الترجمة والاختلاف
تنطلق كثير من دراسات الترجمة، خاصة الأدبية، من مفهوم ضرورة الاختلاف في الترجمة بين النص المترجم و الأصل. ومن تفسير للجزء الأول من كلمة ترجمة translation يعني تحويل شيء إلى شيء آخر مقاربة للكلمة الإنجليزية transform وليس transfer . وتفهم الترجمة في هذه الاتجاهات على أنها تحول في النص إلى نص آخر جديد وليست نقل نص من لغة لأخرى ، أو وجود عامل ثابت مشترك بين النص والأصل. وهي وجهة نظر ترى أن الترجمة التي تطابق الأصل تحاول طمس حقيقة أن العمل تم بواسطة مترجم وتتناقض مع نفسها من حيث أنها تنفي كونها ترجمة. وأن الترجمة التي تطابق الشكل لا يمكن أن تكون ترجمة بل هي أصل في ذاتها. ولا يمكن لترجمة أن تشبه الأصل إلا من خلال تعسف النص في اللغة المترجم إليها والتسلط على اللغة المكتوب بها. فالترجمة أصلها في اختلافها عن الأصل، أي أنها كما يقول المثل الإيطالي(tradutore traditore) خيانة بالضرورة.
وترفض وجهات النظر التي تنحى هذا المنحى مبدأ وجود "التراتب" hierarchy في البنية اللغوية، أو اعتماد بعض التراكيب اللغوية في معناها على البعض الأخر، لأن مجمل ما يعنيه الكل اللغوي يختلف دائماُ عن الأجزاء. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن افتراض وجود مركز تشيد حوله البنية اللغوية (كما تدعي النظريات البنيوية) هو في حد ذاته افتراض اعتباطي، إذا أردنا استعارة مصطلح سوسير، ولذلك فالنظام الشكلي اللساني هو تجريد من اجتهاد اللسانيين و افتراض من خيالهم لا غير.
وينطلق هذا الاتجاه من نظرة واسعة للمعنى ترفض وجود معنى أساسي essential في اللغة ومعنى غير أساسي contingent أو أن للكلمات دلالة مفهومية ثابتة conceptual meaning يكون خارج النص أو السياق. وهي لا تعترف بالخطوط الفاصلة التي تقيمها اللسانيات بين وحدات المعنى، مثل الفصل بين الدلالة اللغوية والدلالة البراقماتيكية، اللغة و الكلام، والشكل والمحتوى، والتركيب، والدلالة، وغيرها من مفاهيم التضاد الثنائي التي تفترضها اللسانيات. وترى أن الاختلافات في الكلام والأساليب اللغوية هي اختلافات جوهرية في المعنى. وترى أن المعنى لا يرتبط فقط بسياق الحال بل هو جزء لا يتجزأ من هذا السياق، فالمعنى خارج السياق هو افتراض لساني غير مبرر.
ولهذا الاتجاه، بطبيعة الحال، موقف مغاير من علاقة الترجمة بالأصل. فعلاقة النص المترجم بالأصل ليست علاقة "مفرد بمفرد" بل علاقة "مفرد بمتعدد" فالنص الأصلي يحتمل أوجه فهم ومعاني متعددة وبالتالي ترجمات متعددة. ولو ترجم أشخاص مختلفون نصاً ما فسوف يكون هناك ترجمات مختلفة ربما لا علاقة لإحداها بالأخرى. فلكل مترجم أسلوبه الخاص وفهمه الخاص أي لُغَيّة idiolect خاصة به تحدد ترجمته.
وهناك أيضا مشكلة أخرى يعرض لها أصحاب هذا الاتجاه، و هي علاقة الأصل بالترجمة من حيث الشكل فهي أيضاً متنوعة، وهي حسب رؤية جورج شتاينرG. Steiner ، ليست واحدة ويمكن أن تأخذ أوجها متعددة ويمكن أن تكون علاقات تقليد، تشابهه موضوعي، أو حتى محاكاة، وهي أوسع من أن يشملها تعريف نظري [37].
وينطوي تحت هذا الاتجاه وجهات النظر المختلفة التي ترى نسبية الحقائق الأنطولوجية للغة التي ترى أن العالم لا يرى إلا من خلال اللغة، و أن اللغة في هذه الحالة هي التي تشكل العالم وتفسره. ولذلك فالترجمة هي تفسير لرؤية العالم من وجهة نظر لغة أخرى، فبينما ترى اللسانيات أن وحدة الترجمة هي الوحدات اللسانية من كلمات وجمل، وفي حين ترى اللسانيات النصية أن النص هو وحدة الترجمة، فإن الاتجاهات النسبية في الترجمة، تنطلق من نظرة كلية للترجمة في علاقتها باللغة والثقافة، وهنا تكون وحدة الترجمة هي الثقافة ذاتها، الثقافة التي يشكل في داخلها النص جزءاً من رؤية عامة للعالم.
وإذا كانت اللغات تشكل رؤى متباينة للعالم، فإنه، من وجهة نظر نسبية أيضاً، تشكل اللهجات، أنماط النصوص والأساليب رؤى مختلفة للعالم من داخل اللغة الواحدة، فالاختلاف بين أنماط النصوص ليس لغوياً فحسب ولكنه معنوي وإيديولوجي أيضا. واللغة ساحة تتصارع فيها الخطابات المتعددة. ولذلك فالترجمة يمكن أن تتم داخل اللغة ذاتها، وليس بين اللغات فقط. بل إن البعض مثل أوكتافيو باثctavio Paz يرى أن الأم عندما تفسر لطفلها كلمة ما فإنما هي تترجم تلك الكلمة إلى كلمة أبسط، وهو لا يرى فرقاً بين الترجمة داخل اللغة و خارجها [38، ص151]. ولذلك فالفرق بين الترجمة الضمن-لغوية والترجمة البين- لغوية هو فرق مسافة لا فرق كيف، وهذا يؤكده أيضاً شتاينر الذي يرى أن الترجمة نوع من التواصل لا يختلف داخل اللغة أو بين اللغات. لأن المترجم في كلتا الحالتين يعيد تفسير النص الأصلي للقارئ، وهو ليس محايداً هنا بل وسيط.
وهذا المفهوم الواسع للترجمة لا يلتزم ولا يرى ضرورة للحفاظ على الشكل اللغوي عند القيام بعملية الترجمة، ويشمل جميع وجهات النظر غير اللسانية وغير السيميائية للترجمة. وهذا الاتجاه لا يرى جدوى في البحث عن المكافآت بين اللغات ويبرر ذلك باختلاف اللغات اختلافاً جذريا لا يبرر وجود هذه المكافآت.وإذا وجدت مثل هذه المكافِآت فهي نتيجة للترجمات المتكررة، أو كما يراهـا هارتمـان R. Hartman هي "ترجـمـات متـحـجـرة" fossilized translations. ويضم هذا المنحى الكثير من الاتجاهات ومن أبرزها: "التفسيرية" interpretive ؛ التأويلية hermeneutic ؛ والتفكيكية deconstructive. وبعض اتجاهات الترجمة الأدبية.
كما أن النظريات التي يستقي منها هذا المنحى رؤاه هي في الأعم الأغلب نظريات ترفض مفاهيم النظم اللغوية التي تميل لها الدراسات اللسانية والسيميائية، لأن التفاهم باللغة ينطوي دائماً على مواقف جديدة مبدعة تتجاوز دائماً أطر النظم اللغوية. ولذلك فهي أيضاً ترفض التنظير لطبيعة العمليات اللغوية لأن العمليات اللغوية هي أحداث وليدة ظروفها ولا تعيد نفسها أو تكرر ذاتها بشكل يسمح بتأطيرها ضمن بنى لغوية مغلقة. وهي على عكس النظريات اللسانية التي ترى في اختلاف الأساليب اختلافاً سطحيا مظهريا، تهتم بالاختلافات الأسلوبية مهما كانت دقيقة، وترى أن المعنى اللغوي مفتوح على تنوع أسلوبي لا متناهي يشكل جزءا جوهريا من المعنى.
واختلاف الأساليب هو الوجه الآخر لاختلاف القراءات، فالنص، أي نص يشكل عالما مفتوحا لقراءات متعددة تفتح الأبواب لترجمات متعددة للنص. ذلك لأن القراءة الواحدة تفترض، بشكل غير مباشر، معنى واحدا موحدا لو افترضنا أن للنص مدلولا عاما واحدا. فالقراءة والفهم يفهمان على أنهما تفاعل نشط مع النص لا عملية تلقي سلبية.
النظرة التفسيرية للترجمة
ترتكز النظرة التفسيرية interpretive على دور المترجم كوسيط يشكل الحلقة الأهم في عملية الترجمة. وعلى عكس اللسانيات التي تحاول التقليل من دور المترجم أو إخفاءه تماما في أسوأ الأحوال، فالمترجم من وجهة النظر التفسيرية للترجمة هو محور عملية الترجمة كلها.
ويجسد ستيفن روس S. Rossوجهة نظر هذا الاتجاه على أكمل وجه، فهو يرى أن المترجم، في المرحلة الأولى للترجمة، يكوّن وجهة نظر judgment حول النص الأصلي، وجهة نظر ذاتية خاصة بالمترجم فيما يمكن أن يعنيه النص الأصلي . ثم يعيد تفصيل وجهة النظر هذه في شكل لغوي آخر يتبع للغة أخرى ويخضع فيها لمعايير وضوابط تلك اللغة، والظروف المحيطة بإنتاج النص الجديد [39، ص 20].
ولذلك فستيفن روس ليتسأل صراحة: "بأي طريقة وأي شكل يجب أن تشبه الترجمة الأصل؟ إذا ما كان يتوجب أن تشبهه؟ والجواب الطبيعي، إذا ما كان هناك ثمة جواب، هو أن الترجمة يجب أن يكون لها نفس معنى الأصل. ولكـن ولسوء الحظ فإنه ليس "للمعنى" ولا "الشبه" مفهوم واضح فالشخص الذي يتكلم لغتين لا يستطيع أن يحقق مطلبين متكافئين في كلتا اللغتين دون أن يكون أحدهما ترجمة للآخر."
وعندما يرى روس أن الترجمة يمكن أن تختلف في المعنى عن النص الأصلي فهو يقصد بالمعنى المعنى اللساني semantic . فاستراتيجيات اللغات في التعامل مع الوظائف اللغوية مختلفة، وإذا كان الشكل المعنوي للأصل لا يؤدي نفس الوظيفة اللغوية، أو لا يثير نفس الاستجابة في اللغة الهدف فيجب التضحية بالمعنى اللغوي. والترجمة يمكن أن تفي بالغرض في اللغة الهدف دون التزام هذا المعنى.
فقراءة النص المترجم لا تكون فقط قراءة من النص وإنما هي قراءة في النص أيضا يحمل فيه القارئ/المترجم النص الأصلي تحيزاته الفكرية، ورؤاه الخاصة، وافتراضاته المسبقة ليس فقط للنص وإنما لثقافة النص الأصلي.
والمترجم يحدد بشكل ذاتي علاقة النص المترجم بالنصوص الأخرى في ثقافة اللغة المترجم منها، ويفترض مثل ذلك في علاقة النص في اللغة المترجم إليها. وهو الذي يحدد المقابلات اللغوية ودرجة التكافؤ اللغوي بين الأصل والترجمة. والترجمة بهذا المفهوم تتمحور حول المترجم الذي ُيفعِلُ علاقة الأصل بالترجمة ويضفي عليها نوعاً من الحيوية والإبداع.
ويدخل ضمن هذا النطاق نظريات ما بعد الحداثة post-modern، وما بعد الاستعمار post-colonial ، التي ترى أن الترجمة والمترجم على حد سواء يخضع بوعي أو غير وعي لقيود ثقافية و إيديولوجية تفرضها العلاقات السياسية والاجتماعية التي تسم عصراً ما ويرتبط به المترجم من خلال المؤسسات الثقافية الرسمية وغير الرسمية التي يفرضها واقع مجتمع ما. فالمترجم يعكس هذه الاتجاهات الإيدلوجية في ترجمته.
ونظريات ما بعد الحداثة تضع الترجمة في سياق تاريخي سياسي، و ترى أن العلاقات السياسية والعرقية تطبع الترجمة بطابع غير متكافئ وتجعل الدول الأضعف (المُستَعْمَرة) تترجم بشكل مكثف من الدول الأقوى (المُسْتَعْمِرة) وبشكل تطغى فيه لغة القوي على الضعيف. فلغة المُسْتَعْمِر سابقاً تحظى باحترام ومكانة مبالغ فيها على حساب لغة المُستَعْمَر، الذي تتعسف الترجمة لغته، وتكون الترجمة منها أشبه بالسياحة اللغوية في اللغة المترجم منها، تستبيح كل شيء في ثقافتها ولا تقيم اعتباراً لخصوصيتها.
هذا إضافة لمحاولة تسليط الضوء على تأثر الترجمة بالعلاقات الاجتماع-سياسية داخل الثقافة الواحدة مثل الطبقة أو الجنس، فهناك مثلا من يرى أن الجنوسة feminism يمكن أن تؤثر على الجنس والخطاب اللغوي وبالتالي على الترجمة من/إلى الكتابات الأنثوية [40].
النظرة التأويلية للترجمة
تستقي النظرة التأويليةhermeneutic للترجمة جذورها من محاولات تقنين التفاسير المختلفة للكتب السماوية وخاصة الأناجيل. ومن المعروف أن تاريخ الترجمة في الغرب مرتبط ارتباطا كبيرا بتاريخ ترجمة الكتاب المقدس بما في ذلك بعض الاتجاهات اللسانية. والإنجيل هو أكثر الكتب ترجمة، فقد ترجم من الآرامية لليونانية ومنها للاتينية ثم اللغات الأوروبية الأخرى، وترجمة الإنجيل هي أكثر الترجمات إثارة للجدل في تاريخ الترجمة خاصة في مراحل النهضة والتنوير في أوروبا، ويعود ذلك لارتباط الإنجيل بالسيطرة الكنسية على الفكر والسياسة في أوروبا العصور الوسطى.
ثم تطور هذا الاتجاه وعُمِمَ ليشمل الكتب وخاصة الهامة ذات القيمة الأدبية. وقد شهد تطوراً كبيراً خاصة في الحقبة الرومانسية في الأدب الأوروبي. وتختلف الترجمة التأويلية عن الترجمة التفسيرية في أربعة عوامل رئيسة، الأول: هو طبيعة النصوص المترجمة، فالترجمة التأويلية تتعلق بالنصوص المقدسة والمركزية لثقافة النص الأصلي. وهذه الكتب المركزية لها تآويل وتفاسير متداولة وشبه متعارف عليها ولا تخضع بنفس الدرجة للفهم الذاتي للمترجم أو لتحيزاته الثقافية. الثاني: هو أن لهذه النصوص وظيفة محددة ومتلقين من فئة محددة أيضاً مما يجعل عملية ترجمة النصوص المئولة عملية واضحة المعالم والأهداف إلى حد كبير. الثالث: هو أن هذه الترجمة تلتزم التزاماً كبيراً بمعنى المؤلف الأصلي وتحذو حذو ثقافة النص الأصلي دون إتاحة المجال لتكييف النص للثقافة المتلقية. وعند الحاجة لذلك يكون ذلك ضمن نصوص شارحة في الهوامش أو حتى في كتب مستقلة. الرابع: هو أن تفسير النصوص في هذا الاتجاه لا يخضع لتفسير فرد يعينه وإنما يخضع لاتفاق جماعة من المطلعين على النصوص حول التفاسير التي يرونها ملائمة لها. و لمثل هذه الأسباب، يرى خوان ساجر Juan Sager ، أن ترجمة الأناجيل التي يمكن أن تؤخذ مثالاً للترجمة التأويلية مجال مستقل بذاته، إضافة لمجالي "الترجمة الأدبية" و"الترجمة العلمية"[41 ].
و قد انتقل تأثير الترجمة التأويلية لبعض المجالات الأخرى حيث حاول بعض المفكرين تحديد الأسس التي يتم بموجبها فهم بعض النصوص الأخرى المترجمة. وربما يكون الفيلسوف الألماني شلايرماخر Schleiermacher هو أول من حاول التنظير لهذا المنهج في بداية هذا القرن. فقد حاول تحديد أسباب اختلافات تفاسير بعض الكتب المهمة وتوصل إلى أن السبب الرئيس في ذلك هو اختلاف و تعدد سياقات فهم المفسرين. وأن النصوص جميعها تحوي احتمالات قراءات مختلفة تحددها آفاق لغوية مشتركة بين المؤلف والمتلقين الذين كتب النص أساسا لهم. وتشكل هذه الآفاق، حسب شلايرماخر، ساحات التظافر التي يعيش فيها الكاتب والمتلقي معا ويتم على أثرها الوصول لمعنى مشترك للنص. ويرى شلايرماخر أن هذه الساحة تتكون من مجموعة من السياقات مثل: سياق الوجود المشترك Zusammenhang، وسياق الحياة المشتركة Lebenzusammenhang، سياق الخبرة المشتركة Erlibneszusammenhang،وسياق الدلالة المشتركة Bedeutungzusammenhang [42 ، ص ص 13-14].
ومن ذلك الوقت ودراسات التأويل تحاول تحديد السياقات التي تؤثر على فهمنا لنص ما، وطبيعة هذا النص. فبويكهBoekh ، أحد معاصري شلايرماخـر، كان يرى أن فهم وتفسير نص ما يخضع لأربعة عوامل: العوامل النحوية المتعلقة باللغة، والعوامل التاريخية، والعوامل الأسلوبية؛ والعوامل الذاتية المتعلقة بالقارئ/المترجم. ويرى أن فهم نص ما يتضمن مقارنة خفية لهذا النص بالنصوص المشابهة الأخرى [41، ص18].
أمـا يـورق هانـز قـدامـر H. Gaddamer، وهو يعدّ الامتداد الحديث للمنهج التأويلي، فيرى أن فهم نص أجنبي لابد وأن يتأثر بتحيزات القارئ الثقافية التي يستمدها من أفقه الثقافي. ويرى أن فهم هذا النص يتطلب أولاً التغلب على "غرابتة" strangeness أو أجنبيته،إذا جاز لنا التعبير، ومن ثم تحويل هذا الفهم إلى مفاهيم مألوفة للمترجم في ثقافته الخاصة به.
وهو يرى أن لغوية linguisticality النص تعطي إمكان فهمه لأنها تشكل الأساس لاندماجfusion الآفاق العقلية لكل من الكاتب والقارئ/المترجم، وهذا الاندماج يعطي المعنى شكلا حقيقيا ونهائيا بعد عملية تأويل وتفسير explication لهذا النص. ذلك أنه بالنسبة لقدامر، ليس هناك معنى حقيقي معطى وموجود في اللغة، و إنما هنالك سلسلة من التفاسير لتفاسير سابقة لنصوص أخرى متعددة يشكل النص أحدها وتشكل هذه النصوص في مجملها ما نسميه عادة "التراث الثقافي."
وهذه الكتابات لا تختلف كثيرا عن نظرة جورج شتاينر التأويلية للترجمة. حيث عرف الترجمة علي أنها "تفسير علامات لغوية في لغة ما بواسطة علامات لغوية في لغة أخرى،" وهو تفسير عام يخلو من عبارات النقل، أو الإحلال، أو التكافؤ [36،ص1] . ثم إن شتاينر (كما سبق أن ذكرنا) كان يرى أن هناك علاقات متعددة و متنوعة للترجمة داخل النص الواحد، وهذه العلاقات لا يمكن جمعها تحت أي تصنيف أو تعريف موحد أو نظرية شاملة.
والترجمة، حسب رأيه، تتمحور حول المترجم الذي يتداخل مع النص في تجربة تأويلية hermeneutic motion تتكون من أربع مراحل هي باختصار: ثقة المترجم في النص؛ الولوج إلى داخل النص ومحاولة اقتحام معانيه penetration and aggression؛ استيعاب النص وإعادة تشكيله incorporation and embodiment، وأخيراً إعادة تكوين النصrestitution في نص جديد.