وربما يجوز لنا القول في نهاية المطاف إن للسانيات، باتجاهاتها المختلفة، دوراً كبيراً في تعميق فهم ماهية النظم والبنى اللغوية مما أسهم بدون أدنى شك في تعميق دراسات الترجمـة بالرغم من أن اللسانيات لم تستقص عملية الترجمة translation process إلا في حدود ما تسمح به العمليات الشكلية المنطقية التي تدخل ضمن إطار مكننة الترجمة في الترجمة الآلية. ولكن الإسهام الأكبر للسانيات في دراسات الترجمة في تقديرنا كان في تقديم أدوات وآليات الوصف اللغوي الدقيق لمجال دراسات الترجمة، حيث إن اللسانيات هي المجال الأكثر تقدما فيما يتعلـق بهـذا الجانـب، بمـا في ذلك اللغـة البحثـية ****-******** اللازمة لهذا الشأن. وفيما يلي سنلقي نظرة على دراسات الترجمة الأخرى والتي غالباً ما تبدأ من حيث انتهت اللسانيات ومن ذلك دراسات الترجمة السيميائية والتفسيرية.
الترجمة والسيمياء والمجتمع
اللغة والتفاعل السيميائي
تبحث السيمياء، كما أسلفنا، في اللغة بمعناها المطلق، و ذلك خلافا للسانيات التي تبحث في اللغة بمعناها العام، وتنظر السيمياء إلى أي نظام علاماتي على أنه شيفرة code تستخدم في نقل معنى ما يكون هو رسالة هذا النظام message ، وترتبط بالرسالة وظيفة هذه الشيفرة. فإضافة لسوسير، الذي نظر للغة على أنها نظام سيميائي ذو طابع رمزي خاص، هناك أيضا تشالرز صاندرز بيرس (1839-1914م) C. S Pierce، منظر السيمياء البراجماتية الأمريكية، الذي فسر معنى أي علامة لغوية بترجمتها لعلامة أكثر وضوحاً في نفس اللغة أو في لغة أخرى، ووصف هذه العلامة بالعلامة "العلامة المفسِرة" (بكسر السين) interpretant ] 15، ص 43[. فالعلامة المفسرة هي معنى العلامة المفسرة (بفتح الراء)، ولعل بيرس يقصد أنه لا يمكن التدليل على معنى علامة ما دون استخدام علامة أخرى، لأن السيمياء هي الوسيلة المتاحة الممكنة للتفاهم بين البشر. ومن وجهة نظر براجماتية كان بيرس يرى المعنى في المحصلة الأخيرة للعملية السيميائية بما ينطبع في عقل مستقبل العلامة نتاج التفاعل السيميائي process of semiosis ]15، ص 44[.
ويبدو تأثير بيرس جليـا على تفسـبيـر رومـان ياكبسـون R. Jacobson (1959م) لماهية الترجمة وتقسيماتها التي تطرقنا لها سابقاً، وقد عرف ياكبسون الترجمة بتفسير علامات بواسطة علامات أخرى وعرف البين- لغوية على أنها "تفسير علامات بواسطة علامات أخرى في لغة أخرى،" وكان أيضا يرى أن معنى الكلمة يكمن في العلامة الأخرى التي تترجم إليها.
أما وليم فراولي W. Frawley ، فكان ينظر إلي الترجمة على أنها إحدى وسائل النقل السيميائي semiotic transfer من شيفرة معتبرة لأخرى. ويبنى فراولي تصنيف أمبيرتو إيكو Umberto Eco لوسائل النقل السميائي لشرح الترجمة. والنقل السيميائي حسب إيكو يشمل: ’النسخ‘ copy ، أي إعادة إنتاج العلامة كما هي؛ ’الكتابة‘ tran******ion إعادة إنتاج معطى ما بتشفيره كتابيا، أي وصفه بشكل من أشكال الكتابة؛ و ‘الترجمة’ إعادة إنتاج معطى ما مشفر كتابياً إلي نوع آخر من الشفرة الكتابة. وإذا كانت الكتابة (كعمل عقلي) تتطلب عقل شيىء ما cognizing من أجل وصفه كتابياً، فالترجمة هي إعادة عقل ذلك الشيء re-cognizing في شكل آخر. أي أن الترجمة في محصلة الأمر هي إعادة تشفير recodification تتطلب إعادة عقل re-cognizing المادة المشفرة [16، ص160].
وقد حاول لادزانوف A. Ladskanov ، تطوير نظرية للترجمة تنطلق من مفهوم سيميائي بحت، ولكنه لم ينظر للترجمة على أنها عملية نقل سيميائي كما هو الحال لدى فراوالي بل نظر لها على أنها عملية "تحول سميـائي" semiotic transformation ، وهذا الأمر بلا شك يختلف في جوهره عن سابقه. فهو يتطلب "استبدال علامات تحمل رسالة ما بعلامات في نظام آخر مع الحفاظ قدر الإمكان على المعلومات المشتركة بين النظامين" ]17، ص 272[. ووصف لادزانوف عناصر التواصل السيميائي الإنساني anthroposemiotic على أنها نسيج من، الشيفرة العامة general code، والشيفرات (العلامات) الغير لفظية non-verbal ، والشيفرات اللفظية، والشيفرات الاصطناعية artificial codes (رياضيات، كمبيوتر ... إلخ) والشيفرات الأسلوبية ، والرسوم المصاحبة، والعامل الصوتي.وكما هو واضح فهذه جميعا عوامل تعنى بالدرجة الأولى بالمعنى اللغوي اللفظي، و هذه النظرة للترجمة وإن اختلفت بعض الشيء عن سابقتيها في النظر للترجمة على أنها‘ إعادة تشفير رسالة ما في شيفرة أخرى للغة أخرى’ مع الحفاظ على المعلومات المشتركة بينهما، إلا أنها تجيب عن السؤال الرئيس للترجمة حول ماهية هذا الشيء المشتركة أو الآلية التي يمكن بواسطتها تحويله من شيفرة لأخرى ، أي العودة مجدداً لقضية الـ teritium comparationis سالفة الذكر.
و لعل النظرة السيميائية للمعنى تختلف بعض الشيء عن النظرة اللسانية في كونها لا تحصر المعنى اللغوي في المعني المفاهيمي المجرد داخل اللغة، وإنما تنطلق من المفاهيم الموسوعية الشاملة للمعنى التي تتضمن إضافة للمعرفة اللسانية linguistic knowledgeالمعارف الأخرى world knowledge . ليس ذلك فحسب، ولكن النظرة السيميائية للمعنى تشمل تفاعل النظام اللغوي المحكي مع المؤثرات المعنوية للنظم العلاماتية الأخرى، سواء كان ذلك خارج النظام اللساني extra-linguistic مثل طبيعة شكل الشيفرة كالكتابة والنصوص المصاحبة للنص اللغوي كالصور والرسوم البيانية فيما يعرف بالـ co-****، أو العوامل اللسانية الموازية para-linguistics ، وهي عوامل المعني الأخرى المستخدمة في سياق حال النص con**** of situation. والسيمياء في معظم الأحوال تري المعنى كالرسالة التي ترسخ في عقل المتلقي أي ’ناتج العملية السيميائية‘ كما قال بيرس ]16، ص 41[.
ولكن التقسيم السيميائي الأبعد أثراً في مجالي دراسات الترجمة واللسانيات على حد سواء هو تحديد العالم السيميائي تشالرز موريس C. Morris ثلاثة أبعاد للعلامة: البعد التركيبي syntactic ،علاقة العلامة بالعلامات الأخرى في الشكل السيميائي؛ البعد الدلالي semantic،علاقة العلامة بما تدل عليه سواء في الواقع أو في ذهن المتكلم؛ البعد البراجماتي pragmatic،علاقة المتواصلين عن طريق العلامة . فالعلامة يمكن أن تدل على شيء وهذا الشيء ربما يرمز لمعنى آخر في ثقافة أخرى و ربما يوحي بشيء مختلف تماماً للمتواصلين في عملية سيميائية مختلفة. ولذلك فالسيمياء تري المعنى ليس فقط في دلالة العلامة أو الوظيفة المحددة لها في إطار اجتماعي معين وإنما أيضا في المحصلة النهائية للتواصل. وقد تمت محاولة تطوير منهج للترجمة من هذا المنظور . منهج ينحى منحى وظيفيا بحتا فيما يتعلق بقضية المعنى. وتنطلق الدراسات السيميائية للغة اللفظية verbal ******** من دراسة اللغة بمفهومها الخاص، أي اللغة من حيث علاقتها بمحيطها ومتكلميها وبالوظائف الاتصالية التي تؤديها في المجتمع. وليس اللغة بمعناها العام أو الملكة اللغوية التي تهتم بها اللسانيات.
وبما أن اللغة تعدّ نظام علاماتي رمزي فقد حاول الكثير من المهتمين بالدراسات اللسانية، وفلسفة اللسانيات، إدخال مفهوم أعم للمعنى اللغوي يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الغير دلالية non-semantic للمعنى اللغوي. وتجلي ذلك في أربعة اتجاهات رئيسة كان لها جميعاً تأثير بالغ في نظريات الترجمة: البراجماتيكية اللسانية؛ اللسانيات النصية **** linguistics؛ والنظرية القصدية للمعنى intentional theory of meaning ؛ نظرية الاتصال communication theory.
وتعرف البراجماتكية اللسانية على أنها الفرق بين ما تعنيه اللغة what ******** means ومـا يعنـيـه المتـكـلـم باستخـدام اللـغـة hat is meant by ******** [18]. و تحاول معالجة النواقص في النظرة اللسانية للمعني وتقريب الفجوة بين المعنى في النظام الدلالي langue والمعنى الحقيقي parole. لذا لابد من معالجة التحولات التي تطرأ على المعنى الدلالي في الاستخدام الفعلي ، مثل: تحديد مراجع ظروف الإشارة deixis في السياق اللغوي أو سياق الحال، سواء للأسماء أو للضمائر، وتحديد المرجع المعنوي في السياق reference للأسماء، ما يفترضه النص مسبقا presupposition ، والتعبير باللغة عن الأحداث (الأفعال اللغوية speech acts)، مثل القسم والأمر والتهديد التي لا يمكن احتواؤها في المعنى الدلالي.
وقد حاولت بعض الدراسات المزاوجة بين هذه الأوجه المختلفة للمعنى والتوفيق بينها (براون ويول Brown and Yule [19]، و ليفنسون Levinson [20]). ولا تكاد تخلو دراسة من دراسات الترجمة من ذكر للعوامل البراجماتيكية اللسانية المؤثرة على المعنى، لاسيما روجر بيل R. Bell [12]، وجوزيف مالون J. Malone [22]، وحاتم وميسون [23]، وغيرهم كثير، إلا أنه لا يوجدُ دراسات منهجية متكاملة في هذا المجالُ. وتشكل اللسانيات النصية التي هي الجانب ’النظمي‘ من نظرية فيرث للغة (الجانب الآخر هو الجانب البنيوي) أحد أكثر المجالات حيوية في دراسة الترجمة لأنها تعنى بتحليل نصوص حقيقية وتحاول إبراز العوامل المؤثرة فيها.
الترجمة والسيمياء الاجتماعية
تعود هذه التسمية لميكاليل هاليدي الذي أطلق على جانب من دراسات اللسانيات النصية أسم ’السيمياء اجتماعية‘ ******** as social semiotics لأن هذه الدراسات تحاول المزاوجة بين الوظيفة الاجتماعية للغة والبنية النصية لها. وربما تعتبر اللسانيات النصيـة أكثر مجالات دراسة اللغة التصاقـا بالوظيفـة [24] . إذ أنها تعنى إلى حد كبير بتباين طرق النظم اللغوية وعلاقة هذا التباين بالوظائف اللغوية المتعددة التي تؤديها اللغة في المجتمع، ولذلك فهي تنظر لطرق النظم هذه من حيث قيمتها الرمزية وهنا تكون هذه الدراسات أقرب للنهج السيميائي منها للنهج اللساني الشكلي العام. و هذه النظرة العامة للغة، تجد جذورها في علم الإناسة الوظيفي لدي مالونسكي. كما نوهنا سابقا، وكما سنبين فيما يلي بصورة أكثر تفصيلاً.
فقد اعترض مالونسكي ومجموعة من علماء الإناسة الوظيفيين وهم عادة ينتمون لمدرسة الإناسة الاجتماعيية social anthropology السائدة في أوروبا في ذلك الوقت التي تختلف عن الإناسة الثقافية السائدة في أمريكا، في كونها ترى أن ثقافات العالم مختلفة ولكل منها خصوصيتها التاريخية والوظيفية، ويعترضون على أسلوب المقارنة بين هذه الثقافات. ويعترضون كذلك على نهج الترجمة المتبع في الدراسات الإناسية السابقة التي تفترض التكافؤ الشكلي بين لغات الباحثين الإناسيين ولغات الأقوام تحت الدراسة. بحيث لايأخذ هذا النوع من البحث بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية لهذه اللغات فقط وإنما أيضا يتجاهل أن النصوص والتعابير يمكن أن توظف بشكل مختلف في الثقافات المختلفة. وأن اللغة يمكن أن تمارس بشكل ليس له علاقة مباشرة بالمعنى اللغوي مطلقاً مثل استخدام اللغة في الطقوس والعبادات وما إلى ذلك. وعليه لا يمكن فصل اللغة عن هذه السياقات وترجمتها مباشرة في اللغات الأخرى وخاصة اللغات الأوروبية للباحثين، مما سبب في معظم الأحيان سوء فهم معاني اللغة في الثقافات الأخرى وإطلاق أحكام متعسفة عليها.
فقد ركز مالونسكي، على سبيل المثال، على الوظيفة الاجتماعية للغة، وحدد لها وظيفتين أساسيتين: الوظيفة التداولية، والوظيفة الطقوسية. وقسم الوظيفية التواصلية إلى قسمين: الوظيفة العملية active والوظيفة السرديةnarrative . أما الوظيفة الطقوسيةitual ، فهي تلك التي تستخدم في الطقوس والاحتفالات الدينية، وهي جزء من الوظيفة الطقوسية التي لاعلاقة لها بوظيفة اللغة التداولية أو المعنى التداولي.
و مالونسكي أيضا استخدم في بداية القرن السابق مفهوم التكافؤ بين اللغات، واقترح مفهومين للتكافؤ هما التكافؤ المتوازي interlinear والتكافؤ الجاري running . يجب التأكيد هنا على أن مالونسكي كان يعتقد دائما أن المعنى الأساسي للكلمة هو معناها داخل السياق الوظيفي، والتوازي في التكافؤ مصدره التوازي في الوظيفة اللغوية.
وقد حاول جون روبرت فيرث، تلميذ مالونسكي، تطوير نموذج لساني يأخذ بعين الاعتبار الوظيفة الاجتماعية للغة بالإضافة للبنبة اللغوية. و يعتمد نموذج فيرث على التفريق فيها بين البنية اللغوية structure والنظام اللغوي system كونهما مستويين مختلفين ومتوازيين للبحث في النظام اللغوي. فالبنية اللغوية تعنى بالتركيب اللغوي فقط، أي بالعلاقات التركيبية بين عناصر اللغة syntagmatic relations ؛ أما النظام اللغوي فيقوم على أساس العلاقات التبادلية بين هذه العناصرparadigmatic، [25،ص 197]. والأخيرة مرتبطة ارتباطا كليا بالخيارات التي يقوم بها متكلمو اللغة وفقا للعلاقات الغير لغوية المتاحة لهم في سياق الحال، وبناءً على الأدوار الاجتماعية التي يقومون بها. ولذلك فالنظام اللغوي يقدم المادة الأولية للبنية اللغوية التي تنظمها في نصوص لغوية متكاملة.
وبما أن فيرث كان يرى أن الأفراد محكومون بأدوار اجتماعية معينة يؤدونها، فلتلك الأدوار نصوص لغوية خاصة منتظمة تتكرر بتكرر "الأحداث التواصلية" speech events التي تتطلبها هذه الأدوار. ونظر فيرث إلى الحياة على أنها مجموعة من الأحداث والأدوار المحددة التي يقابلها مجموعة من النصوص المحددة الأنماط أيضاً، وكل فرد في المجموعة يجب علية إجادة أنماط النصوص المناسبة للأدوار التي يلعبها.