عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-26-2017 - 12:18 PM ]


ثالثا- توكيد الفعل بالنون:
1- رأي المؤلف في نون التوكيد:
عد المؤلف النسيج المقطعي لنون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة من الغريب الذي لم تعرفه اللغة العربية في نسجها المقطعي؛ لأن هذا الشكل: /ص ص ح/ مرفوض أساسا في اللغة، وكذلك لم تعرف العربية أداة تتكون من حرف واحد صامت، كما في نون التوكيد الخفيفة(93). ومن ثم خرج المؤلف بتصور جديد عن تكوينهما، على الأساس الذي عرفته العربية، وهو احتياج نون التوكيد إلى همزة الوصل لتيسير النطق بالساكن، فتكتب نون التوكيد هكذا: ( انَّ )، فهي ( أنَّ ) الناسخة من الحروف المشبهة بالفعل، مع فارق هو أن همزة الناسخة حين تتعامل مع الأسماء في الجملة تكون همزة قطع، وهمزة نوني التوكيد حين تلحق بالفعل همزة وصل، على أن هذه الهمزة لا تظهر مطلقا؛ لأنها مدرجة في الكلام ولا يبدأ بها أبدا (94). وإذن فالتعامل مع نون التوكيد الثقيلة هو تعامل مع التكوين المقطعي: /ا _ َن/ ن _َ / في غالب الأحوال، أي مع مقطعين: أحدهما طويل مقفل: /ا _ َن/ (ص ح ص)، يتحول إلى (ح ص) في الاستعمال، والآخر قصير مفتوح:/ن_َ / (ص ح). على حين تكون النون الخفيفة مقطعا واحدا: /ا _َ ن/(95).
وعلى هذا الأساس بدأ المؤلف في الاشتغال بتحليل علاقات هذا التركيب المقطعي بما يتصل به من نهايات الأفعال المختلفة.
3- تأكيد الفعل المسند إلى ضميري الجماعة والمخاطبة الحركيين:
رأى القدماء في أمثلة هاتين الحالتين التقاء ساكنين أولهما حرف مدّ وثانيهما حرف صحيح في الكلمة الواحدة أو ما يشبه الكلمة الواحدة. وأمثلة هذا النوع ليست حالات نطقية حقيقية يجري التخلص منها في صورة تلقائية، وهي لا تعدو كونها اجتهادات لتفسير ما يجري في بعض التغيرات الصرفية، وإن كان الإلف بها في الصرف والكتب التعليمية يوحي إلينا بأنها حقيقية. ويتم التخلص من هذه الحالة، حالة التقاء الساكنين الساكن الأول واو الجماعة أو ياء المخاطبة، والساكن الثاني النون الأولى من أداة التوكيد المشدّدة، عند القدماء، بحذف الضمير والاكتفاء بالحركة قبله دليلاً عليه(96). ومثاله: تَدْرُسُونَّ  تَدْرُسُنَّ، تَدْرُسِينَّ  تَدْرُسِنَّ. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هاتين الحركتين اللتين تسبقان النون المشددة ليستا دليلاً على ضميرين محذوفين لالتقاء الساكنين بل هما علامتا بناء، كالفتحة في تدرُسَنَّ(97).
ولا شك في أن الشكل الكتابي هو السبب في هذا التوهم، فالواو والياء لم تحذفا وإنما قصرتا تحاشيا لتكوين مقطع طويل مغلق، هكذا:/س_ُ_ُن/  /س_ُُن/ ، /س_ِ_ِن/ /س_ِن/. أما لو كان الفعل المضارع المؤكد المسند إلى واو الجماعة منتهيا بواو أو ياء أصلا، نحو: يدعو، ويمشي، فالسلوك الصرفي لهما يكون كالآتي: عند إضافة واو الجماعة إليهما يصبحان: يدعوونَ، و يَمْشيونَ. فإذا أضيفت إليهما نون التوكيد يصبحان: يَدْعوونَنَّ، ويَمْشيونَنَّ. وقد قلبت الياء الصائتة في الصيغة الأخيرة واوا صائتة لمجاورة الواو فأصبحت: يَمْشوونَنَّ. وبذا تكون الصيغتان قد التقتا في شكل واحد: معتلة اللام بالواو ومعتلة اللام بالياء. ثم حذفت إحدى الواوين تجنبا لتكرار صوتين صائتين طويلين متماثلين، فأصبحتا: يَدْعونَنَّ، و يَمْشونَنَّ. ثم حذفت النون الأولى والصائت الذي يتبعها، تجنبا لتوالي الأمثال: يَدْعونَّ، و يَمْشونَّ. فتشكل بذلك مقطع طويل مغلق: /ع_ُ_ُن/ و: /ش_ُ_ُن/ قصر بوساطة تقصير الواو لتصبح ضمة: يَدْعُنَّ، و يَمْشُنَّ(98).
رابعا- الإعلال والإبدال:
1- مفهوم الإعلال والإبدال:
الإعلال والإبدال مصطلحان واردان في الصرف العربي يدل كل منهما على نوع تغيير تتعرض له البنية العربية. فمعنى (الإعلال) ما تتعرض له أصوات العلة من تغييرات بحلول بعضها محل بعض، وهو ما يسمونه (الإعلال بالقلب)، أو بسقوط أصوات العلة بكاملها، ويسمونه ( الإعلال بالحذف)، أو بسقوط بعض عناصر صوت العلة، وهو ما يسمونه (الإعلال بالنقل) أو (بالتسكين)(99).
والإبدال بين الأصوات يقع على أساس صوتي، وهو التقارب ما بين الأصوات. غير أن معنى التقارب لا بد من أن يكون قائما على أساس الدراسة الصوتية الحديثة. والأساس الأول في القرابة الصوتية هو كون الصوتين المتبادلين كلاهما من الصوامت أو من الصوائت، والأساس الثاني في القرابة الصوتية هو الاتحاد في المخرج أو التقارب فيه. فإذا توفر للصوت هذان الأساسان للقرابة الصوتية احتمل أن يؤثر أحدهما في الآخر أو يحل محله(100).
2- الإبدال في الهمزة وحروف العلة (إبدال الواو والياء همزة):
ويتحقق هذا في اسم الفاعِل من الأجوف الواوي أو اليائي الذي أعلّت عينه بقلبها ألفاً. فالفعلان: (قَامَ، وبَاعَ) فعلان أجوفان أُعِلَّت عينهما بقلبها ألفاً. واسما الفاعِل الأصليان منهما: (قاوِم، وبايِع)، فتحركت الواو والياء بالكسرة وقبلهما فتحة لا يفصل بينهما وبينها إلا حاجز غير حصين هو ألف فاعِل الزائدة، فقلبتا ألفاً، فاجتمع ساكنان، فأبدل من الألف الثانية همزة حُرِّكَتْ، هرباً من التقاء الساكنين، بالكسرة على الأصل(101).
لكن المبرد يرى أن ألف فاعِل قد أدخلت قبل الألف المنقلبة في: (قام، وباع) وأمثالهما، فالتقى ألفان وتم التخلص منهما بقلب الألف الثانية همزة مكسورة لأن أصلها الحركة(102). ويرى آخرون أن ألف فاعِل في أمثال (شاكٌ) اسم فاعِل من (شاك يشوك) قد أدخلت قبل الألف المنقلبة في الفعل، فالتقى ألفان، فحذفت الثانية حذفاً ولم تقلب همزة: شااك ç شاك(103).
وفي كلامَ القدماء في هذه المسألة كثيرٌ من النظر. من ذلك القول بفتحة قبل الألف، وأن الألف حاجز غير حصين فهو كالعدم(104)، وأن همزة قائِم وبائِع في رأي بعضهم حركت بالكسر على أصل التقاء الساكنين لا لأن بنية اسم الفاعل تقتضي ذلك. وأهم نقد يوجه إلى الرأيين الأخيرين هو أنهما يقولان بإيقاع بنية اسم الفاعِل على بنية الماضي المُعلّ مباشرة، ثم تحويل الألف الثانية همزة أو حذفها، فكأننا قد فَكَكْنا بنية الفعل فَكّاً ورَكَّبْنا عليها بنية أخرى هي بنية اسم الفاعِل. والواقع أن اسم الفاعل لا يشتق بهذه الطريقة، فكل من الفعل واسم الفاعِل بنية مستقلة ويشتق بطريقة مختلفة، وإن كان بينهما شيء من التناسب اللفظي والمعنوي كالذي يكون بين أفراد العائلة الاشتقاقية الواحدة. والتغير في ذات الفعل كتحول قَوَم إلى قَامَ وبَيَعَ إلى بَاعَ يختلف عن ارتباط بِنْيَتهِ ببنيةٍ أخرى لأن الأخير نوع من النقلة الصرفية.
ويبدو أن الواو والياء في البنية الأساسية لاسم الفاعل قد قلبتا همزة مباشرة لما بين الواو والياء والهمزة من تداخلات فونيمية كثيرة، لا أنهما قلبتا ألفاً أَوَّلاً ثم قلبت الألف همزة. أو يكون هذا القلب إذا التقت الواو أو الياء متطرفتين بعد ألف زائدة. نحو: (كِساء، ورِداء)، وأصلهما: (كِساو، ورِداي)، فتحركت الواو والياء وقبلهما فتحة ليس بينهما وبينها إلا الألف وهي حاجز غير حصين لسكونها وزيادتها؛ والواو والياء وقعتا في الطرف وهو محل للتغيير ،فقلبتا ألفاً، فاجتمع ساكنان: الألف الزائدة والألف المبدلة من الواو والياء، فقلبت المبدلة همزة(105).
وأما أمثال: عَباءة، وصَلاءة، وعَظاءة فقد دخلتها تاء الواحدة بعد قلب اللام همزة في جمعها، لأنهم يقولون في الجمع: عَظاء، وصَلاء، وعَباء(106). فعلى كلام القدماء هنا ملاحظات عن الحاجز غير الحصين والفتحة التي تسبق ذلك الحاجز. والمحدثون يعجبون من أن تكون الألف هنا حاجزاً ضعيفاً، فلا تمنع قلب الواو والياء ألفاً، ثم تكون حاجزاً قوياً في: قاوَمَ، وبايَعَ، فتمنع انقلابهما ألفاً. وأما حديث القدماء عن ضعف الواو والياء بتطرفهما فهو صحيح، ولكن غير الصحيح هو القول بانقلابهما ألفاً، ثم تحول الألف إلى همزة. والأصح أن يقال إن الواو والياء قد ضعفتا بتطرفهما فقلبتا حرفاً أصلب منهما هو الهمزة. والتداخل الفونيمي بين الهمزة والواو والياء معروف تماماً في اللغة العربية.
و يجري إبدال الواو أو الياء همزة في جمع أمثال: (صَحِيفَة، ورِسَالَة، وعَجُوز) على: (صَحَائِف، ورَسَائِل، وعَجَائِز) إذا كان المد الأول ألف الجمع الذي على وزن فَعَائِل أو شبهه، والثاني حرف مدّ زائداً في المفرد. وتفصيل ذلك أنهم يمزجون بين صورتي المفرد والجمع بإيقاع صورة الجمع على صورة المفرد، فيلتقي ألف الجمع ثم المد الزائد في المفرد ساكنين، فيقلب المد الثاني وهو المد الزائد في المفرد همزة مكسورة: صَحَايف ç صَحَائِف، رَسَاال ç رَسَائِل، عَجَاوزç عَجَائِز(107).
والخطأ الذي وقع فيه أصحاب هذا المذهب هو أنهم أوقعوا بنية الجمع على بنية المفرد مباشرة، وهذا لا يجوز لأن هذا التغير ليس تغيراً في ذات المفرد كتغير بَوَب إلى بَاب ونَوَر إلى نَار ونَيَب إلى نَاب، دون أن تخرج الكلمة عن أصل نوعها أو يتغير معناها، بل هو نوع من النقلات الصرفية تتحول فيه صيغة مستقلة بكاملها إلى صيغة مستقلة أخرى لإفادة معنى جديد. وليس معنى ذلك أن الصيغة الثانية مشتقة من الأولى مباشرة، بل هما صيغتان مستقلتان وإن ربطتهما روابط شكلية ومعنوية. وقد ترتبط كلمتان هذا الارتباط دون أن يكون بينهما رابط لفظي، كارتباط (رجل وامرأة) ارتباط مذكر بمؤنثه، أو ارتباط (امرأة ونساء) ارتباط مفرد بجمعه.
والنظرة الأولى لهذه القواعد ترينا أن الواو أو الياء قد جاءت كل منهما في سياق صوتي واحد، رغم اختلاف القواعد؛ فالواو والياء قد وقعت بعد فتحة طويلة زائدة في المواضع الأربعة. وعلى ذلك فإن سبب الهمزة في أمثلتها واحد وما تعدد القواعد سوى عملية تصنيف للأمثلة. فمن الممكن القول بأن الواو أو الياء إذا وقعت إحداهما بعد فتحة طويلة زائدة سقطت وحلت محلها الهمزة(108). ففي نحو: (كساو) يمكن تفسير الهمز بخاصية الوقف العربي الذي لا يكون على حركة، فحذفت الضمة المولدة للواو بازدواجها مع الفتحة الطويلة، وأقفل المقطع بصوت صامت هو الهمزة التي تستعمل هنا قفلا مقطعيا؛ تجنبا للوقف على مقطع مفتوح(109).
وأما في الأمثلة الباقية فإن المقطع الأخير في: قاوِل، وبايِع، وعجاوِز، وصحايِف يبدأ بحركة مزوجة تالية لحركة طويلة، وهذا ضعف في البناء المقطعي، فسقط الانزلاق، وحلت محله الهمزة النبرية، وسيلة صوتية لتصحيح المقاطع، لا على سبيل الإبدال لعدم وجود العلاقة المبيحة له(110).
الخاتمة:
عرضنا في هذا البحث كتاب د. عبد الصبور شاهين: (المنهج الصوتي للبنية العربية،...) الذي تناول فيه أنماط تغير البنية كما درسها القدماء لمراجعتها؛ لأن ثمة اختلافًا في منطلقات الدرس بين علماء العربية القدماء والدارسين المحدثين. ويعود هذا الاختلاف إلى طبيعة التفكير؛ فالقدماء قد ينطلقون ابتداء من تقرير الظاهرة بوصفها وصفًا ظاهريًّا؛ ولكنهم لا يكتفون بهذا الوصف الظاهري التقريري بل يجعلونه قانونًا، وهم من جهة أخرى ربما ركنوا إلى النظر المنطقي، وكل ذلك أمر يحمل الدارسين المحدثين على التوقف فيه. فلا الانطلاق من الوصف الظاهر ولا المعالجة المنطقية، يصلحان لبيان كيفية التغير الصوتي؛ إذ التغير الصوتي مسألة متعلقة بطبيعة الأصوات وصفاتها الصوتية.
ولعلنا نجد الخلاف بين القدماء والمحدثين في جانبين؛ جانب تأسيسي وآخر تفسيري أما الأول فهو متعلق بخلافهم حول علاقة الحركات بحروف المد، والطبيعة الصوتية لحرف الألف. وأما الخلافات التفسيرية فهي مرتبطة بهذه أيضا فهناك خلافات في وصف الظاهرة التي وقع فيها التغير، وتفسير التغير. فالقدماء يرون أن الصوت قد يتبدل من شكل إلى شكل، فالواو قد تنقلب تاء والياء تنقلب واوًا أو ألفًا، وهذا متوقف فيه عند المحدثين؛ لأن لكل صوت صفاته الخاصة التي يختلف بها عن غيره من الأصوات، ولذلك لا بد من التفكير بوسائل أخرى لتفسير التغير لا تصادم المسلمات الصوتية.
ولم يعالج القدماء في درسهم الصرفي الكلمة مقطعيًّا؛ إذ لعلهم لم يتنبهوا على أهمية كون الكلمة مؤلفة من عدد من المقاطع.
ويقع الخلاف بين القدماء والمحدثين في تفسير بعض التغييرات الصوتية؛ إذ يذهب القدماء إلى أنها من قبيل القلب، قلب صوت إلى صوت آخر، أو من قبيل الإبدال أي إبدال صوت بصوت. ولكن المحدثين يرونه من قبيل الحذف والتعويض. وله أنماط مختلفة؛ منها: التعويض بالمطل، والتعويض بالتضعيف، والتعويض بالهمز، والتعويض بإقحام صوت علة أو هاء. وأما التعارض فهو من العلل التفسيرية التي يذكرها القدماء عند تفسير بعض التغيرات الصوتية. وأوضح مثال لذلك تغير الواو إلى ياء في (دنيا)، وتغير الياء إلى واو في (تقوى)، فهم يزعمون أن إحداهما غيرت عوض تغيير الأخرى وهذا غير مقبول لغة عند المحدثين.
إن بعض الخطوط في (المنهج الصوتي) في تحليل الصيغ قد سبقه بها د. (هنري فليش)، كما في حديثه عن مسألة التحول الداخلي، لكن محاولة المؤلف جاءت أصيلة في تفسيرها للهمز، وتطبيقها لنتائج علم الأصوات في أبواب الصرف العربي كافة، وبخاصة مشكلات الإعلال والإبدال. وأن التغيير في هذا الباب حسب ما ارتضاه المؤلف من اتجاهات المحدثين يدور في معظمه في الإمكانات الآتية: حذف الصوت والتعويض عنه، إقحام الصوت للفصل بين الحركات، إقحام الصوت لإقفال المقطع. الانطلاق من الفرع لا الأصل.
وليس من الضروري أن يختلف المنهج القديم مع هذا المنهج في كل جزئية؛ فهناك نقاط لا تحتمل اختلافا ذكرها المؤلف كما جاءت في الكتب القديمة. وليس من الضروري أيضا أن يأتي هذا المنهج أيسر من سابقه؛ لأن بلوغ الصواب في فهم مسائل اللغة هو المقدم. ولعل من الأنسب أن نشرع في مجال التعليم وفاقًا لهذه الاتجاهات الحديثة؛ لأنها أقرب إلى الإقناع؛ ولأنها قد تختصر لنا مطولا وتضم متفرقًا.

رد مع اقتباس