2-
وأمَّا النمط الثانى للاستصحاب وهو مراعاة الأصل فله ثلاث صور:
الأولى ـ مراعاة حكم للأصل فى حال تالية مع زواله فيها. أى مع زوالي الأصل فى الحال التالية يُراعى فيها حكمه الذى كان له. وبيان ذلك أن ينتقل اللفظ من حالٍ إلى أخرى، ويزول فيه حكمٌ عند الأول الزائل، فيراعى هذا الحكم الزائل فى الحال التالية بأنْ يُثْبَتَ فيها الحكم المتعلق به فى الأصل.
ومثال ذلك أنَّ همزة الوصل أصلها الكسر ولا تُضَمُّ إِلّا إن كان الثالث مضمومًا، ومع هذا نجدهم قالوا: اِقضُوا واِرمُوا، بكسر الهمزة مع ضم الثالث، واُغزِى واُدعِى، بضم الهمزة مع كسر الثالث، « فكسرهم مع ضمة الثالث، وضمهم مع كسرته يدلُّ على قوة مراعاتهم للأصل المُغَيَّر [وهو: اِقضِيوا واِرْمِيوا، واُغْزُوِى واُدْعُوى] وأنه عندهم مراعًى معتد مقدر ».
فـ (اِقْضِيُوا) ـ مثلا ـ حال أوّل، وفيه حكمان، أحدهما كسر الثالث، والثانى كسر همزة الوصل، وهو متعلق بالأول مَبْنِىٌّ عليه، فلما انتقل اللفظ إلى حال تالية هى (اِقضُوا) زال الحكم الأول حيث ضُمَّ الثالث لمناسبة واو الجمعة، ولكنه ـ مع زواله ـ رُوعِىَ وجودُه فى الأصل فى إثبات الحكم الثانى فى الحال التالية.
وتبدو هذه الصورة من صور المراعاة شديدة القرب من الصورة الأخيرة من صور الإبقاء وهى: إبقاء حكم أصل اللفظ عند انتقاله من حالة إلى أخرى، ومع هذا القرب فبينهم افرق يكمن فى أنَّ النظر فى صورة الإبقاء يتوجه إلى الحمك المُبْقَى، ففى مثالنا يتوجه إلى كسرة همزة (اِقضُوا)، أمّا النظر فىصورة المراعاة فيتوجه إلى الحكم الزائل وهو فى هذا المثال كسر الثالث، ولأجل هذا الفرق فضلت الفصل بين الصورتين.
الثانية ـ مراعاة حكم أصل سابق على الأصل المنقول الحال عنه فى الأخير.
ومثالها قول الرضى: « لو سميت بنحو حايض وطالق مذكرًا انصرف؛ لأنه فى الأصل لفظ مذكر وصف به مؤنث، إذ معناه فى الأصل شخص حايض؛ لأنَّ الأصل المطرد فى الصفات أن يكون المجرد من التاء منها صيغة المذكر، وذو التاء مووضعًأ للمؤنث فكل نعت لمؤنث بغير التاءفهو صيغة موضوعة للمذكر استعملت للمؤنث ». فهذا الوصف انتقل من التذكير إلى التأنيث، ثم انتقل ـ وهو وصف لمؤنث ـ إلى العلمية فروعِىَ فيه ما كان للأصل الأول من حكم الصرف.
الثالثة ـ مراعاة أصالة الشىء عند النظر فى إثبات حكم له.
ومثال ذلك الحكم بعدم جواز توسيط المفعول معه بين الفعل والفاعل، وإن كان ذلك جائزًا فى المعطوف بالواو؛ لأنَّ واو العطف أصل واو المعية، فيراعى الأصل بجعل فرعه أقل تصرفًا منه.
وأوضح من ذلك قول المرادى: « كان الأصل [فى نحو { أفلا تعقلون } و{ أولم يسيروا } و{ أَثُمَّ إذا ما وقع }] تقديم حرف العطف على الهمزة؛ لأنها من الجملة المعطوفة، لكن راعوا أصالة الهمزة فى استحقاق التصدير فقدموها، بخلاف (هل) وسائر أدوات الاستفهام ».
ويتحصل مما سبق أنَّ للاستصحاب إحدى عشرة صورة موزعة على نمطين رئيسين.