والآراء السابقة تشكل نقطة الارتباط بين اللغة والتركيبة الاجتماعية من جهة، واللغة والوظيفة الاجتماعية من ناحية أخرى. فنحن في كثير من الأحيان نقابل الناس ونتوقع ما سيقولون. وفيرث، علىعكس سوسير و تشومسكي، يعتقد أن النظرية اللغوية يجب أن تنطلق من الوظيفة اللغوية التي تعادل بالنسبة له "المعنى." وقد حاول التأسيس لنظرية في الدلالة تقوم على مبدأ أن العلاقة بين المعني اللغوي و "الحدث التواصلي" speech event علاقة منتظمة يتمحور حولها المعنى السياقي، و هنا يبدو تأثر فيرث بأستاذه مالونسكي[26 ، ص ص 3-20].
و بما أن الوظيفة اللغوية ترتبط بالحدث التواصلي فإن النص في مجمله أصبح وحدة دراسة المعنى، وبفصل العلاقات التركيبية عن النظمية، أصبح بمقدور فيرث أن يدرس المعنى على المستوى النظمي بوحدات معنوية أكبر لا تتسنى دراستها ضمن نموذج سوسير أو تشومسكي مثل المعنى النغمي intonation أو معاني المتلازمات اللفظية col********s التي كان يعتقد أنها سمة من سمات تكرار النصوص في الأحداث التواصلية. وبالرغم من أن فيرث قدم لنظرية لسانية تعطي المعنى اللغوي على مستوى العلاقات التبادلية ما يستحقه من اهتمام، إلا أن نظريته فيما يتعلق بالبنية اللغوية كانت غامضة إلى حد كبير بسبب تعدد مستويات البنية لديه، وعدم وضوح الوحدات الأولية التي ينطلق منها.
وقد شهدت أفكار فيـرث توسع وتطويـرا كبيـرا على يد ميكاليـل هاليــدي M. Halliday، ورقيه حسن R. Hassan اللذين ساهما كثيراً في إرساء دعائم ما سمي فيما بعد "اللسانيات النُظمية" systemic linguistics التي تهتم بالجوانب الوظيفية للغة وترى أن النظام اللغوي مكون من مجموعة من نظم متعددة polysystemic يمكن دراستها على مستويات مختلفة من التركيب اللغوي أتاح لها نوعا من المرونة في التعامل مع الوحدات اللغوية مما مكنها من التعامل مع ما هو أعلى من الجملة، أي النص كوحدة عليا لدراسة المعنى. وقد حاول الكثير من الباحثين في اللسانيات النصية دراسة طبيعة النصوص والمعايير التي تحددها ( ومنها الترابط اللغوي cohesion، والترابط المنطقي coherence، والإفادة المعنوية informativity ، والتناص inter****uality ، ... إلخ).
وقد صاغ هاليدي وحسن نظرية السياق التواصلي لفيرث صياغة حديثة ونظرا له على أنه مكون من:
1. مجال الخطاب field of discourse ويحدده المجال الوظيفي والاجتماعي الذي يستخدم فيه الكلام، وطبيعة الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها النص. فمجال التواصل الشعري أو الخطابي غير مجال التواصل القضائي أو التعليق الإخباري. واللغة والنصوص المستخدمة تختلف من مجال للأخر.
2. طريقة الخطابtenor of discourse وهي تتعلق بالمتكلمين: مكانتهم الاجتماعية، ونوع العلاقات بينهم، والدور الذي يلعبونه في سير الحث التواصلي، وما هو متوقع منهم وما يقومون به فعلاً. إن نوعية العلاقة بين المشاركين تحتم نوعاً خاصاً من اللغة وطريقة التخاطب تحكمها أطر اجتماعية وحضارية خاصة بكل لغة.
3. شكل الخطاب mode of discourse ما هي نوعية الأداة المستخدمة في التواصل؟ هل هي مكتوبة أم مقروءة؟ هل هناك وسائل اتصال أخرى مصاحبة من صور وغيره؟ وكذلك نوعية النصوص المستخدمة وتنظيم هذه النصوص والدور الذي تلعبه.
ويتضح هنا لماذا أطلق هاليدي على نظريته اسم السيمياء الاجتماعية، فهي نظرية تحاول تحديد طبيعة أنماط اللغة (شيفرة) التي تدخل في أنماط التواصل، وهي أيضاً تنظر للغة من حيث تأثرها بعوامل مختلفة ليست بالضرورة لسانية، وتأخذ بعين الاعتبار ناتج العملية الاتصالية.
وربما تكون أكثر التجارب المباشرة في استثمار آراء فيرث و هاليدي في الترجمة هي محاولة جي سي كاتفورد J. C. Catford بناء نظرية في الترجمة انطلاقاً من نظرية فيرث، في البنية اللغوية [27]. وحاول التنظير لنوع من التكافؤ للترجمة على مستوى النظام اللغوي أو على الأقل على مستوى وحدات ذلك النظام اللغوي (الصوتيمات، الكلمات، الجمل) ومن ثم الانتقال لوحدات أكبر (العبارات، والجمل). واعتمدت نظرية كاتفورد للترجمة نفس مستويات التحليل التي قال بها فيرث (النص، الجملة، العبارة، المتلازم اللفظي، الكلمة، الصوت، النبرة). إلا أن هذه المحاولة كانت بالغة التعقيد وصعبة التطبيق. إذ لا يمكن، على سبيل المثال، تصور تكافؤ في الترجمة بين لغتين على المستوى الصوتي أو الصوتيمي، أو النبري لاختلاف نظام اللغات جذرياً في هذه الناحية لحد لايقبل التكافؤ أو المقارنة.
وربما يكون ذلك من أهم العوامل التي أدت إلى غموض نظرية كاتفورد في الترجمة وكذلك تناقض النظرية في بعض نواحيها. إن هذه المحاولة انطلقت من نظرة فيرث للبنية اللغوية وليس للنظام اللغوي، وربما تكون هذه المحاولة قد طورت للترجمة بالدرجة الأولى.
وقد أفادت نظرية الترجمة، على عكس ذلك، إفادة كبيرة من أعمال فيرث و هاليدي ورقية حسن وغيرهم حول ماهية المعنى اللغوي، وتحليل المستوى النظمي للغة. لاسيما أن هاليدي اعتبر المعنى جزءا من السيمياء الاجتماعية منطلقاُ من نظرة فيرث للنظام اللغوي وليس التركيب، كما سنرى لاحقا.
اللغة والسيمياء الذاتية
وإذا كانت اللسانيات النظمية ركزت على تحديد الوظيفة اللغوية من حيث الدور الذي تلعبه اللغة في المجتمع. فإن هناك من علماء اللغويات النفسية بوجه خاص من حاول تحديد وظيفة اللغة من منطلق ذاتي نفسي، أي من وجهة نظر الفرد مستخدم اللغة. إذ إن هناك نظرة للغة من منظور عقلي بحت. وترى هذه النظرة أن اللغة ليست وسيلة تفاهم اجتماعية موضوعية فقط، وإنما هي بالدرجة الأولى وسيلة لتفاهم الفرد مع المجتمع، والمجتمع غالبا يكون على شكل أفراد. ثم إن اللغة تسعى لتلبية حاجات الإنسان وتتأثر بغرائزه. ووجهة النظر هذه لا تتناقض مع سابقتها إلا أنها ترى أن التركيز يجب أن يبدأ من الفرد لأنه هو إما المنتج المباشر لهذا النص أو المتلقي له.
وقد كان عالم النفس كارل بيولر Karl Bühler قد حدد الوظيفة اللغوية من حيث علاقة اللغة بالفرد تحديداً دقيقا وصنفها إلى ثلاث وظائف رئيسة هي: التمثيل (darstellung <representation>) ؛ والتعبير (ausdruck <expression>)؛ والطلب (appell <appelative>). وكل من هذه الوظائف تحدد إلي حد كبير طبيعة اللغة المستخدمة code بما في ذلك طبيعة النصوص اللغوية المكتوبة[28، ص 341].
وقد تطور من خلال هذه الدراسات حقل فرعي جديد من حقول الدراسات اللغوية وهو علم "أنمـاط النصـوص" **** Typology ، وهو علم يبحث في تصنيف النصوص حسب أنماطها اللغوية (نصوص سردية narrative، وجدلية argumentative، وتمثليية representational). وقد تم استثمار هذه المفاهيم بشكل موسع في مدارس الترجمة في كل من لايبزج في ألمانيا، وساربروكين في تشيكوسلوفاكيا السابقة، كما أن كلية اللغات والترجمة بجامعة الملك سعود تقوم بتدريس هذا العلم كمقرر مستقل في جميع اقسام اللغات بها. حيث حدد البيرت نوبيرت أن الوظيفة البراجماتيكية للنص هي التي تحدد طبيعة ترجمته، وتشكل عنصر المقارنة بين النص المترجم والأصل. وهده النظرة متأثرة إلى حد كبير بمدرسة الجشتالت النفسيةGestalt ، حيث خمن نوبيرت أن وحدة الترجمة هي النص كاملاً وموضوع الترجمة هو القضية النصية ****ual proposition، فعندما يتم تحديدها يسهل بعد ذلك تحديد الوظائف اللغوية لوحدات النص الأصغر حجماً. وقد طورت كاترين رايس K. Reiss و هانز فيرمير Hans Vermeer هذا التصور إلى نظرية كاملة في الترجمة عرفت فيما بعد بنظرية skopos النظرية الغائية للترجمة، حيث كانت وجهة نظرهما أن الترجمة يجب أن تحكمها الغاية الأساسية من النص الأصلي. و بما أن النص الأصلي يجب أن يكون متناسقاً ومنسجما حتى يكون نصاً، فعلى الترجمة أن يحذو حذو هذا التناسق وتحافظ عليه. أو أنه يجب أن يكون هناك تناصّ inter****ual coherence بين النص والأصل على مستوي اللحمة والانسجام النصي [ 29، ص ص 71 – 96].
ومن جهة، كانت هناك محاولات مشابهة لتحديد الوظيفة اللغوية ليس من حيث وظيفة النص ولكن عن طريق تصنيف اللغة من حيث الأنماط التعبيرية المناطة بها register والسمات العامة لهذه الأنماط macro-structure ، أو من حيث الآليات اللغوية التي تدخل في تكوين كل نص micro-structure كما يتضح من دراسات مثل فان دايك van Dijk [30]، وقريقوري وكارول Gregory and Carroll [31] .
وقد لاقت هذه الدراسات اللسانية التي تدرج عادة تحت مسمى عام هو "علوم تحليل الخطاب" discourse analysis ، استحسانا كبيرا من قبل المشتغلين في دراسات الترجمة، لأن الكثير من المهتمين بدراسة الترجمة وجدوا في تحديد طبيعة النصوص طريقة لتحديد المجالات اللغوية المطلوب ترجمتها بصورة أدق. وتجلى ذلك في دراسات رائدة لمارلين روز M. Rose [32]، وألبيرت نويبرت A. Neubert [33]، جوليان هاوس J. House [34]، على سبيل المثال لا الحصر.
وعمقت الأبحاث المكثفة حول طبيعة إنتاج وإدراك النصوص المعرفة بالعمليات العقلية التي تتدخل في ترجمة هذه النصوص أيضا. وأدى ذلك للمرة الأولى إلى النظر والتبصر في الترجمة ليس فقط كنتاج وإنما كفعل ذي خطوات معينة. فبـدأت بعض الدراسات تبدي اهتماما بعملية الترجمة ذاتهـا translation process. والمراحل والاستراتيجيات التي تدخل في هذه العملية كما فعل روبيرت دوبوجراندR. De Beaugrande [35]، وولفقانق لورشير W.Lörscher [36]. وهذا من ناحية عمق الإدراك بصعوبة وتعقيد عملية الترجمة. كما أدى من ناحية أخرى لظهور طرق جديدة في النظر للترجمة.
ويمكن القول إن النموذج السيميائي الاجتماعي والذاتي لدراسة الترجمة يكمل أحدهما الآخر، فالنصوص في كثير من الدراسات تصنف حسب وظيفتها الاجتماعية والذاتية في نفس الوقت لأن ذلك في المحصلة النهائية يقود إلى تحديد أدق لوظيفة النص المترجم وبالتالي تحديد المعنى المتوخى منه. وربما يمكن القول إن هذا النموذج يعدّ أكثر وعيا بمشاكل الترجمة من النموذج اللساني الشكلي. ويتطرق لجوانب للمعنى اللغوي تعدّ خارج نطاق الدلالة اللسانية الشكلية.
كما أن النموذج اللساني النصي يتيح المجال لدراسة وحدات في المعنى أكبر من الجملة، كالفقرة والنص. وينظر للمكافِآت في الترجمة ليس فقط على مستوي الجملة intra-sentential وإنما على مستوى أعلى من الجملة مستوى extra-sentential. واستدعى هذا النظر إلى الوحدات والتركيب اللسانية كجزء من تكوين أكبر هو النص الذي بدوره يحدد ويقنن ما تدل عليه تلك الوحدات والتراكيب.
وبالرغم من المنحى الوظيفي العام لهذا التوجه، إلا أنه استمر في النظر للترجمة على أنها مسألة البحث عن مكافآت لغوية في اللغات الأخرى وافترض وجودها ربما ليس على مستوى الشكل ولكن على مستوى النص، أو الوظيفة، أو الرسالة، أو ما أسمـاه نويبرت المكــافآت الاتصـاليـة communicative *****alence . وافترض هذا المنهج إمكان نقل تلك الوظيفة أو الرسالة إلى لغة أخرى بكل ما يعنيه ذلك من افتراض ضمني لتشابه بين اللغات من حيث أنماط النصوص والآليات اللغوية التي تدخل في إنتاجها. إذ غالباً ما يطغى البحث عن التكافؤ والتشابه على ملاحظة الاختلاف والتفرد.
وافتراض وجود مكافِآت بين اللغات على مستوى الجملة أو النص أو الوظيفة دفع اللسانيات الوظيفية والدراسات السيميائية على حد سواء إلى نفس الإشكال الذي وقعت فيه دراسات الترجمة اللسانية وهو التقليل من الدور الحقيقي للمترجم، و عدم إعطائه أهمية مركزية في عملية الترجمة، إذ أصبح دوره يقتصر على البحث عن المكافِآت في اللغة المقابلة سواء للوظيفة أو النص.
إلا أنها تختلف عن اللسانيات الشكلية وخاصة التوليدية في أنها لا تنطلق من افتراضات كونية حول اللغة الفطرية للإنسان، وهي تنظر لوظيفة اللغة بمعناها الخاص وعلى المستوى الاجتماعي. و لذلك تعطي أولوية للمعنى الاجتماعي والوظيفة اللغوية على حساب المعنى الشكلي. ولكنها بالمقابل تأخذ إمكانية ترجمة الوظيفة أو الرسالة على أنها أمر ممكن وتحصيل حاصل، فالتجربة الإنسانية حسب وجهة النظر هذه، إذا أمكن التعبير عنها بشيفرات مختلفة (فن، رسم، لفظ) يمكن التعبير عنها أيضاً في لغات لفظية مختلفة.