وبالإِضافة إِلى نص الفراء السابق، اعتمد الدكتور المخزومي في حكمه على التنوين اللاحق باسم الفاعل بأنه نوع خاص به، مخصص له بالزمن المستقبل، على القصة التي جرت أحداثها في مجلس هارون الرشيد بين الكسائي وقاضي القضاة أبي يوسف التي سأل فيها الكسائي أبا يوسف قائلا (43). (ما تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتلُ غلامِك؟ وقال له آخر: أنا قاتل غلامَك؟ أيهما كنت تأخذ به؟ قال: آخذهما جميعا. فقال له هارون: أخطأت. وكان له علم بالعربية. فاستحيا وقال: كيف ذلك؟ قال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال: أنا قاتلُ غلامِك، بالإِضافة: لأنه فعل ماض. وأما الذي قال: أنا قاتل غلامَك بالنصب فلا يؤخذ؛ لأنه مستقبل، لم يكن بعد، كما قال الله عز وجل (ولا تقولنّ لشيء إِني فاعل ذلك غدًا إِلا أن يشاء الله). فلولا أن التنوين مستقبل ما جاء فيه غدا. ولكن هذه القصة، كنص الفراء سابقا ليس فيها دليل على أن التنوين في اسم الفاعل يدل على المستقبل، أو أنه مخصص له بالزمن المستقبل. وإِنْ صحت هذه القصة، وأن الكسائي قال ما قال كان الكسائي قد خالف مذهبه، إذ المعروف أنه يجيز إِعمال اسم الفاعل بمعنى الماضي مطلقًا (44). وتبعه في ذلك هشام وأبو جعفر (45). وقد استدل على ذلك بقوله تعالى (46): (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) وعليه، فعلى حسب مذهب الكسائي لا فرق بين قولنا: أنا قاتلُ غلامِك بالإِضافة، وأنا قاتل غلامَك بالأعمال، وعليه فإِن أبا يوسف لم يكن مخطئا على مذهب الكسائي حين قال: آخذهما جميعا وتخطئة الكسائي له بناء على ذلك ليس لها من تفسير سوى الإِيقاع بأبي يوسف والنيل منه. ولذا فقد كان الدكتور مالك يوسف المطلبي محقا حنِ قال: إِن هذه القصة فيها من أدب المجالس أكثر مما فيها من علم اللغة (47).
وفي الحقيقة ليس للتنوين أي دلالة على الزمن فالتنوين كما ذكرنا سابقا إِن هو إِلا تنوين التمكين، أو تنوين التمكين والتنكير معا. وليس في اسم الفاعل المنون أي دلالة على الزمن البتة؛ لأن اسم الفاعل موضوع للدلالة على ذات متصفة بالحدث أي بالمصدر(48)، وأن هذا الحدث قائم بهذه الذات، أي ثابت لها، لا يدل اسم الفاعل على أكثر من ذلك، قال في الكليات (49):" اسم الفاعل يستفاد منه مجرد الثبوت صريحا بأصل وضعه رقد يستفاد من غيره بقرينة، وكذا حكم اسم المفعول ". وأما الزمن فمستفاد منه بقرينة من الخارج، أي من السياق، وهو في الآية الكريمة السابقة مستفاد من الظرف "غدا". وقد عكس الكسائي الأمر حين جعل دلالة اسم الفاعل المنون على المستقبل هي المسوغ لمجيء الظرف " غدا " والصحيح هو أن وجود الظرف " غدا" هو الذي جعل اسم الفاعل يدل على المستقبل.
من كل ما تقدم يتبين لنا أن كل الأدلة التي اعتمد عليها الدكتور مهدي المخزومي لعد الوصف في مثل: أقائم الزيدان؟ فعلا، وأن التركيب كله جملة فعلية ليست من القوة بمكان، ولا تستطيع الصمود أمام الفحص والاختبار. فالوصف في مثل هذا التركيب اسم لاشك في إِسميته، والتنوين خير شاهد على ذلك، ثم إِن اعتماد الوصف على نفي أو استفهام عند من اشترط ذلك لا يذهب عنه وصف الاسمية ولا يوجد فيه هذا الاعتماد أي صفة زائدة. وعليه فهذه الجملة ونظائرها جمل إِسمية، ولكن ليس كما قال القدماء أن الوصف فيها هو المبتدأ، وأن المرفوع بعده فاعل سد مسد الخبر، وإنما الوصف هو الخبر، والمرفوع بعده هو المبتدأ. وعد الوصف خبرا مقدما يجعلنا نتخلص من كثير من التأويلات التي يصعب جدا تقبلها وهضمها، وهي إِثبات مبتدأ لا يحتاج إِلى خبر، وإثبات جملة تتكون من رأسين ، من ركنين كلاهما مسند إِليه وإن كان أحدهما وهو الوصف تكون له هذه الصفة لفظا لا معنى، ثمِ يخلصنا أخيرًا من اعتبار الوصف مبتدأ وخبراً، إِسماَ وفعلاً في وقت واحد على أساس اللفظ والمعنى.
ولكن إِعراب الجملة على هذا النحو يجعلنا نقف أمام إِشكال آخر هو عدم المطابقة الصرفية بين الوحدتين الصرفيتين اللتين تقومان بوظيفتي المبتدأ والخبر. ولكن هذا الإشكال من السهل تفسيره وتسويغه وذلك بالتمييز بين اللغة المنطقية ولغة الاستعمال، أي بين النظام والأداء، بين النحوية والمقبولية. فالمطابقة شرط لابد منه في اللغة المنطقية، أي في النظام، ومقتضيات النحوية، غير أن الأمر قد لا يكون بالضرورة كذلك في لغة الاستعمال، إِذ اللغة الإِنسانية ليست بناء منطقيا جامدا ولذلك تكون لغة الاستعمال المشحونة بالانفعال في نزاع مستمر مع اللغة المنطقية، وذلك لأنه بسبب خضوعها للتأثيرات الفردية تميل دائما إِلى الابتعاد عن المثل الأعلى الذي تحتذيه اللغة المنطقية المشتركة (50). وعليه فهناك إِذا قوتان متقابلتان: قوة طرد عن المركز تمثله لغة الاستعمال، ولغة جذب نحو المركز تمثله اللغة المنطقية، وهما متميزتان إِحداهما من الأخرى لذلك فإِننا لا نستطيع أن نطبق التفكير المنطقي على اللغة دائما وبشكل صارم. إِن المثل المنطقي الأعلى للنحو هو أن يوجد لكل وظيفة عبارة واحدة فقط ولتحقيق هذا المثل يجب على اللغة أن تكون ثابتة ثبوت الجبر (51). ولكن الجمل ليست رموزا جبرية، فالانفعالية لا تنفك تغلف عبارة الفكر المنطقية وتلونها. ولذلك ينبغي لنا أن لا نقصر اهتمامنا على الصورة التي تصاغ عليها الأفكار، وإِنما ينبغي لنا أن نأخذ في الاعتبار العلاقات التي توجد بين هذه الأفكار وحساسية المتكلم (52).
إِن المطابقة الصرفية بين الوحدات الصرفية مطلب تفرضه اللغة المنطقية وتوجبه. ولكنها ليست مطلبا في اللغة الانفعالية. ففي هذه اللغة يصير الواحد جمعا، والجمع واحدا، والمادي معنويا، والمعنوي ماديا، والمذكر مؤنثا والمؤنث مذكرا... ليس من قبيل العبث أو التلاعب باللغة، وإِنما يجد الإِنسان نفسه مسوقا تحت غمرة الانفعال ومقتضيات الاستعمال إِلى اعتبار هذا الشكل أو ذاك هو الشكل الأنسب لتجسيد أفكاره والتعبير عن خلجات نفسه وانفعالاته. والتعبير عن أي فكرة لا يخلو مطلقا من لون عاطفي، ولا تكاد توجد جملة لا تخالطها عناصر انفعالية (53). وعليه ينبغي لنا أن نميز بين اللغة المنطقية الجامدة الثابتة، وبين لغة الاستعمال الحية التي تتسم بالمرانة والعفوية.
ولكن النحويين في دراستهم للتراكيب اللغوية لم يعيروا أثر الاستعمال والانفعال في العبارة اهتماما ملحوظا وإنما حصروا أنفسهم، وقيدوا نظرتهم باللغة المنطقية وركزوا عنايتهم وصرفوا جلّ اهتمامهم إِلى مَنْطقة كل ما تأتي به لغة الاستعمال المشحونة بالانفعال من استعمالات لا تقرها اللغة المنطقية (54). فكان هناك فيض من التأويلات والتقديرات التي لا حاجة إِليها نظرا إِلى كون المعنى مفهوما بدونها، بل إِن هذه التأويلات قد تسيء إلى المعنى، بل قد تقضي عليه أحيانا، كل ذلك من أجل رد لغة الاستعمال واللغة الانفعالية إِلى اللغة المنطقية. قال السيوطي (55). " وإنما يقدر النحوي ليعطي القواعد حقها، وإن كان المعنى مفهوما". وفي سبيل منطقة لغة الاستعمال كان حكمهم على الوصف أنه مبتدأ رافع المكتفىً به في الشواهد الشعرية الآتية:
أقاطنٌ قوم سلمى أم نووا ظعنا
إِن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا (56)
وقوله:
خليلي ما واف بعهدي أنتما
إِذا لم تكونا لي على من أقاطع (57)
و قوله:
أمنجزٌ أنتم وعدا وثقت به
أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوب (58)
و قوله:
أمر تجعٌ لي مثل أيام حنّة
وأيام ذي قار علي الرواجع (59)
وقوله:
أناوٍِ رجالك قتل امرىء
من العز في حبك اعتاض ذلا (60)
ونقول: إِن تقديم الوصف وتوحيده لم يكن عبثا، فتقدم الخبر ههنا عملية تركيز أو تبئير، وجعل الجماعة أو الاثنين واحدا فيه من التركيز والتكثيف للمعنى ما لا خفاء فيه، ففي البيت الثاني الذي جاء
فيه الوصف خبرا عن المثنى، يريد الشاعر أن يقول: أنتما في عدم الوفاء كأنكما على قلب رجل واحد، أي أنتما في عدم الوفاء سواء ولو طابق الخبر المبتدأ ما أدى هذا المعنى؛ لأن التثنية تفيد أنهما وافيان، ولكن المعنى محتمل لأن يكونا متساويين في الوفاء. ومتفاوتين، وعليه فلو قال " ما وافيان بعدي أنتما " ما فهم منه مباشرة أنهما في عدم الوفاء بعهده على نفس المستوى كما يفهم ذلك من الإِفراد.
وأما في الشواهد الأخرى التي جاء فيها الوصف خبرا عن الجمع فالأمر هو الأمر ذاته مع البيت السابق، فالشعراء يستفهمون عما إِذا كان المعنيون على نفس المستوى، أي على قلب رجل واحد بالنسبة للحدث المستفهم عنه. ولو طابق الخبر المبتدأ في العدد ما أدى هذا المعنى بدقة. ولذا كان عدم المطابقة هو الأسلوب الأمثل لنقل هذه المعاني والأفكار، وذلك أن التكلم ليس تركيب جملة فحسب، وإِنما هو اختيار لجملة نراها مطابقة للمقام بين نماذج من الجمل تزودنا بها الذاكرة (61).
وعليه نقول: إِن الإِخبار عن الجمل بالمفرد في قوله تعالى: ( والملائكة بعد ذلك ظهير) (62) كان - والله أعلم- للإعلان أن الملائكة في نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كأنهم على قلب ملك واحد، لا تفاون بينهم في ذلك. وكذلك إِفراد الجمع في قوله:
خبير بنو لهب فلاتك ملغيا
مقالة لهبي إِذا الطير موت (63)
هو من هذا القبيل. ولكن النحويين سعيا منهم لمنطقة هذه لأساليب خرجوا عدم المطابقة على أساس أن صيغة " فعيل" مستثناة من لزوم المطابقة، نظرا إِلى أنها تأتي بمعنى الجمع (64).
وفي سبيل منطقة لغة الاستعمال والأساليب الانفعالية يضطر النحاة أحيانا إِلى تأويلات بعيدة ومتكلفة، ويظهر ذلك بوضوح في تخريجهم لـ " أخوكم " في قول العباس بن مرداس السلمي:
فقلنا أسلموا إِنا أخوكم
فقد برئت من الإِحن الصدور
فنظرا إِلى أن اسم إِن جمع، وأن الخبر ينبغي أن يكون مطابقا للاسم فقد قطع السهيلي بأن " أخوكم " ههنا جمع حذفت نونه للإِضافة (65). وكذلك خرجها صاحب اللسان (66). ولكن ليس هناك من دليل قاطع على أن " أخوكم " ههنا جمع وليست مفردا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه الطريقة للجمع نادرة قليلة الشيوع إِنما يحكم بها ويقطع بذلك إِذا قام الدليل، وذلك كما في قول عقيل بن علفة المري (67).
وكان بنو فزارة شرّ قوم
وكنت لهم كشر بني الأخينا
أما "أخوكم" في بيت العباس بن مرداس فالحكم عليها بأنها جمع لا يصح إِلا أن يقوم دليل قاطع على ذلك. وطالما أنه ليس ثمة دليل قاطع فلا معنى للحكم عليها بأنها جمع، وإن كانت خبرا عن جمع؛ لأن هذا التخالف في العدد بين الركنين مقصود. قصدا، إِذ القصد إِخبار المعنيين أنهم في أخوّتهم لهم على قلب رجل واحد. والجمع لا يؤدي هذا المعنى وإنما يحترمه ويجعله محتملا،ولهذا فقد جوز فيه ابن جني أن يكون مفردا (68)،في حين عده ابن فارس مفردا أريد به الجمع (69).
ومن قبيل منطقهّ لغة الاستعمال المشحونة بالانفعال تخريجهم لإِفراد الخبر في بيت سلامة بن جندل:
ألا إِن جيراني العشية رائح
دعتهم دواع من هوى ومنادح (70)
حيث خرج عدم التطابق بأن اسم "إِنّ" جيران"
قد خرج مخرج الواحد؛ لأنه كلفظ " عمران " (71) وعليه فإِذا قال سيبويه (72): " لا تقول: القوم ذاهب " قلنا هذا في اللغة المنطقية، أما في لغة الاستعمال، فهو جائز ولا غبار عليه، ودليل ذلك وروده في كلام العرب، كما في البيت السابق وكما في قول أبي جندل الهذلي:
أولئك ناصري وهم أرومي
وبعض القوم ليس بذي أروم (73)
ومنه في النثر، الحديث: "وهم يد على من سواهم " وقول عمر رضي الله عنه " كلنا عبد " (74)، وقول عروة بن مسعود الثقفي لقريش:" قد عرفتم أنكم والد " (75). وحكى الأخفش(76): " ان بك مأخوذ أخواك ". و مثل ما حكاه الأخفش أي الإِخبار عن المثنى بالمفرد الحديث الشريف: "أحيّ والداك؟ " (77) ومنه في الشعر قول الشنفري:
وأصبح عني بالغميصاء جالسا
فريقان: مسؤول وآخر يسأل
فقد عد الزمخشري " جالسا" خبرا (فريقان " (78) ولكن ابن بري تحت تأثير قاعدة المطابقة عدّه حالا، وجعل الخبر شبه الجملة (بالغميصاء " (79)، ولكن إِعرابها " حالا" لا يبعد كثيرا عن كونها خبرا لأن الخبر هو نفس الخبر عنه، والحال هي نفس صاحبها في المعنى، وهي خبر ثان في المعنى (80)، فهي مسندة إِسنادا ثانويا إلى صاحبها: " فريقان ". ومن ذلك أيضا قوله:
كأن وريديه رشاءٌ خلب (81)
وقول العرب: أسودان سالخ (82).
ويقابل عملية التركيز والتكثيف بتصيير الجمع أو المثنى واحدا، عملية التضخيم بتصيير الواحد جمعا. وهاتان العمليتان وإن كانتا على طرفي نقيض ظاهرا، تفضيان إِلى نتيجة واحدة هي القوة في المعنى والمبالغة فيه. فمن تصيير الواحد جمعا إِرادة للمبالغة وتعظيم الشأن قوله تعالى: (هذا بصائر) (83). أي القرآن بصائر جمع بصيرة. ومن هذا الباب قول أبي ذؤوب:
فالعين بعدهم كأن حداقها
سلمت بشوك فهي عور تدمع (84)
وقول القطامي:
كأن قيود رحلي حين ضُمّت
خوالب غرز أو معا جياعا (85)
حيث جعل "المعا" لفرط الجوع أمعاء جائعة.
ومن ذلك قراءة حمزة وطلحة، ويحيى بن وثّاب والأعمش " وأرسلنا الريح لوا قح " (86).
وقد أكثرت العرب من نعت المفرد بالجمع على
سبيل المبالغة أيضا، وذلك كقولهم: ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وحبل أرمام وأرض سباسب (87)... ومن ذلك تسميتهم للضبع حضاجر إِرادة المبالغة (88).
ومن مظاهر مخالفة لغة الاستعمال اللغة المنطقية، التجريد أي جعل الأعيان بمنزلة المعاني مبالغة وتفخيما كقول الخنساء:
ترتع ما غفلت حتى إِذا ادّكرت
فإِنّما هي إِقبال وإِدبار(89)
وقول الآخر:
فأنت طلاق والطلاق عزيمة
ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم (90)
ومن التجريد أيضا الوصف بالمصدر نحو: رجل عدل ورضى ودنف،
و عكس التجريد، التشخيص أي تنزيل المعاني منزلة الأعيان مبالغة وتفخيما أيضا كقولهم: شعر شاعر وموت مائت وشغل شاغل (91).
ومن التشخيص أيضا الإِخبار بالزمان عن الجثة وذلك في قولهم: الليلةَ الهلال واليومَ خمر، والرطب شهري ربيع (92). واليهود غدا والنصارى بعد غد.. (93).
ومن مظاهر التفاوت بين اللغة المنطقية لغة الاستعمال تأنيث المذكر، كما في قول رويشد بن كثير الطائي:
يا أيها الراكب المزجي مطيته
سائل بني أسد ما هذه الصوت
وكقول أحدهم فيما حكاه الأصمعي: " فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها" (94).
وعكسه أي تذكير المؤنث كما في قول أوس بن حجر:
إِذ الناس ناس والزمان بعزة
وإِذ أم عمار صديق مساعف (93)
ومن مظاهر الاختلاف بين اللغة المنطقية ولغة الاستعمال أيضا المخالفة في الإِعراب، كما في قول الفرزدق:
وعضّ زمانٍ يابن مروان لم يدع
من المال إِلا مسحتاً أو مجلفُ
حيث عطف مرفوعا على منصوب. ومن هنا قال الرضي (96)، " واعلم أنه تجوز المخالفة في الإِعراب إِذا عرف المراد نحو: مررت بزيدٍ وعمروٌ ، أي وعمرو كذلك، ولقيت زيدًا وعمروٌ ، أي وعمروٌ كذلك ".
وفي الحقيقة، إِن كل مظاهر الانحراف التركيبي عن اللغة المنطقية إِن هي إِلا وليد لغة الاستعمال ومظهر من مظاهر الانفعال الذي يغلفها. لذا يفسر عدم استقرار النحو وكثرة مظاهر الانحراف بعمل اللغة الانفعالية التي تعمل عملها في اللغة المنطقية فتفككها وتسطو عليها (97). والثابت الوحيد الذي تلتقي فيه هاتان اللغتان، وتجتمعان عليه هو العلاقات النحوية، فالثابت الوحيد إِذن هو العلاقات النحوية وأما العلاقات الصرفية من مطابقة في العدد والجنس والإِعراب فهي من المتغيرات التي يتحكم فيها ويقررها طبيعة المعنى المراد إِيصاله. فعدم ثبات العلاقات الصرفية سلوك لغوي مقصود لأداء معان مقصودة أيضا قال ابن جني (98): "... فإِن العرب- فيما أخذناه عنها وعرفناه من تصرف مذاهبها- عنايتها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها ". وقال ابن الصائغ (99). " اعلم أن المناسبة أمر مطلوب في اللغة العربية، يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول ". وما دام الأمر كذلك يجب علينا أن نراعي في التحليل اللغوي مقتضيات اللغة الانفعالية، وأن نتجنب قدر المستطاع منطقة هذه الأساليب ؛ لأن مثل هذا العمل إِن كان فيه صلاح للغة فإِن فيه تضحية ووأداً للمعاني والأحاسيس التي نريد أن ننقلها من خلال اللغة التي لا تزيد على كونها وسيلة التفاهم وأداة التعبير. لذا نقول مع الدكتور عبد الرحمن أيوب (100). يجب أن لا تطبق القواعد النحوية على إِطلاقها، وألا نحكّم الاعتبارات المنطقية في التحليل اللغوي، بل ينبغي أن نفهم أن اللغة لا تبنى على المنطق، وأن الصدفة التاريخية قد تخل بكثير من الواقع المنظم للغة ".