وقد يقضي السياق بإدخال كلام جديد يبدو لأول وهلة أنه لا صلة له بما نحن فيه. انظر مثلا إلى الحديث عن الطلاق وما قد يتبعه من مرارة في النفوس وتعاسر في قبول الالتزامات المالية من جانب الزوج أو الاستغلال من جانب المطلقة فنقرأ “إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم. إن الله بما تعملون بصير. حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا. (البقرة 238 – 239). فالسياق يبين أنه يطالب بالتسامح وهو صعب في حال مرارة النفوس فيقدم لهم ما يعين على الطاعة بإيقاف الجدال وإقامة الصلاة لتهدأ النفوس ثم تعود بعد ذلك إلى استئناف النقاش في جو أهدأ (رأى المستشرق بيل أن الآية الثانية لا صلة لها على الإطلاق بالأولى وأنها أقحمت هنا في وقت لاحق، وهي تتحدث عن حالة الحرب)، لكنا مقول أن الصلاة تعين على الطاعة في الطلاق كما تعين في حالة الحرب.
ومثال آخر في نفس السياق ما نجده في سورة الأحزاب التي تبدأ بإبطال التبني وكان هذا صعبا على السامعين فاقتضى السياق ذكر ما يعين على الطاعة من تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم (الأحزاب 9 – 27) حين أنقذهم إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر” لكي يسهل عليهم طاعة ما يأمرهم به في السورة. إن تعاليم سورة الأحزاب ليست عن واقعة الأحزاب، وإنما جيء بالقصة ليسهل عليهم الطاعة، كما تسهل الصلاة الطاعة عند مرارة النفوس حال الطلاق.
فحين تصعب طاعة التعاليم يقدم القرآن ما يعين على طاعتها، وهذه عادة يمكن أن نضيفها إلى ما ذكره الرازي عن “عادات الكتاب العزيز.”
ولا يتسع المجال لأكثر مما ذكرنا عن السياق. إني لأشعر بقوة أنه يجب علينا قراءة القرآن من جديد في ضوء سياق الآيات.
الخروج عن مقتصى الظاهر:
من أهم قضايا علم المعاني إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فالبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ومقتضى الحال هو مقتضى الظاهر، و تنشأ عن إخراج الكلام على خلافه لاسيباب بلاغية ظواهر يستغربها الغربيون في أسلوب القرآن، وقد تخفى في مراميها على من نشأوا على تقاليد لغوية مغايرة للعربية، بل حتى على كثير من العرب كظاهرة الالتفات، وكذلك إخراج صيغ الإنشاء في الأمر والنهي والاستفهام على خلاف معانيها الأصلية لإفادة معاني أخرى تبلغ العشرات عدا. ولن نتناول هنا أنواع الالتفات فهي معروفة في كتب البلاغة، وإنما نمثل للظاهرة للتدليل على ما نقول.
رأينا كيف استغرب نولدكه ظاهرة الالتفات وعدها “نحوا رديئا” حين نظر إليها من زاوية النحو الشكلي في الألمانية. ومن الأمثلة قوله تعالى: أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة (الروم 65) فالله بدأ بالحديث عن نفسه بالغائب المفرد: خلق وأنزل، ثم التفت إلى الحديث عن نفسه بصيغة جمع العظمة “فأنبتنا”، والسؤال لماذا هنا بالذات؟ قد يقول المشركون إن الماء يسقط من السماء. لكن عملية الإنبات تقتضي قدرة كبيرة وإرادة لإنجازها، والالتفات يدل على عظمتها وعظمة القدرة التي أنجزتها، فالقرآن يضفي على الصيغة الصرفية للجمع بدل الإفراد والصيغة الصرفية للتكلم بدل الغيبة معاني رحبة بأوجز عبارة. ثم ذكر الله بعد ذلك “ما كان لكم أن تنبتوا شجرها”. كما قال في سورة الرعد بالالتفات أيضا “يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل” (الرعد 4).
ومثال آخر للالتفات في هذه الآية العجيبة من سورة يونس: هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق، يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (22- 23). فالآية تبدأ بخطابهم: يسيركم، كنتم في الفلك. ثم تتحدث عن الفلك بالغيبة وعمن فيها بالغيبة “وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها..وجاءهم الموج وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله. فيقول ريتشارد بيل في هذه الآية تشويش وخلط واضطراب. إنه لا يدرك معني الالتفات إلى الغيبة حين تذهب السفينة وتختفي عن النظر وتصبح تحت رحمة العواصف والأمواج ولا حول لمن فيها إلا بالدعاء لمن بيده النجاة. انظر إلى سحر البلاغة الذي حول ضمير الغيبة في النحو إلى ضمير العجز وانعدام الحول، ولو قد استمر الكلام في الخطاب لفات هذا المعنى، ثم إن القرآن كان يخاطب أهل مكة ولعل أكثرهم لم يسافر في البحر أبدا، فكيف يقول لهم حين تسافرون في البحر وتحيط بكم الأمواج الخ؟ إن الالتفات إلى الغيبة أنسب وأوقع. ثم يلتفت الكلام مرة أخرى من الغيبة فيرجع إلى الخطاب حين يرجع المسافرون إلى الأرض: “فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق”، أصبح الخطاب أنسب و أرحب فهو يشمل من لم يسافروا ممن يبغون في الأرض بغير الحق “يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم”.
وقد لا يسهل على من لم يقرأ علم المعاني من الغربيين إدراك هذا. لكني أتساءل: هل نشرح نحن العرب لتلاميذنا في المدارس والجامعات العربية مقاصد الالتفات أم نكتفي برصد الأنواع وبيان القواعد؟ الأمر يحتاج إلى تكوين عادات عقلية جديدة في القراءة لكي ندرك بلاغة القرآن والتعابير الأدبية. وقد استغرب باحثون غربيون أسلوب القرآن في حديث الله عن نفسه في القرآن بالمفرد الغائب وتساءلوا :من المتكلم في القرآن؟
وقد تساءل ريتشارد بيل ومونتجومري وات في كتابهما عن القرآن: إذا كان القرآن كلام الله كما يعتقد المسلمون فكيف يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب: الله/ هو الذي؟
وأمر آخر استغربوه وهو كثرة حديث الله عن نفسه بصيغة الجمع أنزلنا وأرسلنا..واستغرب وات هذه الكثرة وقال إن المشكل ينحل إذا قدرنا أن المتحدث في القرآن هو الملائكة فهم جمع يتحدثون بصيغة الجمع، وهذا افتراض غريب لا يمكن قبوله، إذ كيف تكون الملائكة هي المتحدثة في مثل “إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هديناه السبيل” (الإنسان 2 – 3)، و”إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير” (ق 4)، إن حديث الله بالمفرد والجمع يضفي على صيغتي الإفراد والجمع معاني بليغة. انظر إلى الشعور بالعظمة التي لا تنازع في قوله “سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق” (الأعراف 146)، وانظر إلى العظمة في نون الجمع في المقابلة في قوله “إن فرعون علا في الأرض”.. “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض” (القصص 4 – 5)، فاستعمال الإفراد مع فرعون يهون من شأنه في مقابل جمع العظمة الذي يعبر عن سلطة وقوة متنامية (تبارك) في “ونريد أن نمن”.
أما كثرة الحديث الله عن نفسه بصيغة الغائب فلا غرابة فيها لأنها ترد في موقف المقابلة مع ما يزعمه المشركون: “الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء” (الروم 40)، “آلله خير أم ما يشركون”. وأحيانا ترد إشارات متعددة متنوعة إلى الله في نص قصير كل منها من منظور خاص: “إنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلها آخر” (الحجر 95 – 99). يتحدث عن نفسه بجمع العظمة ثم يرد اسم الجلالة بالغيبة من منظور المشركين، فلا يقول يجعلون معنا إلها آخر، بل يجعلون مع الله. ثم “فسبح بحمد ربك”.. “واعبد ربك”، لا بحمدنا واعبدنا لأنه يتحدث من منظور الرسول الذي يستعين بربه الحافظ المعين له.
يرد الحديث عن وضع الظاهر موضع الضمير في الحديث عن الخروج عن مقتضى الظاهر وهي مسألة مهمة في الترجمة، والواقع أن مسألة توزيع تناوب الظاهر والضمير تختلف في الإنجليزية عنها في العربية. ففي القرآن ضمائر كثيرة جدا، لو ترجمت حرفيا إلى الإنجليزية لجاء الكلام غامضا غريبا على الذوق الإنجليزي، وقد تبين لي أثناء ترجمتي للنص القرآني أنه يجب أحيانا إحلال الظاهر محل الضمير. انظر إلى “ويجعلون لما لايعلمون نصيبا مما رزقناهم” (النحل 57)، فوجب أن نقول ويجعلون لشركائهم الذين لا علم لهم حقيقيا بهم نصيبا مما رزقناهم. وانظر إلى: “ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين” (الزخرف 36 – 38)، فوجب أن نقول في الترجمة إن القرناء ليصدون أتباعهم عن السبيل. فالحق أن مسألة إحلال الظاهر محل الضمير وعكسه يظهر مداهل ووجوب تناولها حسب ذوق اللغة عند الترجمة. ومما قد يستغربونه وضع الإنشاء موضع الخبر للتأكيد في : “قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد” (الأعراف 29).
كذلك فمن المشاكل في الترجمة إخراج الكلام على خلاف الأصل في معاني الأمر والنهي والاستفهام التي رصد البلاغيون منها عشرات في علم المعاني، والعربي يقرأ أو يسمع القرآن فيفهمه على ظاهره أو على خلاف ظاهره حسب ما يدرك من تمرس بالبلاغة ولا مشكلة. والمفسرون في أغلبهم يمرون على الكلام دون شرح لكن تظهر المشاكل للمترجم. والحق أن اللغة الإنجليزية الأكاديمية تتطلب من التحديد والتعيين كتابة أكثر مما يتطلبه النص العربي في إيجازه وبلاغته حين يكون الحذف أبلغ من الذكر، خذ مثلا “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقنلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد” (التوبة 5). يرى الأصوليون أن الأمر بعد الحظر للإباحة مثل “وكلوا واشربوا” في ليلة الصيام. الرازي يقول: بعد انتهاء الأشهر الحرم “أذن لهم” في أربعة أشياء وغيره من المفسرين يقولون إن الأمر للوجوب. وهذه مسألة كبيرة في الحديث عن الإسلام عند الغربيين وأنه دين عنف وقتل. والأمر كذلك بل أفظع عند ابن سلامة (م 410/1020) في كتاب الناسخ والمنسوخ الذي يؤكد فيه أن آية السيف – هكذا يسمها – نسخت 124 آية في القرآن، ومن بينها “إن الله غفور رحيم”، ومن بينها ما سيقال يوم الحساب، “فالحكم لله العلي الكبير” (غافر 12).
ورأيي أن ابن سلامة هو الزعيم الأول والدائم لغلاة المتطرفين و الداعين إلى القتل في الماضي والحاضر.
لقد قال أحد الدارسين الغربيين “إن من مبادئ حضارتنا الغربية ترك الناس يدينون بما يشاءون، أما في الإسلام فالقاعدة هي ما في آية السيف”، ولا يظهر في كلامه أي وعي بسياق الآية. ويمكن ان نقول إن كل من يتجنون على الإسلام من الكتاب والسياسيين والإعلاميين، وأيضا من المتطرفين المسلمين يقفون جميعا على أرض مشتركة، ولهم وسيلة مشتركة لتحقيق ما يريدون وهي قطع الآيات والعبارات القرآنية عن سياقها، سواء سياق النص أو سياق المقام.
لقد اخترنا ثلاث مسائل من علم المعاني، ورأينا أن أسلوب الإنشاء يبين طبيعة الدعوة في القرآن ويترتب على عدم الاهتمام به نقص في إدراك المعنى وشبهة التخليط في الأساليب.
وفي الكلام عن السياق رأينا أن الغفلة عنه يترتب عليها تناقض وغرابة في الكلام وخلط في المواضيع لا معنى له.
وفي الخروج عن مقتضى الظاهر يترتب على عدم إدراك مغزاه غرابة في الكلام وقصور كبير في فهم الأغراض البلاغية الوفيرة.
ولا تقتصر جوانب القصور هذه على إهمال دراسة علم المعاني في الغرب، بل قد توجد أيضا عند العرب من مفسرين وغيرهم ممن لا يولونها ما تستحق من اهتمام ويظنون انهم فهموا الكلام لكنهم لا يحللون ولا ينظرون في النتائج المنطقية ومآلات ما يقولون وهي تظهر على نحو أوضح إذا ترجم كلامهم إلى الإنجليزية.
بدأنا بملاحظة اختلاف الظروف والاهتمامات وأثرها على تدريس البلاغة في البلاد العربية وفي الغرب (مع التركيز على بريطانيا).
لقد نشأ علم البلاغة وتطور في المقام الأأول سعيا إلى إدراك معالم الإعجاز في القرآن. وهذا مما جعل له أهمية أساسية في منهج الدراسة العربية، وهي أهمية لم يحظ بها علم المعاني على الأخص في منهج الدراسة الغربية وذلك لاختلاف أهداف ومرامي الدراسة القرآنية في الغرب عنها عند العرب. لكن ينبغي أن نلاحظ في حديثنا عن المناهج العربية أمرين:
أولهما أن علم البلاغة في العصر الحديث لم يحظ بتطور يبني على ما أنجزه السابقون. ويمكن أن نقول أنه ظل في وضع “محلّك سر” منذ أن ظهر تلخيص المفتاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني (ت 739/1338)، فهل من خطيب مصري أو عراقي أو قزويني جديد يهذب ويضيف إلى البلاغة قدرا من النقد الأدبي وعلم اللغة؟
ثاني الأمرين أنه يجب توجيه اهتمام أكبر للآثار البلاغية لا القواعد والمصطلحات والأنواع فقط، وفي ضوء ما قلنا عن السياق في القرآن يجب الاهتمام بهذا الجانب الأساسي في النص. يجب أن نسعى إلى تكوين عادات جديدة في القراءة تهتم بالسياق ودوره في تحديد المعنى الصحيح للكلام، فهذا مهم للتفسير ولترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية.
ونعود إلى ما بدأنا به، إلى العنوان، وهو ينضوي تحت المحور الثاني في بند المقررات، وما أعرضه هو تجربة عربي نشأ على الدراسة العربية ويعمل في جامعة بريطانية.
إن هذه تجربة. قد تستغربون أني أعرض عليكم في بند المقررات، تجربة ليس بها مقررات في البلاغة، لكنها تبين ضرورة المقررات وأنه يترتب على عدم وجودها قصور في فهم القرآن.
لذلك يجب إدخال علم البلاغة في مقررات الدراسة العربية في الجامعات الغربية و يجب أن يتجه الغربيون إلى البحث في علم البلاغة وخصوصا المعاني. وكذلك يجب تهذيب وتوسيع مجال البلاغة في البحث وفي مقررات علم البلاغة في المدارس والجامعات العربية.
وبهذا يتسع للجميع مبلغهم من العلم.
_____________-
(*) بحث مقدَّم إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الثالثة والثمانين 24 أبريل – 8 مايو 2017