أبلغ النعمان عني مألكا ** أنه قد طال حبسي وانتظار
ليسهل الانتقال من أحد الساكنين إلى الآخر بالمد الذي هناك، وعلى قول الأكثر حيث يستكمل البيت عدد أجزاء أجزاء دائرته وينقص من ضربه حرف متحرك أو زنته، أي حرف ساكن مع حركة ما قبله كما في القطع ليقوم المد الذي هناك مقام المحذوف فيقع التعادل بين العروض والضرب، وأجاز سيبويه في كتاب القوافي له استعمال مثل ذلك بغير ردف، قال: لقيام الوزن بالحرف الصحيح، وأنشد:
ولقد رحلت العيس ثم زجرتها
قدما وقلت عليك خير معد"
وأكتفي بهذه الأمثلة المعدودة من الاقتباسات التي نجد أصلها في كتاب القوافي وعللها لسيبويه، وهي تبدو كافية لتوثيق نسبة هذا الكتاب في زمن يمتد من سنة 790 ه إلى 1288 ه القريب من عصرنا الحالي، على أن نعود في مبحث آخر إلى كشف منهج ابن عبد ربه في تهذيب كتاب سيبويه هذا وذكر العبارات المنقولة نقلا حرفيا منه، وهو المبحث الذي سيتبين لنا من خلاله الصلة الحقيقية بين الكتابين، كتاب القوافي وعللها لسيبويه، وليس المازني، وكتاب علل القوافي لابن عبد ربه، ومن أجله جعلناه عنوانا للبحث كله.
الفصل الثاني: منهج ابن عبد ربه في تهذيب كتاب القوافي وعللها:
نحن لا نعلم على وجه اليقين ما الذي جعل ابن عبد ربه يعكس عنوان هذا الكتاب المنقول أو المهذب ليصير (علل القوافي) بعد أن كان (القوافي وعللها). أيكون تأثر بالأخفش الذي قال إنه أصلح كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة وسماه (معاني القرآن)، أم أن له مأربا في إيهام القارئ بأن الكتاب من تأليفه لا مجرد نقله. فأما الأجيال اللاحقة من العلماء، فعرفنا منهم التبريزي (ت 502 ه) الذي اشتهر بكثرة تهذيباته، فلم نجده غير عنوان كتاب منها سوى بإضافة كلمة تهذيب عليه.
ولعل ابن عبد ربه اتخذ من التصرف في العنوان ديدنا له يخفي به مقصده من نقل كتاب معين أو تهذيبه، كما فعل بكتاب ابن قتيبة (فضل العرب والتنبيه على علومها) الذي جعله (كتاب تفضيل العرب) ، وهو أمر لا نستبعده، فطالما خفيت عنا عشرات الكتب التي نقلها صاحب العقد الفريد إلى عقده، ومنها هذا الكتاب الذي لم يشر أحد من العلماء طوال القرون الماضية إلى أصله، ومعظمهم كانوا يعدونه من تأليفه لا تهذيبه. إن الغاية من إيراد هذا الفصل، مع أنها لا تختلف عن تلك التي أردناها من الفصل الذي سبقه، وهي توثيق نسبة كتاب القوافي وعللها لسيبويه بشكل مؤكد، فإنها اتخذت سبيلا غير السبيل الأول في تحقيق هذه الغاية. السبيل هو سبيل أسلوب النقل والتهذيب الذي حاولنا فيه تتبع كل كلمة قالها سيبويه في هذا الكتاب، وبيان نصيبها أو درجتها من النقل أو التهذيب. وقد ارتأينا أن يبتدئ الفصل بعرض خطة كتاب القوافي وعللها في عناوينها الريئسية، ثم أتبعناها بعناوين أبواب كتاب علل القوافي لتتبين الصلة بين الكتابين أثناء شرحنا لوجوه التوافق والتلاقي في العبارات والأفكار بينهما.
أولا: خطة كتاب القوافي وعللها:
يبتدئ الكتاب بتعريف للقافية، مع ذكر لحروفها وحركاتها. وبعد ذلك يتوالى ترتيب أبوابه على النحو التالي :
1. باب
2. باب تفسير القوافي في الإنشاد واختلاف العرب في ذلك.
3. تفسير ما يجوز أن يكون حرف الروي مما لا يجوز أن يكونه.
4. تفسير ما يجوز تقييده، وإذا أطلق كان شعرا، مما لا يجوز ذلك فيه.
5. تفسير ما يجوز أن يكون تأسيسا وما لا يجوز ذلك فيه.
6. تفسير الإيطاء.
7. تفسير ما يلزمه أن يكون في قافيته حرف المد مما لا يلزمه ذلك فيه.
ثانيا: خطة كتاب ابن عبد ربه
وفي هذه الخطة اختار ابن عبد ربه من عناوين أبواب هذا الكتاب، ثلاثة من العناوين التالية:
1. باب ما يجوز أن يكون تأسيسا وما لا يجوز.
2. باب ما يجوز أن يكون حرف روي وما لا يجوز أن يكونه.
3. باب عيوب القوافي: السناد والإيطاء والإقواء والإكفاء والإجازة والتضمين.
4. باب ما يجوز في القافية من حروف اللين.
ويلاحظ أن العنوان الثالث أضافه ابن عبد ربه من عنده.
كما سنلاحظ أثناء الشرح أن ابن عبد ربه جمع ما ذكر في البابين الثاني والثالث عند سيبويه في باب واحد، هو الثاني عنده.
وكذلك أغفل قدرا كبيرا من الباب الرابع عند سيبويه، وهو تفسير ما يجوز تقييده وإذا أطلق كان شعرا، مما لا يجوز ذلك فيه.
وقد غطت هذه الخطة الجديدة معظم حشو كتاب القوافي وعللها، بعضها بشكل حرفي، والبعض الآخر تهذيب له كما سيتبين معنا من العرض التفصيلي للكتابين في المباحث التالية، وسنبدأ بما يمكن تسميته بالمقدمة.
مقدمة الكتاب:
بدأ سيبويه كتابه مباشرة بموضوع حروف القافية وحركاتها، فلم يجعل له خطبة ولم يمهد إلا بتعريف مقتضب للقافية. وقد اقتدى به ابن عبد ربه في هذا المسلك، ونقل عنه تعريفه بشكل شبه حرفي، قائلا: "القافية حرف الروي الذي يبنى عليه الشعر، ولا بد من تكريره في كل بيت" . وهو ما يوازي تماما قول سيبويه: القافية حرف الروي الذي تبنى عليه القصيدة، لا بد من تكريره .
ولكنه حين ينقل قول سيبويه: "وأما التأسيس فألف تكون قبل حرف الروي، بينها وبينه حرف متحرك "، يلزمه التهذيب إضافة لم يذكرها سيبويه، وهي: "بأي الحركات كان، وبعض العرب تسميه الدخيل ". وتسمية هذا الحرف بالدخيل لم تكن معروفة عند سيبويه ولا الأخفش، ولا حتى ابن سلام الذي انفرد بتسميته التوجيه، قائلا : "وأما التوجيه فهو الحرف الذي بين هذه الألف، (ألف التأسيس)، وبين القافية، فلك أن تغيره بأي حرف شئت، فلذلك قيل له توجيه". وفي تقديري أن أول مرة ذكر فيها مصطلح الدخيل كان في كتاب (القوافي وما اشتقت ألقابها منه) للمبرد ، فكان أن استعمله ابن عبد ربه من بعده، وذلك حين أخذ هذا المصطلح يستقر في مؤلفات علماء القافية بعدهما.
وابن عبد ربه إذ يعتمد اعتمادا أساسيا في النقل على كتاب سيبويه هذا، فإنه لا يرى مانعا من تكملة النقل عن كتب أخرى لغيره، وهو ما يميز تهذيبه لهذا الكتاب. مثال ذلك قوله عن الوصل : "وأما الوصل فهو إعراب القافية وإطلاقها، ولا تكون القافية مطلقة إلا بأربعة أحرف: ألف ساكنة مفتوح ما قبلها من الروي، [وواو ساكنة مضموم ما قبلها من الروي]، وياء ساكنة مضموم ما قبلها من الروي، وهاء متحركة أو ساكنة مكنية. ولا يكون شيء من حروف المعجم وصلا، غير هذه الأحرف الأربعة: أحرف الألف والواو والياء والهاء المكنية، وإنما جاز لهذه أن تكون وصلا، ولم يجز لغيرها من حروف المعجم، لأن الألف والياء والواو حروف إعراب ليست أصليات وإنما تتولد مع الإعراب. وتشبهت الهاء بهن لأنها زائدة مثلهن، ووجودها يكون خلفا منهن في قولهم: أرقت الماء وهرقت الماء، وأيا زيد وهيا زيد، ونحو قول الشاعر:
قد جمعت من أمكن وأمكنه
من ها هنا وها هنا ومن هنه
وهو يريد: هنا، فجعل الهاء خلفا من الألف.
فأنت ترى أنه نقل مقدمة هذه الفقرة عن كتاب (القوافي وعللها) لسيبويه متصرفا فيه بوصف الهاء الساكنة بالمكنية تأثرا بذلك ببعض الكوفيين . ثم تجد باقي الكلام متفقا تقريبا مع ما جاء في كتاب القوافي لأبي الطيب التميمي ، هذا الكتاب الذي يعود تاريخ نسخه إلى عام 352 ه ، أي بعد وفاة ابن عبد ربه بنحو ربع قرن تقريبا.
ويلاحظ في الجزء الذي نقله ابن عبد ربه من كتاب سيبويه هذا، أنه سها في نقله لعبارة (وواو ساكنة مضموم ما قبلها من الروي)، فلم يذكر تلك العبارة في جميع النسخ التي اطلعت عليها من العقد، ولم ينتبه إلى ذلك أحد من محققيه، مع أن ابن عبد ربه نبه في معرض نقله إلى القول بأنه (لا تكون القافية مطلقة إلا بأربعة أحرف)، وهو لم يذكر إلا ثلاثا.
وإذ يصل ابن عبد ربه لمبحث الخروج نجده ينقل كلام سيبويه نقلا به أثر من التهذيب لا يخفى على القارئ المتابع بوعي لكلام سيبويه، وإليك نص سيبويه كما وجدته في هذه النسخة الوحيدة من كتاب الفصوص، قال سيبويه فيما تيسر لي من ترميم كلامه المبتور: "وأما الخروج فإنه كل ألف تبعت هاء الوصل، نحو (فعلها) أو ياء ساكنة تبعت هاء الوصل[نحو (فعلهي) أو واو ساكنة تبعت هاء الوصل] فهي مضمومة نحو (هذا له) و(داره)، أي (له) و(داره) .
والترميم باد في الكلمات التي زدتها بين معكوفتين، وبها يستقيم نص سيبويه الذي أخل بها الناسخ بسبب انتقال النظر في القراءة، فسقط منه ما قدرناه من جانبنا.
وقارن ذلك بما جاء في تهذيب ابن عبد ربه حيث يقول: "وأما الخروج، فإن هاء الوصل إذا كانت متحركة بالفتح تبعتها ألف ساكنة، وإذا كانت متحركة بالكسر تبعتها ياء ساكنة، وإذا كانت متحركة بالضم تبعتها واو ساكنة، فهذه الألف والياء والواو يقال لها الخروج، وإذا كانت هاء الوصل ساكنة لم يكن لها خروج" .
وينتقل ابن عبد ربه إلى حركات القافية ناقلا إياها نقلا حرفيا عن سيبويه فيقول: "وأما الحركات اللوازم للقوافي فخمس، وهي: الرس والحذو والتوجيه والمجرى والنفاذ. فأما الرس ففتحة الحرف قبل التأسيس. وأما الحذو ففتحة الحرف الذي قبل الردف أو ضمته أو كسرته. ولو عدت إلى كتاب سيبويه لوجدته يقول بالحرف : "وأما الحركات اللوازم للقافية: فالحذو والرس والتوجيه والمجرى والنفاذ. فأما الرس ففتحة الحرف قبل التأسيس، نحو فتحة جيم (جاهل) وعين (عاقل). وأما الحذو ففتحة الحرف قبل الردف، نحو قال وقيل وقول أو ضمته أو كسرته.
فتجد أولا أن ناسخ الفصوص قدم كلمة الحذو على الرس وحقها أن تكون التالية في تعداد الحركات بدليل نقل ابن عبد ربه لها على الوجه الصحيح من ناحية، وعلى بدء سيبويه بالرس في تفسيره وهو خطأ يسهل التنبه إليه وتصحيحه حتى ولو كان المخطوط نسخة وحيدة.
وينقل ابن عبد ربه هذه الحروف حينا عن كتاب سيبويه وحينا آخر عن مصدر ليس بأيدينا، وأرجح أن التميمي كابن عبد ربه نقل عنه أيضا في كتابه القوافي، وكان مما نقله من هذا المصدر قوله في التوجيه: "وأما التوجيه فهو ما وجه الشاعر عليه قافيته، من الفتح والضم والكسر، يكون مع الروي المطلق أو المقيد إذا لم يكن في القافية ردف ولا تأسيس" . وأما ما نقله ابن عبد ربه عن سيبويه فمن أمثلته قوله :"وأما المجرى ففتح حرف الروي المطلق أو كسرته أو ضمته، وأما النفاذ فإنه فتحة هاء الوصل أو كسرتها أو ضمتها لا تجوز الفتحة مع الكسرة ولا الكسرة مع الضمة، ولكن تنفرد كل حركة منها على حالها".
ونواجه في نهاية هذه المقدمة بمبحث صغير ذكر فيه سيبويه ألقاب القوافي وهي: المتكاوس والمتراكب والمتدارك والمتواتر والمترادف. وقد تجاهله ابن عبد ربه ولم يشر إليه في تهذيبه.
أولا: باب ما يجوز أن يكون تأسيسا وما لا يجوز:
وترتيب هذا الباب هو الخامس في كتاب سيبويه، واسمه عنده "تفسير ما يجوز أن يكون تأسيسا وما لا يجوز". وقد قال سيبويه في مطلع هذا الباب : "فإذا كانت القافية آخر كلمة، وكان حرف التأسيس في كلمة قبلها تليها، فليس بحرف في أكثر أشعارهم، لانفصالها وتباعد الألف من حرف الروي، لان بينها وبينه حرفا متحركا".
قوله: (ليس بحرف) يستلزم زيادة كلمة تحدد نوع هذا الحرف. ولما كنا لا نملك نسخة ثانية من الفصوص توضح لنا وقوع سقط في الكلام وجدنا في تهذيب ابن عبد ربه للكتاب ما يوضح هذا السقط، وهو كلمة (تأسيس) ليصبح تمام العبارة، قوله : "فليس بحرف تأسيس".
وكان سيبويه قد خصص الفقرة الأولى من هذا المبحث القصير للحديث عن التأسيس وحده، بينما أخر الكلام في الردف إلى آخر المبحث.غير أن ابن عبد ربه ارتأى فيه تهذيبه أن يجعل الحديث عن الحرفين معا ليتسنى له المقارنة بينهما، ثم أكمل شرحه للتأسيس منفردا لأنه هو موضوع هذا الباب.
قال ابن عبد ربه في مكان الفقرة التي بدأ بها سيبويه كلامه : "إذا كان حرف الألف ، ألف التأسيس، في كلمة وكان حرف الروي في كلمة أخرى منفصلة منها، فليس بحرف تأسيس لانفصاله من حرف الروي وتباعده منه؛ لأن بين حرف الروي والتأسيس حرفا متحركا، وليس كذلك الردف؛ لأن الردف قريب من الروي ليس بينهما شيء، فهو يجوز أن يكون في كلمة ويكون الروي في كلمة أخرى منفصلة منها، نحو قول الشاعر:
أتته الخلافة منقادة
إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له
ولم يك يصلح إلا لها
وقد جاء شاهده عن الردف مختلفا عن شاهد سيبويه، وأفضل منه من حيث قرب التمثيل على الردف بالألف وليس بالياء كما جاء به سيبويه . ومع ذلك حافظ ابن عبد ربه في تهذيبه لهذا المبحث على جميع الأفكار التي طرحها سيبويه فيه بحيث يمكننا الاعتماد عليه بوصفه نسخة ثانية لكتابه في القوافي.