عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 5 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-13-2017 - 08:52 AM ]


تثير فرضية إدراج العلامات الطبيعية ضمن مشروع السيميائيات العامة إشكالية إزاحة المظهر الدلالي عن إطار ذلك التواصل المتعلق بالأحداث المدركة والمرتبطة بحالات الوعي، كون العلامة الطبيعية تستمد مرجعيتها الدلالية من إملاءات الطبيعة؛ أي من صورة ذلك الترابط الذي تقيمه الظواهر الطبيعية بين الدال والمدلول. عادة ما يتولى هذا الارتباط اقتصاد المعرفة العلمية المتعلقة ببعض الظواهر، فتبدو دلالتها حاصلا من تحصيل البديهة (دخان /نار، أو سحاب/مطر، الخ.)، وذلك في الوقت الذي تتعالى فيه ظواهر أخرى عن التجربة العادية، على غرار ارتباط ظاهرة المد البحري بالقمر؛ فاسحة مجال العقد للمؤسسة العلمية[60]. حيث تسهم التفسيرات العلمية في الحد من تراكمات الدلالة الأسطورية والخرافية.
تجد التمظهرات البسيطة التي تقع على تخوم التواصل الحقيقي مكانتها الفعلية ضمن مجال البحث الدلالي[61]؛ حيث» يتحول العالم المحسوس كله إلى مجال للبحث عن الدلالة، ذلك أنه يتمظهر بكليته وتفاصيله بوصفه صورة افتراضية للمعنى؛ تتبلور داخل شكل معين[62]«. عبر هذه الفرضية يسوغ غريماس إمكانية بلورة سيميائيات للعالم الطبيعي؛ تسعى إلى تحويل مجموع التمظهرات الحسية للعالم الخارجي إلى تمظهرات للمعنى الإنساني؛ أي إلى دلالة لصالح الإنسان؛ يتحول المرجع الطبيعي المطلق من خلالها إلى مجموعة من الأنساق السيميائية الضمنية. وبذلك يتزامن ارتباط النسق اللساني بنسق العالم الطبيعي، وتذوب الحقيقة الدلالية لكل منهما داخل شبكة من التضايفات.
قد لا نعمل في كثير من الأحيان سوى على إحالة الأشياء إلى كلمات، ففي ظل الخاصية المشتركة للعلامة الطبيعية التي تؤسس للآلية الدلالية عبر إحالة كل علامة إلى علامة أخرى، تأخذ العلاقة الإحالية –الدلالية وضعا تمفصليا بين علاقة السبب بالمسبب أو المسبب بالسبب،
وتتحول الآلية الدلالية إلى سلسة سببية من العلامات التي تقع على صعيد واحد (فإذا كان السحاب يحيل إلى المطر، فإن المطر يحيل بدورها إلى الشتاء، الخ.). ويحدث أن تتحول السيرورة الدلالية للعلامة الطبيعية إلى حقل استبدالي من العلامات ما يضفي على العلاقة الإحالية- الدلالية طابع البنية الاستعارية، أو التشبيهية، الخ. وذلك بحسب ثقافات الشعوب والأفراد.
يمكن للسيميائيات، ضمن هذا الإطار، أن تتخذ العالم الطبيعي موضوعا لها، عبر إقرار العلاقة الإحالية الدلالية بوصفها علاقة سيميائية ثابتة، وتحديد الأوضاع السيميائية المتباينة لكل علامة طبيعية ضمن تمفصلاتها المختلفة. وكل ذلك حسب غريماس[63]، قد لا يقودنا إلى طبيعة الانتظام الداخلي للعلامة نفسها، بقدر ما يجعلنا أمام سيميائيات واصفة تسعى إلى ترويض العلامات الطبيعة داخل عالم الثقافة.
يولي غريماس أهمية بالغة لتلك التضايفات المقررة بين العالم المحسوس واللغة الطبيعية، فهي تسهم في طرح التمفصلات الطبيعية والبسيطة لعالم الدلالة، إذ يتولى العالم الطبيعي من خلالها دور تكوين الأشكال اللسانية ومنحها بعد الدلالة المحايثة. ولعل الحاجة تبدو ملحة لإقرار هذه التضايفات على صعيد العلامات الثقافية عموما والصورة خصوصا.
لا تنشأ الصورة بمعزل عن ألوان المعنى وأفضية التواصل، فهي لا تنأ عن تلك التحركات التي تنظم الدلالة داخل الحياة الاجتماعية، فللثقافة دور في احتضان خدوجها حتى وهي لا تزال مجرد فكرة في ذهن المبدع. ولا يخلو الانطباع التمثلي الذي تتركه الصورة من البعد الخطابي، لذلك فإن كريستيـان ميتز[64]( Christian Metz ) لا يرى لسيميائيات الصورة من مكان خارج مجال السيميائيات العامة.
يقوم اقتراض المفاهيم اللسانية في التحليل السيميائي للصورة على تمييز المفاهيم العامة (التركيب، الاستبدال، الشكل، الجوهر، المحتوى، الوحدة الدالة، الوحدة الاختلافية، الخ.)، عن تلك المفاهيم اللسانية الخاصة أو الخالصة ( الفونيم، الكلمة، السابق، اللاحق، التقطيع المزدوج، إلخ.) . ومفهوم من مثل "الخصائص الفونيمية المميزة" (الجهر؛ الهمس، الخ.)، قد لا يجد له مبررا في التحليل السيميائي للصورة فقط لأن الصورة ليست بظاهرة فونيمية، وقد يختلف الحال إذا ما أبنا إلى مفهومي "التركيب" و"الاستبدال" إذ لا نجد في تعريفهما اللساني ما يميز نسق اللسان عن باقي الأنساق الدلالية الأخرى[65]. ومكمن الاختلاف في الحالتين، مرتبط بمدى قابلية المفهوم المنسوب إلى اللسانيات لتحقيق المكتسبات الإجرائية نفسها إذا ما سحب على موضوعات أخرى. ذلك أن المفاهيم العامة تأخذ منحى القانون العام بوصفها مفاهيم مجردة عن الموضوعات التي أنيطت بها.
تختلف الأوضاع السيميائية للصورة باختلاف مجالاتها، حيث يسمح لنا المفهوم اللساني لـ"مادة التعبير" بتحديد الفروق النوعية لكل مجال من هذه المجالات. فالصورة في الفن التشكيلي لا تختلف عنها في التصوير الفوتوغرافي سوى في تقنية الالتقاط التي تكون يدوية في الأول وآلية في الثاني، بينما تشترك كل منهما في الوضع السكوني، وذلك على خلاف مادة تعبير الرسم الحكائي(la bande dessinée)، في حين تتميز مادة تعبير الصورة في السنيما عن هذا كله، كونها تتبنى تقديم الرصد الآلي للصورة ضمن وضع متعدد ومتحرك؛ ترتبط من خلاله العناصر الصوتية المختلفة( الحركة، الكلام،الضجيج، الموسيقى وغيرها) مــع التنويهات الكتابية [66]. إذ تمثل هذه الوحدات التي أشرنا إليها وحدات تقنية- حسية تسهم عبر ماديتها في استجلاء آليات الدلالة المجردة.
لقد ارتبط مشروع الاستقصاء عن دلالة الصورة حصريا بخاصيتها "التماثلية"؛ خاصية يراهن عليها ميتز بوصفها نقطة انطلاق لاغير، حتى وإن كانت تؤلف قاعدة دلالية مشتركة بين غالبية الصور، ذلك أن شرط التماثل هو نسبي كماً؛ لتغاير درجات للأيقونية، وكيفاً؛ لارتباطه بالثقافة، ثم إن كثيرا من الرسائل البصرية لا تحتكم للمبدأ التصويري كالأيقون المنطقي
عند شارلز سندرس بورس (Ch.S.Peirce)، وعادة ما تتلاشى خاصية التماثل في بعض الرسائل البصرية المختلطة. إن نقطة الانطلاق الحقيقية قد تكمن في فحص معطيات القدرة الأيقونية للصور التجريدية عبر ضبط آليات علاقاتها المنطقية والنسقية.
يتحدد الاشتغال السيميائي على الصورة فعليا خارج مجال التماثل، ومن الخطأ أن نعتقد بحصرية مجال الحديث عن الصورة ضمن حدود التماثل[67]. فدلالة الصورة لا تقــف حسب ج.ج. بتود[68] (J.J. Botaud) عند حدود الاستعمال السنني، بل إنها كثيرا ما تتحول إلى نشاط إدراكي،ومعرفي ،ورمزي ، تتجلى من خلاله التلفظات الأيقونية للصورة.ثم إن علاقات الصورة قد تكون شكلية عبر الانطباعات الإدراكية التي تتركها، ودلالية عبر إحالتها الواقعية، وسردية أو بلاغية تضمينية أو تداولية بوصفها خطابا وسمة[69]. وفي كل الأحوال هي دالة حتى وإن كانت غامضة، مجردة أو غير واضحة.
إن الاعتقاد بوجود نسق شمولي يتولى احتواء مجموع الدلالات التي تنشؤها الصورة، يعد من مغالطات البحث السيميائي، وحري بالمعرفة السيميائية في هذا الصدد، أن تعنى باستنباط تلك الوحدات التصويرية البنوية؛ أي ذلك المجال الشكـلي لتعبير الصورة ومحتواها، الذي تأخـذ فيه مجموع الصـور- الدنيـا وضعا تعالقيا خالصا[70]، فالصورة لا تتأسس عن تعاقد مطلق على غرار اللسان، بل تتعدد ضمنها التعاقدات لدرجة يستحيل فيها كما يرى إيكو[71]، التثبت من وجود سنن أيقوني عام، فلكل صورة سننها وتعاقداتها.
تستمد التقديرات الدلالية للصورة مرجعيتها من إمكانية تقطيع فضائها البصري تقطيعا كليا ضمن كيانات قابلة للتسمية (الصور الدنيا)؛ كيانات تظل بدورها حسب لويــس ماران[72] (Louis Marin) قابلة للتمفصل ضمن وحدات تنتظم داخل تركيبات خاصة وتخضع لدلالات خاصة؛ لا تلبث أن تذوب داخل مجال الصور- الدنيا، لذلك تبدو نسقية الصورة مفتوحة ولا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تجانب الاقتصاد اللساني.
فالصورة في منظور ميتز[73] لا تخضع للتمفصل المزدوج كون تمفصلاتها لا تقع على الدال دون المدلول لتقاربهما، فإذا ما أخذنا صورة لثلاثة قطط وفصلنا أحدها فإننا سنجد أنفسنا أمام تقطيع للدال والمدلول معا. فحيث توجد الوحدة المتعالية والمباشرة توجد الرسالة المجملة التي لا تقبل وحداتها التمفصل الأول[74]، بيد أن ما يجيز التمفصل المزدوج في اللسان، شساعة المسافة بين الدال والمدلول؛ التي تعد طرفا مؤسسا لجوهر الاختلاف الفونيمي المفرغ من الدلالة. إن عدم خضوع الصورة للتقطيع المزدوج يراه لويـــــس بورشر[75]( Louis Porcher )مبررا لاحتوائها على نسق دلالي شمولي ومباشر. كل ذلك يجعلنا لا نستغرب انكفاء جون-ماري فلوش[76]Jean-marie Floch ) ) على دراسة مستوى التعبير، في مقاربته لإحدى لوحات ويسلي كاندينسكي (wassily Kandinsky) ذلك لأنه يرى أن لا مكان للمحتوى الخاص في أية لغة خاصة وجدت. إن اختبار حدود وقدرات السيميائيات في تعاملها مع مستوى تعبير الأنساق الدالة التي تقوم على دوال ثنائية البعد هو الذي قاده في الأخير إلى تقنية رتقية لبناء دلالة الصورة.
قد لا تنحصر النماذج الدلالية التي تفرزها الصورة ضمن المجال اللساني-البصري فحسب، بل إنها تأخذ في بعض الأحيان وضعا لا هو باللساني ولا هو بالبصري الخالص، ومن ثم فإن الاهتمام بموضوع الصورة لا يكمن فقط في إنتاج الصور، بقدر ما يكمن في إنتاج الكلمات وذلك عبر بلورة لغة واصفة لمجمل تمظهرات الصورة[77]. إذ يمكن لآليات هذه اللغة أن تعقلن بعد الدلالة في الصورة، وتستوضح أوضاعها الواصفة بتأسيس نمطية لعلاقة التراتب.

رد مع اقتباس