف على اختلاف منابتها» [1/14].
واتضح لديه أن كتاب (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)، أصبح « أهم عِلْم تقصر دون علمه علوم البيعة، ويبعث الشك في رواء التلمود، ويقرب الفيلسوف الأول لينافس موسى، خصام عنيف يلهب نار فريقي الرِّبيين والعلمانيِّين المتأدِّبين اليهود، ويُحدث رجات سياسيّة فكريّة هزَّت الطوائف في ذاتها، وهزت حولها رجال الكنيسة الذين وصموا اليهود بتهمة نشر بذرة الزندقة والكفر؛ أي آراء ابن رشد»[1/21].
وكتاب (فصل المقال) عبارة عن رسالة موجهة إلى من تبحر في علوم الدين وعلوم الأوائل، ممن توافر فيهم ذكاء الفطرة والعدالة الشرعيّة؛ فيتفق لديهم العقل والنقل في النظر إلى العلوم الشرعيّة. وقسم الناس طبقات:
الخَطَابيون ( عمة الناس أو الجمهور)
الجَدَليون ( ارتفعوا عن الجمهور في تفكيرهم)
البرهانيُّون ( الراسخون في العلم، أهل التأويل)
وهدفه أن يبين أن فهم الشرع ميسَّر للكل كل حسب عقله وفهمه. والفهم النظريّ ضرورة من ضرورات الإسلام.
وعلى كل، فإنَّ قول ابن رشد بضرورة فصل الدين عن الفلسفة قاد بعضهم إلى القول إنه يميل إلى ضرورة فصل الدين عن الدولة.
كلمة في الأخير:

لأعمال د. أحمد شحلان مكانة خاصة في قراءة المخطوط العبريّ والتعريف به، وترجمة بعض نصوصه، وتقريب ما في التراث العبريّ من قضايا فكريّة وفلسفيّة. وجاءت جهوده بمثابة أعمال حفريَّة في الثقافتين العربيّة والعبريّة. ولعله أول باحث مغربيّ قدم رؤية علميَّة واضحة عن الحضور الثقافيّ لليهود في تاريخ الثقافة الإسلاميّة عامة وبالأندلس خاصة.
كما كشف بوضوح عن أجواء التسامح الإسلاميّ التي جعلت العنصر اليهوديّ في قلب القرارات السياسيّة، وجعلته يُثري ثقافته، بانفتاحه الكامل على التراث الإسلاميّ وعلومه؛ وفي ضوء ذلك عرفت الثقافة اليهوديّة تطوراً ملحوظا في المجالات المعرفيّة؛ فانتقلت كثير من مصادر التراث العربيّ إلى الحرف العبريّ من جهة، وتمَّ الإبقاء على بعض منها في حرفه العربيّ. وبهذا انصبت جهود د. أحمد شحلان للكشف عن فاعلية التأثر والتأثير بين الثقافتيْن: العربيّة والعبريّة.
وجاء مشروع د. أحمد شحلان متساوقاً مع عودة ابن رشد إلى الحياة العلميَّة في العصر الحديث، مع عناية منقطعة النظير بفلسفته، وبرصد أعماله، وإخراجها إخراجاً علميّاً يتناسب مع نفوذه العلميّ في البحوث والدراسات الحديثة، وإقامة عشرات الندوات في العالم حوله. وستظل أعمال د. أحمد شحلان إضافة حقيقية إلى التراث الإنسانيّ، في مرحلة دقيقة من التاريخ، وسيظل فضله ماثلا بما فتحه من آفاق جديدة في إعادة قراءة فكر ابن رشد، وإعادة النظر في الرُّشديَّات، وكسر حاجز الحساسيات بين التراث العربيّ والتراث العبريّ. وسيظل السّي أحمد ممن نفخر بهم ونعتز بوجودهم في الحقل العلمي العربي والإسلامي، ونباهي بهم جلة الباحثين في التراث الإنساني عامّة.

[نشر ضمن الأعمال المهداة إلى أحمد شحلان في ذاكرة أصفيائه، بعنوان: أيوب دليل الأنبياء الآخر، جمع وتنسيق: مولاي المأمون المريني – ربيع 2013م، ص41 - 54].
















[1] ابن رشد والفكر العبري الوسيط، فعل الثقافة العربية الإسلامية في الفكر العبري اليهودي – ط1[ المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 1999م] - :1/22 – ملاحظة: الأرقام الواقعة بين معقوفين تحيل إلى هذا المصدر.
[2] جورج فاجدا Georges Vajda (1326 - 1401 هـ / 1908 - 1981 م) مستشرق فرنسي يهودي. من آثاره: «المدخل إلى التفكير اليهودي في القرون الوسطى» و «مذهب يحيى بن فاقوذا» و «دراسة في تاريخ الخط العربي».

[3] مجمع البحرين من الفينيقية إلى العربية، دراسة مقارنة في المعجم واللغات العُروبية (السامية)، ص13 – ط1[ دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط : 2009م].
[4] مجمع البحرين من الفينيقية إلى العربية: د. أحمد شحلان، ص25
[5] مجمع البحرين من الفينيقية إلى العربية، ص91
[6] مجمع البحرين من الفينيقية إلى العربية ، ص243
[7] مجمع البحرين من الفينيقية إلى العربية، ص352
[8] " تلخيص كتاب النفس لأرسطو" لابن رشد: مخطوط بحروف عبرية، وصف واستفهام، ضمن : أعمال ندوة ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي، بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد، ص143
مرسلة بواسطة عباس أرحيلة abbas arhila في السبت, سبتمبر 12, 2015
التسميات: أعلام وآثار مغربية


رد مع اقتباس