عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي سطور في كتاب (29): من كتاب الآثار التربوية لدراسة اللغة العربية لخالد بن حامد الحازمي

كُتب : [ 05-17-2017 - 12:24 PM ]


تربية الذوق اللفظي
من كتاب الآثار التربوية لدراسة اللغة العربية لخالد بن حامد الحازمي

للغة العربية وعلومها آثار تربوية لاسيما إذا كان متعلمها له نصيب وافر من العلم الشرعي، حيث تكسبه فصاحة في الكلام، وبلاغة في البيان، وجمالاً في تركيب الكلام، وتعينه على إظهار ما استجاشت به نفسه من مشاعر مكارم الأخلاق وسمو النفس، فتكسبه ذوقاً لفظيًّا، ونمواً فكريًّا، وفهماً عميقاً، وعاطفة جياشة لما اكتسب من رقة الطبع، وحسن المشاعر.

مفهوم الذوق اللفظي:
الذوق مصدر ذاق الشيء يذوقه، وذواقًا ومذاقًا .
الذوق في الأدب: هو حاسة معنوية يصدر عنها، انبساط النفس أو انقباضها لدى النظر في أثر من آثار العاطفة أو الفكر، ويقال: هو حسن الذوق للشعر، فهّامة خبير بنقده .
والذوق اللفظي: هو حاسة معنوية يصدر عنها ما جمل من الألفاظ، وهجر ما قبح منها.

أهمية الذوق اللفظي:
تعتبر الكلمة الطيبة الجميلة ذات الألفاظ البديعة مدخلاً لقلوب السامعين، وجمالاً لألسنة المتحدثين تكسبهم إعجاب ومحبة الآخرين، وهي لا تقل عن الفعل القويم أثراً، جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، أو إن بعض البيان سحرٌ).
قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: "وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة" . وفي استخدام الألفاظ الجميلة والعبارات الطيبة الحسنة تربية اللسان على ما جمل وحسن من الألفاظ، فلا يألف المرء إلا الكلمات التي تجلب خيراً وتدفع شراً.
وفي تعود اللسان على ما حسن من الألفاظ وقوي، تمكين لصاحبه في التنقل بين حديقة الكلمات الغناء، وتسعفه بأحسن العبارات وأجمل الألفاظ.
وهذا ينعكس على سامعيه ومجالسيه، فتجده بينهم محبوب ولكلامه قبول، ولفكرته مستمعون، وأما صاحب الألفاظ البذيئة، فتجده لم يألف لسانه إلا أرذل الألفاظ وأبخسها، فإذا تحدث كان الناس عنه لاهون ولفكرته غير منتبهين يسأم منه جليسه ويئد فكرته بألفاظه، وسوء عباراته، ولنا في القرآن الكريم منهجاً قويماً، في عذوبة ألفاظه، وجزالة عباراته، وفصاحة بيانه، وحلاوة تراكيب ألفاظه حتى قال عنه أحد أعدائه الوليد بن المغيرة، عندما قال له قومه: "قل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال الوليد: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذه، والله إن لقوله الذي يقول: حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته".
كما أن لنا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة ولأسوة المباركة، تحدث بأحسن العبارات لفظاً، وأوضحها معناً، وأقواها دلالة، اشتملت على إيجاز في غير إعجاز، ووضوحاً في غير إطناب، فقد أعطي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم.

الآثار التربوية للذوق اللفظي:
لجمال الألفاظ آثار تربوية عظيمة تنعكس على صاحبها وعلى مستمعيه،بعضها مباشر الأثر وبعضها مكنون الأثر، وبيانها فيما يلي:
1- الإصغاء للكلمة الجميلة:
الكلمة الجميلة تأسر مستمعها، وتجعله يتابع أحداث معانيها ودلالاتها في تفاعل وتأثر؛ لأنها تجذب عواطفه وتأخذ بألبابه، فذاك عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقدم عليه وفود أهل البلدان، فيتقدم إليه وفد أهل الحجاز، فاشرأب منهم غلام للكلام فقال عمر: يا غلام ليتكلم من هو أسن منك فقال الغلام: يا أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لساناً لافظاً وقلباً حافظاً, فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك، فقال: عمر صدقت، تكلم؛ فهذا السحر الحلال! .." .
فتأمل كيف أثرت الفكرة الجميلة باللفظ البديع في عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه، وأصغى إلى الغلام حتى انتهى من كلامه وبيانه، وكيف تقدم هذا الغلام على أقرانه وكبراء قومه؟ وكأنه كبيرهم الذي لا يعقد رأي بدونه.
وليس من الجمال اللفظي التعمق، واستخراج المعاني والألفاظ الغريبة، يقول ابن قتيبة: "ويستحب له أن يدع في كلامه التقعر والتقعيب" فهو يستثقل، والأدب غض، والزمان زمان، وأهله يتحلون فيه بالفصاحة، ويتنافسون في العلم .
ومثال ذلك قول علقمة عندما هاجت به مرة واجتمع عليه قوم، فقال لهم: ما لكم تتكأكؤن عليّ كتكأكئكم عليّ ذي جنة، افرنقعوا عني، فقال رجل منهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية، وقال لحجام يحجمه أشدد قصب الملازم، وأرهف ظبة المشرط، وخفف الوضع وعجل النزع، وليكن شرطك وخزاً، ومصك نهزاً، ولا تكرهن أبياً ولا تردن آتياً، فوضع الحجام محاجمه في جونته وانصرف .
ويلزم ليحسن اللفظ ويجمل ترك اللحن في الكلام. قال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب النفيس. وقال أبو الأسود: إني لأجد اللحن غمراً كغمر اللحم، وقال مسلمة بن عبد الملك اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه .
وقد اختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قما فقد آذيتما أمير المؤمنين، فقال عمر للحاجب: أنت والله أشد إيذاء منهما .
فلحن حاجب أمير المؤمنين، كان أثره وألمه أشد عليه. وفي هذا إشارة إلى أهمية التربية اللغوية. والعناية بها من خلال وسائل ووسائط التربية المختلفة , فبهما تحفظ اللغة وتحسن الألفاظ.
فلكي يحدث الأثر اللفظي من حيث الإصغاء للغة الجميلة، فلا بد من معالجة خوارمها من التقعر في الألفاظ واللحن في الكلام، فإنه يبعد عن الإصغاء وينفر من متابعة الكلام.
ومن أمثلة الألفاظ المؤثرة والمعاني الجميلة: أنه دخل على عبد الملك بن مروان ابن القرية فبينما هو عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه فقال: من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟ قال: ولد أمير المؤمنين، قال: بارك الله لك فيهم كما بارك لأبيك فيك، وبارك لهم فيك كما بارك لك في أبيك. قال: فشحن فاه دراً فجمال تلك الألفاظ تدل على الأثر التربوي العظيم للمتأدب والمتحلي ببديع البيان وحسن تركيب الكلام لألفاظ اللغة، فابن القرية لم يأت بألفاظ غريبة، وإنما أتى بألفاظ يستطيع أن يأتي بها كل أحد من المتكلمين بالعربية، غير أنه أبدع في تركيبها اللفظي فجاءت كالدرر.
وتأمل جمال اللفظ الوصفي في الأبيات التالية التي تدل على أن من نشأ نفسه على حسن البيان والألفاظ، فإنما أطعم لسانه جواهر الكلام.
قال السعدي أبو وجزة وقد قدم على المهلب بن أبي صفرة:
يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود
عَمَّتْ عطاياك من بالشرق قاطبة ... فأنت والجود منحوتان من عود
2- التفاعل العاطفي:
كما تتفاعل العواطف مع الأحداث السارة والأحداث المؤلمة، فتبغض وتحب وتكرة وتميل، فإنها تتفاعل أيضاً مع الكلمات والألفاظ العذبة، بل ربما كان صور تلك العبارات الأدبية الجميلة أكثر تأثيراً من واقع الأحداث، فتتأثر لها القلوب وتتفاعل معها النفوس.
فتأمل قول البحتري في وصف بركة واسعة وكأنها أجمل من البحر والأنهار:
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والانسات إذا لاحت مغانيها
يحسبها أنها من فضل رتبتها ... تعد واحدة والبحر ثانيها
ما بال دجلة كالغير تنافسها ... في الحسن طوراً وأطواراً تباهيها
كأنما الفضة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكاً ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها
فرونق الشمس أحياناً يضاحكها ... وريق الغيث أحياناً يباكيها
إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلاً حسبت سماءً ركبت فيها
لا يبلغ السمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها
فهذا الوصف الأدبي الجميل يجعل قارئ القصيدة كأنه ينظر إلى تلك البركة المملوءة ماءً، وقد بلغت من حسنها وفضل رتبتها أنها الأولى والبحر ثانيها، وقد نافسها نهر دجلة المتدفق بمائه العذب كغيرة النساء فيما بينهن، وشبه جمال الماء وتلألؤه بالفضة ناصعة البياض، تجري في مصباتها، وأما الليل فانعكاس السماء بنجومها المتلألئة في سعة مائها يخيل للناظر أن السماء قد ركبت فيها.
وفي صورة أخرى من التفاعل العاطفي للكلمة أن دخل المختار بن أبي عبيدة على معاوية وكانت عليه عباءة رثة، فاستحقره، فقال له المختار: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك! ولكن يكلمك من فيها، وأنشد:
أما وإن كان أثوابي ملفقة ... ليست بخزٍ ولا من نسج كتان
فإن في المجد هماتي وفي لغتي ... فصاحة ولساني غير لحان
فيلاحظ الأثر التربوي للألفاظ والمعاني التي خالف بها المخبر المظهر، فتفاعلت معها أحاسيس قارئها وكأنه ينظر إلى ذلك الموقف ويعايشه، بل يجد عطفاً وتفاعلاً مع ذلك الرجل رث الثياب ذرب اللسان، حتى ليخيّل للمرء أنه لن يبالي بثيابه قدر ما يهتم بمخبره ولسانه.
ولما دخل ضمرة بن ضمرة على المنذر بن ماء السماء، وهو إذ ذاك ملك الحيرة واليمامة، وكان ضمرة ذا عقل وعلم، وحلم وحكمة وشجاعة إلا أنه كان دميم الخلقة، قصير القامة، وكان ذكره قد ذاع في الآفاق، فلما رآه المنذر احتقره لدمامة خلقته وقصر قامته، فقال سماعك بالمعيدي خير من أن تراه، فقال له ضمرة أيه الملك ليس المرء بحسنه وجماله، وبهائه وكماله وهيئته وثيابه، لا والله حتى يشرفه أصغراه لسانه وقلبه، وقد قال الشاعر:
وما المرء إلا الأصغران لسانه ... ومقوله والجسم خلق مصور
فلتك العبارات التي ذكرها ضمرة أثرها على المنذر، إذ كشفت له عن شخصية تحمل صورة باطنة خلاف الصورة الظاهرة.
فهو ذلق اللسان، فأشار بكلامه إلى قلبه ولسانه، فبهما تكون قيمة المرء لا بجسمه ومظهره فقط، والمستمع لهذه الألفاظ الأدبية في هذا الموقف يجد أثر الكلمة على عواطفه قد أينعت، فجاذبت عواطفه نحو خصال تربوية هي الاهتمام بالناس دون النظر إلى مظاهر هم، والتفاعل مع عوائدهم لا مع صورهم.
فالتفاعل العاطفي مع اللغة الأدبية له تأثيراته وإيقاعاته على النفس البشرية فيربي فيها ما لا يتوقع من مكارم الأخلاق.
وفي صورة أخرى تصف كلمات أدبية شيئاً، قد لا يأبه به الإنسان لصغر حجمه ورخص ثمنه، فيتجاهل قيمته وأثره العظيم، ولكن بالوصف الجميل والكلمات الرصينة والعبارات المنمقة وسِعَةِ الخيال ما يجعل النفوس تتفاعل مع ذلك الموصوف وتعرف له قدره بما يزيل غباراً قد أنسى فضله.
وهذه المقطوعة الأدبية تحكي أن بعض الكتاب أهدى إلى أخ له أقلاماً وكتب إليه: (إنه أطال بقاءك! لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمود المملكة وأعظم الأمور الجليلة قدراً، وأعلاها خطراً، أحببت أن أتحفك من آلاتها بما يخف عليك محملة وتثقل قيمته، ويكثر نفعه، فبعثت إليك أقلاماً من القصب النابت في الأغذاء المغذو بماءِ السماء، كاللآلئ المكنونة في الصدف والأنوار المحجوب بالسدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان. كما قال الكميت:
وبيض رقاقٍ صحاح المتو ... ن تسمع للبيض فيها صريرا
مهندةٍ من عتاد الملوك ... يكاد سناهن يُعشي البصيرا
وكقِدْح في ثقل أوزانها، وقضب الخيزران له في اعتدالها، ووشيج الخط في اطرادها، تمر في القراطيس كالبرق اللائح وتجري في الصحف كالماء السائح.
فمهما تنوعت المجالات والفنون فتظل الألفاظ الأدبية مؤثرة في سامعيها بما يجعلهم يتفاعلون معها عاطفياً، فينسكب أثرها في قوالب تربوية منابعها كلمات اللغة العربية.
3- التفاعل العقلي والسلوكي:
إن بلاغة التصوير اللفظي للأشياء تشد ذهن المستمع أو القارئ لترتسم مكونات الأحداث في عقل المرء، كأنه يشاهدها فتتجاذب لذلك الألباب والعواطف في تفاعل، يُحدث لدى الفرد آثاراً تربوية تظهر في سلوكه وتجاذبه مع الحدث نتيجة ما سمع.
فكم نسمع من كلمات أدبية وقصائد شعرية تصف آلام الأمة في أقصى الكرة الأرضية، ونحن لم نشاهدها عياناً فتتفاعل لها العقول كأنها تشاهد تلك الأحداث وتعايشها، فيجول فكر المرء في جوانبها وربما تصور حلولاً، وهو في منأى عن مواقعها. حتى ليدفع المرء أغلى وأحسن ما يستطيع لتأثره بصورة بلاغية عن أحداث مؤلمة.
وسويعات تقرأ في كتب الرحلات أو تسمع أديباً يقص رحلة من رحلاته، فتستغرق في أعطاف الرحلة، وتبحر بالعقل لا بالجسم في جوانبها، وربما تأثر السامع بمواقف، ومواقع وتفاعل معها كأنه يعايشها.

رد مع اقتباس