عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 3 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-28-2017 - 10:08 AM ]


ثانيا: باب ما يجوز أن يكون حرف روي وما لا يجوز أن يكونه:
يجمع هذا الباب ما جاء في بابين عند سيبويه، الأول عنوانه "باب تفسير القوافي في الإنشاد واختلاف العرب في ذلك"، ولم يرد هذا العنوان عند ابن عبد ربه، والثاني "تفسير ما يجوز أن يكون حرف الروي مما لا يجوز أن يكونه"، وهو عند ابن عبد ربه بالعنوان المذكور أعلاه. وكان سيبويه قد بدأ الباب الثاني منهما بالقول : "فكل حرف من حروف من حروف المعجم يجوز أن يكون حرف الروي، إلا الهاء في طلحة وشهدة، والإضمار في غلامه وداره وأشباه ذلك، وإذا جاء الهاء لتبين بها حركة الزاي من اغزه والميم من ارمه، فهذه الهاءات لا يكن إلا وصلا لأنها لحقت الاسم بعد تمامه، ولأنها زيادة، لأنه إذا قال (غلامه) و(داره) جرى الإعراب على ما قبل الهاء، فلما اجتمع ذلك فيها منعت أن تكون حرف الروي".
أما ابن عبد ربه فاختصر ذكر هذه الهاءات في تهذيبه لهذه الفقرة قائلا : "اعلم أن حروف الوصل كلها لا يجوز أن تكون رويا، لأنها دخلت على القوافي بعد تمامها، فهي زوائد عليها، ولأنها تسقط في بعض الكلام". ثم أعاد هذا القول في آخر المبحث، حين أراد أن يسهب بعد الاختصار، قائلا : "وأما قولك ارمه واغزه، فلا تكون الهاء ههنا رويا، لأنها لحقت الاسم بعد تمامه، ولأنها زوائد فيه وأنها دخلت لتبين حركة الزاي من اغزه والميم من ارمه، وقد تكون تدخل للوقف أيضا".
ثم تحدث سيبويه عما يكون قبل الهاء، حين تكون أصلية، فإذا كان متحركا نحو (منبه) و(أبله) فإنها تجوز وصلا ، والأحسن أن تكون رويا، كما قال . بينما يرى ابن عبد ربه أنها لا تكون إلا رويا فقط، والشاهد الذي اتفقا عليه هو:

قالت أبيلى لي ولم أسبه
ما السن إلا غفلة المدله

وقال سيبويه فيما تكون فيه الهاء رويا : "فأما إذا سكن ما قبل الهاء، فلا يكون ما قبله ساكنا، ويشبه هذا به، وذلك مثل (وجه) و(وجيه)، لا تكون الهاء فيهما إلا حرف الروي". ولم يجئ بشاهد على ذاك غير هاتين القافيتين، وأما ابن عبد ربه فاستشهد بالبيتين التاليين :
أصبحت الدنيا لأربابها
ملهى وأصبحت لها ملهى
كأنني أحرم منها على
قدر الذي نال أبي منها

ومن مظاهر التهذيب عند ابن عبد ربه في هذا المبحث أن يحذف ما لا يجد فائدة من ذكره، نحو قول سيبويه فيما جاء من الألف حرف روي: "وسمعنا من العرب من ينشد هذين البيتين:

بالخير خيرات وإن شرا فا
ولا أريد الشر إلا أن تا
يريد: وإن شرا فشر. إلا أن تا، أي تأبى، جعل الألف حرف الروي، فتزعم أنه أظهر الفاء كلها والتاء، ولم يرد أنه يصل الفاء بحرف المد، ولكنها ألف التاء، فهي من نفس الكلمة .... إلى أن بلغ قوله: وأما ياء قرشي وثقفي ...." .
وينقل ابن عبد ربه في هذا الباب قول سيبويه: "ومما لا يجوز أن يكون رويا، الحروف المضمرة كلها، لدخولها على القوافي بعد تمامها، مثل اضربا ، واضربوا ،واضربي، لأن ألف اضربا لحقت اضرب وواو اضربوا لحقت اضرب وياء اضربي لحقت اضرب بعد تمامها، فلذلك كانت وصلا، ولأنها زائدة مع هذا في الفعل مثل قول الشاعر:
لا يبعد الله جيرانا تركتهم ** لم أدر بعد غداة البين ما صنع
يريد ما صنعوا. ومثله:

يا دار عبلة بالجواء تكلمي ** وعمي صباحا دار عبلة واسلم
يريد: واسلمي، فجعل الياء وصلا، وبعضهم جعلها رويا على قبح ". ولكن ابن عبد ربه لم يجد شاهدا في هذا الباب يستشهد به، فاختار شاهدين من الباب الذي سبقه وهو "باب تفسير القوافي في الإنشاد واختلاف العرب في ذلك "، وهما قوله:
ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

ومثله:
هجرتك بعد تواصل دعد
وبدا لدعد بعض ما يبدو

ونصل في هذا الباب إلى ما صرح به ابن عبد ربه في نقله عن سيبويه، قال : "قال سيبويه: وإذا قال الشاعر تعالي أو تعالوا لم تكن الياء والواو إلا رويا، لأن ما قبلهما انفتح، فلما صارت الحركة التي قبلهما غير حركتهما ذهبت قوتهما في المد وأكثر لينهما، وكذلك اخشي واخشوا وكل ياء انفتح ما قبلها، وكذلك هذه الياء والواو إذا تحركتا لم تكونا إلا حرف روي، لذهاب اللين والمد وكذلك قوله: رأيت قاضيا وراميا وأريد أن تغزو وتدعوا في قافيتين من قصيدة". وكان ابن عبد ربه قد صحف في قوله (وأكثريتهما) ، وإنما هما كلمتان: (وأكثر لينهما) كما في إحدى نسخ كتاب الفصوص، التي لم يعتمدها المحقق نسخة رئيسية.

ثالثا: باب عيوب القوافي (السناد والإيطاء والإقواء والإكفاء والإجازة والتضمين):
هذا باب وضعه ابن عبد ربه وحشاه بما تفرق ذكره عند سيبويه من عيوب القوافي في أبواب أخرى. وقد بدأ ابن عبد ربه هذا الباب بالسناد فنقل عن سيبويه أوجه السناد الثلاثة مستشهدا بأمثلته نفسها، (زاد على الوجه الثاني شاهدا آخر من المتقارب) واصفا الوجه الأول باختلاف الحذو، والثاني باختلاف التوجيه في الروي المقيد، والثالث بأنه إدخال حرف الردف ثم تركه. ولم يقل سيبويه عن هذا الأخير إنه وجه من السناد، معتبرا إياه قبيحا فقط، ثم قال : "وأما إذا جاء بالردف في بيتين باختلاف فهو سناد، وهو أحسن من هذا". ولم يكن سيبويه في تناوله لهذه العيوب قد سار على النهج الذي وجدناه لاحقا عند ابن عبد ربه، وذلك أنه كان قد بدأ أولا بالإقواء والإكفاء ثم السناد فالإيطاء والتضمين ليعود أخيرا إلى الإيطاء ويخصه بمبحث مطول نوعا ما.
وأما الإجازة فلم يذكرها سيبويه، وما نقله ابن عبد ربه منها موجود بنصه في كتاب القوافي للتميمي كذلك .
ولم ينقل ابن عبد ربه كلامه في الإقواء والإكفاء خالصا من كتاب سيبويه وحده، وإنما أشرك معه كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة، وإن لم يصرح بذلك، قال ابن عبد ربه : "وأما الإقواء والإكفاء فهما عند بعض العلماء شيء واحد، وبعضهم يجعل الإقواء في العروض خاصة دون الضرب، ويجعلون الإكفاء والإيطاء في الضروب دون العروض، فالإقواء عندهم أن ينتقص قوة العروض فيكون (مفعولن) في الكامل، ويكون في الضرب (متفاعلن) فيزيد العجز على الصدر زيادة قبيحة، فيقال: أقوى في العروض، أي أذهب قوته، نحو قول الشاعر:

لما رأت ماء السلى مشروبا ** والفرث يعصر في الإناء أرنت

ومثله:
أفبعد مقتل مالك بن زهير ** ترجو النساء عواقب الأطهار

والخليل يسمي هذا المقعد، وزعم يونس أن الإكفاء عند العرب هو الإقواء، وبعضهم يجعله تبديل القوافي، مثل أن يأتي بالعين مع الغين، لشبههما في الهجاء، وبالدال مع الطاء، لتقارب مخرجيهما، ويحتج بقول الشاعر:
جارية من ضبة بن أد
كأنها في درعها المنعط

والخليل يسمى هذا: الإجازة.
وأبو عمرو يقول: الإقواء اختلاف إعراب القوافي بالكسر والضم والفتتح، وكذلك هو عند يونس وسيبويه".
وأما الإيطاء فقد رأى ابن عبد ربه أن سيبويه تناول الحديث عنه في موضعين من كتابه، الأول حين بدأ بتعريفه تعريفا مختصرا، والثاني تحت عنوان مستقل هو "تفسير الإيطاء" فجمع ابن عبد ربه هذين الموضعين المتباعدين في تهذيبه وكان ما نقله منهما لا يزيد عن قوله: "وأما الإيطاء، وهو أحسن ما يعاب به الشعر، فهو تكرير القوافي، وكلما تباعد الإيطاء كان أحسن، وليست المعرفة مع النكرة إيطاء، وكان الخليل يزعم أن كل ما اتفق لفظه من الأسماء والأفعال، وإن اختلف معناه، فهو إيطاء، لأن الإيطاء عنده إنما هو ترديد اللفظتين المتفقتين من الجنس الواحد، إذا قلت للرجل تخاطبه: أنت تضرب، وفي الحكاية عن المرأة: هي تضرب، فهو إيطاء. وكذلك في قافية: أمر جلل، وأنت تريد تعظيمه، وهو في قافية أخرى: جلل، وأنت تريد تهوينه، فهو إيطاء.

وقال سيبويه عن آخر هذه العيوب عنده : "وأما المضمن فهو أن لا تكون القافية مستغنية عن البيت الذي يليها، نحو قوله:
وهم وردوا الجفار على تميم ** وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواطن صادقات ** أتينهم بنصح الصدر مني

ثم قال: وهذا معيب، لأن البيت الأول معلق بالثاني لا يستغني عنه".
وهو ما نقله ابن عبد ربه بشكل شبه حرفي .

رابعا: باب ما يجوز في القافية من حروف اللين:
كان عنوان سيبويه لهذا المبحث هو: تفسير ما يلزمه أن يكون في قافيته حرف المد مما لا يلزمه ذلك فيه، فذكر ابن عبد ربه في تهذيبه أولا أنه لا فرق بين المد واللين، لا سيما وقد رأى سيبويه يستخدم في آخر المبحث مصطلح اللين وحده. وقد نقل كلام سيبويه في كتابه مختصرا، بقوله: "اعلم أن القوافي التي يدخلها حروف المد، وهي حروف اللين، فهي كل قافية حذف منها ساكن وحركة، فتقوم المدة مقام ما حذف .
ومن هذا النقل الدقيق عرفنا أن ناسخ كتاب الفصوص قد صحف ثلاث مرات في قوله: "وإنما يلزم حرف المد من القوافي ما حذف منه ساكن أو حركة، فأما أكثر من ساكن أو حركة فلا، لأن المدة لا تبلغ قوتها أكثر من أن تقوم مقام ساكن أو حركة، لأنها كأنها حركة ".
ولكن تحري الدقة لم يمنع ابن عبد ربه في نقله من تخطي بعض العبارات مراعاة لقصده من التهذيب، وهو أن يحصر القول فيما جاء عن الخليل وحده، ولذلك حذف قول سيبويه : "وهو في قول من لم يثبت الدوائر مسكن عن "فعلن" في حديثه عن البسيط ، ثم حذف نحوا من ذلك في حديثه عن الوافر بعد البسيط.
وفي بحر الكامل اختصر ابن عبد ربه كلام سيبويه، بقوله: "وأما الكامل فيدخل فيه حرف اللين في (فعلاتن) المقطوع، وفي (متفاعلان) المذال"، فكشف لنا بتهذيبه ذاك عن تصحيف وتحريف، من قبيل السهو، وقع فيهما ناسخ كتاب الفصوص عند قوله: "ويلزم (متفاعلن) في الكامل لأنه حذف من (متفاعلاتن)"، فلا شك أن أصل العبارة في الكتاب كان: "ويلزم (متفاعلان) ...".
وبعد الرجز قال سيبويه: "وأما الرمل فيلزم (فاعلان) المد لأنه ناقص من (فاعلاتن)، وأما (فاعليان) فحاله كحال (مستفعلان) فيما ذكرت لك " فلم يذكر قوله في (مستفعلان) هنا، اجتزاء بقوله السابق في (مستفعلان) في البسيط ، وكذلك صنع ابن عبد ربه نحو ذلك في قوله المختصر: "وأما الرمل فيلزم (فاعلان) وحدها، لالتقاء الساكنين"، مؤكدا بقوله (وحدها)، وكان بإمكانه أن يحيل إلى ما سبق ذكره في هذه المبحث.
وأما السريع والمنسرح فذكر فيهما ابن عبد ربه (فاعلان) و(مفعولات) ولم يشر إلى (مفعولن) لأنه لا يلزمها المد، كما قال سيبويه.
فإذا وصل ابن عبد ربه إلى المضارع والمقتضب والمجتث نقل قول سيبويه المختصر نقلا حرفيا بلا تغيير، وأخيرا نقل قوله في المتقارب مختصرا، مترددا على طول هذا المبحث بين الاختصار والنقل بتصرف حتى يصل إلى قوله الذي نسبه صراحة إلى صاحب الكتاب المهذب، قال: "قال سيبويه: وكل هذه القوافي قد يجوز أن تكون بغير حرف مد لأن رويها تام صحيح على مثل حاله بحرف المد، وقد جاء مثل ذلك في أشعارهم، ولكنه شاذ قليل، وأن تكون بحرف المد أحسن، لكثرته ولزوم الشعراء إياه، ومما قيل بغير حرف مد:
ولقد رحلت العيس ثم زجرتها ** قدما وقلت عليك خير معد

وقال آخر:
إن يمنع اليوم نساء تمنعن

أما قول سيبويه الفعلي كما ورد في كتابه فجاء كما يلي: "وكل هذه القوافي قد يجوز أن تكون بغير لين لأن البناء دائم صحيح على مثل حاله بحرف اللين، وقد قالوا بعض ذلك في أشعارهم". ونلاحظ على هذا القول أن كلمة(البناء) أفضل في استخدام سيبويه لها من كلمة (رويها) التي استخدمها ابن عبد ربه، وكان الدكتور العريفي قد اقترح استخدام كلمة (وزنها) بدلا منها، وقبله كان الدماميني قد أثبت كلمة (الوزن) بدلا من ذلك .
أما وصف سيبويه للكلمة بأنه (دائم) فيبدو لي مقلقلا، والافضل منه في نظري استخدام ابن عبد ربه لكلمة (تام) محلها.
هذا، ويبدو أن التصحيف قد أصاب كلا النصين عند سيبويه وابن عبد ربه، فإذا كان ما اجتهدنا في تصويبه صحيحا، كان سبب الاختلاف بين النصين راجعا إلى التهذيب الذي أحدثه ابن عبد ربه في كلام سيبويه.

النتيجة:
سوف أقتصر في هذه الخاتمة على سرد أبرز النتائج التي تحققت بعون الله تعالى، في هذا البحث المتواضع، وبيانها كما يلي:
1. إثبات نسبة كتاب القوافي وعللها، تصحيحا لوهم محقق كتاب الفصوص بنسبته جزافا إلى للمازني.
2. التنبه لأول مرة إلى أن كتاب علل القوافي لابن عبد ربه ما هو إلا نقل وتهذيب لكتاب القوافي وعللها لسيبويه، وربما لو جد بعض الباحثين في تبني فكرة أن ابن عبد ربه لم يقم بتأليف جميع كتب العقد، وإنما نقلها نقلا وهذبها تهذيبا، لتمكنوا من اكتشاف الكثير من الأصول المشرقية الحقيقية لهذه الكتب التي قال عنها الصاحب بن عباد قولته المشهورة: "هذه بضاعتنا ردت إلينا".
3. التوصل إلى مصدر عدد من الاقتباسات التي لم يصرح ابن عبد ربه بقائليها.
4. بين هذا البحث نمطا قديما من أنماط تهذيب الكتب قبل أن يترسخ هذا النمط ويتبلور في أعمال بعض العلماء كالتبريزي، مثلا.
5. وأخيرا ، فربما كانت هذه الدراسة أول دراسة تتناول كتابي سيبويه وابن عبد ربه معا، فيما أعلم.

رد مع اقتباس