لقد قاد إدراج الاتصال الحيواني في قائمة البحث السيميائي، إلى استكناه حقيقة القصد واستبانة ارتباطه بحالات الوعي، ومن ثم رده إلى منبت ظهوره الأول في رحاب الطبيعة. وفي هذا المقام تعد أعمال كارل فن فريش[40]( Karl Von Frish ) سباقة للخوض في مثل هذا الإشكال. فقد لاحظ، أن للنحل كامل القدرة على نقل رسائل مختلفة (وجود الرحيق؛ وضعيته؛ المسافة الفاصلة) وذلك عبر إنتاج علامات اتصالية (رقصة الثمانية 8 التي تأخذ أوضاعا متباينة؛ الرقصة الدورانية الأفقية) تتخذ وضع ذاكرة شبه تعاقدية؛ وتضعنا أمام سنن حقيقي تتحقق ضمنه الخاصية الإبلاغية في التواصل.
بيد أن بنفنيست[41] قد لاحظ أن المرسلات في لغة النحل تظل مستغنية عن الإجابة، فالنحلة المبلغة تقف عاجزة عن تبليغ المرسلة التي تتلقاها مالم تتحسس مصدر الجني بنفسها، لكونها لا تقوى على إنتاج أية مرسلة انطلاقا من مرسلة أخرى، وبذلك تغيب لغة النحل مبدأ استكمال دورة التواصل (مبدأ الحوار)، بينما يقترن شكل المرسلة في لغة النحل بثبات محتواها الدلالي (مصدر الجني)، ولا تحيد تلك التغيرات التي تعتريها عن الدلالة على الفارق المكاني.
تستمد الأسنن الإبلاغية في الاتصال الحيواني دقتها من قوة الحس والغريزة، فلا غرو أن يوصف مثل هذا الاتصال بالنشاط الحسي المتميز؛ إنه ذلك النشاط الذي يقع خارج مجال المعنى والدلالة، وقد لا تكفي الحياة الجماعية للنحل أو لدى باقي الحيوانات في خلق واكتساب لغة تواصلية تتأسس على الحياة التفاعلية (= الاجتماعية) المشتركة كما هو حال اللسان. ضمن هذا الإطار يتحدد الفارق الجوهري بين التواصل والاتصال.
لقد جرى الاعتقاد بين « أنصار سيميائيات التواصل بأنهم يستطيعون أن يضعوا أسسا صلبة ستجد فيها سيميائيات الدلالة لبناء متصورات مفاهيمها وأدواتها العلمية أكثر مما ستجده في الأنموذج الذي قدمته اللسانيات »[42]. إنه إذا ما حددنا مجال السيميائيات التواصلية ضمن الأحداث المدركة والمرتبطة بحالات الوعي، فإن كثيرا من الأحداث المدركة غير المرتبطة بحالات الوعي ستتموقع على تخوم مجال التواصل بوصفها تمظهرات دالة وبسيطة داخل فضاءات الدلالة، حتى وإن كان مشروع الدلالة لا يستقيم إلا في ضوء سيميائيات تواصلية أكثر تطورا.
يقترن بروز الوجه الأمثل لصورة الدلالة باللسان، فهو يمثل بامتياز أسمى حالات النشاط الدال، على أن تظل إمكانية التأسيس لأي أنموذج دال جديد مرهونة بمدى تقاطعه مع اللسان ضمن مظهر أو أكثر. تتمتع العلامة بوصفها عنصرا دنيويا داخل اللسان بمظهر دلالي مستقل، تستطيع من خلاله أن تؤسس للمظهر السيميائي للسان[43]؛ أي لنسقيته الدالة.
يفترض وصف الوحدات السيميائية في اللسان الوعي بمظهري "الشكل" و"المعنى" للعلامة اللسانية وإدراك طبيعتها الثنائية. حيث يأخذ الدال وضع بنية فونيماتية شكلية تعبيء الفونيمات عبرها الوظيفة الاختلافية داخل كل بنية، ولا يتحدد المدلول إلا داخل الاستعمال.
يسهم الاستعمال في نظر بنفنست[44] بإبراز المظهر السيميائي للسان، فمن خلاله تنصهر العلامة داخل شبكة من العلاقات والتقابلات ؛ شبكة تستمد مرجعيتها أساسا من الطبيعة الاختلافية لكل علامة. تمثل القيمة التصورية للعلامة اللسانية وتقابلاتها الثنائية داخل النسق، الخاصية السيميائية للسان، لذلك تستدعي سميائيات اللسان إهمال تلك العلاقات القائمة بين العلامة وموضوعها أو بين اللسان والعالم بوجه عام.
إن أهمية الفصل بين "الشكل" و"المعنى"، لدى بنفنست[45]، تنبع من أهمية الفصل بين مجالين متباينين داخل نسق اللسان نفسه، فاللسان مجال للمعنى بدلالياته التي تتخذ الكلمة وحدة لها والجملة أساسا لها، إن الجملة تمثل في الحقيقة ذلك النشاط الذي يرتبط من خلاله المتواصلين بعالم الأشياء خارج مجال اللسان، حيث يأخذ المعنى صورة فكرة مدركة عبر الفهم وعبر الإحالة إلى وضع الخطاب والمخاطب، بينما تأخذ الكلمات وضع علامات للفهرس السيميائي للسان؛ علامات توجد لذاتها، وتؤسس للواقع الجوهري للسان؛ أي لمظهره الشكلي بوصفها تصورية، عامة وغير مرتبطة بالظرف.
إن اهتمام السيميائيات العامة ضمن مجال الشكل الدال المنتج والمتبادل بين أطراف الفاعلين المتواصلين، بإنتاج الدلالة انطلاقا من بنية المرسلة؛ أي بآثار المعنى الناتجة عن الاستعمال التواصلي للعلامات، هو الذي يفصل مجال الدلالة عن التواصل.فالدلالة تكتسب إطارها الموضوعي من شكل المرسلة أي من تلك العلاقات التي تنظم العلامات داخل نسق دال أو داخل سيرورة للدلالات المفتوحة[46]. ويتوجب في هذا المقام إدراك الفرق بين "محتوى الدلالة" و"إجراء الدلالة"؛ فمحتوى الدلالة يخص مجال الدلاليات كونه يهتم بصياغة المحتوى ضمن مفردات دالة على الخصائص الدلالية ( سيم، سميم، كلاسيم ،الخ.)، بينما تختص إجراء الدلالة بتلك الآليات
التي تتحكم في تحديد دلالة معينة لدال ما[47]. ومن هنا يكمن الفرق بين الدلالة الجاهزة التي تتخذ العلامة مدخلا إدراكيا لها، وبين الدلالة بوصفها آلية تعتمل ضمن تضاريس العلامة.
وقد وجد رولان بارت في الأسطورة، ضمن أولى محاولاته، مجالا رحبا للتقصي عن عوالم الدلالة، وذلك في خطوة نحو سيميائيات عامة تشتمل تلك الأنساق التي تمثل أساطير هذا الزمن، كتلك المسائل اليومية البسيطة ( السينما، الصحافة، الصورة، الذوق، الأدب، السيارات، المصارعة، الخ.)؛ التي تكشف عن نسق اجتماعي وكوني، إذ تبدو للوهلة الأولى أكثر تحررا وعقلانية في ظاهرها بيد أنها تخضع لاختيارات واستعمالات أسطورية مشروطة بتمثلات
لا واعية[48]، إنها تلك التمظهرات التي لا ندركها لذاتها، بل فقط للصور أو العلامات التي تثيرها.
يرى رولان بارت[49] أن الأسطورة هي ذلك الكلام المعرف بمقصده لا بحروفه، ومن ثم فهي تثير للوهلة الأولى، الانتباه إلى الطريقة التي تعتمل بها بوصفها علامة؛ أي إلى صورة التضايف الحاصل بين "التصور" (concept ) و"الشكل"( forme ) الأسطوريين. وعلى نقيض الأنساق السيميائية الأخرى التي تخفي فيها الأشكال التصورات، فإن الأسطورة لا تخفي أي شيء، بل إنها تطمح إلى التشكيل والتشويه، فالدال الأسطوري يدلي بمعناه عن طريق مادة الشكل بكل أبعادها الإدراكية (الخطية؛ الصوتية؛ البصرية، الخ.)، بينما تبرز كلية التصور في شكل ترابطي عبر حضور ذاكرتي سديم لا يقود تكثيف المعرفة ضمنه إلى أي شيء واضح المعالم.
تتحدد دلالة الأسطورة ضمن إطار هذا التضايف التشويهي بين "التصور" و"المعنى"، فإذا كان المدلول في النسق اللساني لا يستطيع تشويه أي شيء وذلك نظرا لضعف مقاومة الدال المفرغ والاعتباطي في الوقت نفسه، فإن الدال الأسطوري يتجلى ضمن مظهرين: مظهر معبأ هو المعنى، ومظهر مفرغ هو الشكل، على أن يعمل التصور على تشويه الوجه المعبأ (أي المعنى) عبر تحويله من سياق إلى سياق آخر، من دون فسخ أو إبطال لوجوده، وبين شكل فارغ حاضر ومعنى غائب معبأ يتحدد الدال الأسطوري[50]. خلافا للعلامة اللسانية، فإن العلامة الأسطورية
تحقق بعدها الدلالي ضمن العلاقة التماثلية المعللة للمعنى والشكل، فالشكل يجد تعليله في فراغه؛ فلا أسطورة من دون شكل معلل، ويجد المعنى تعليله في تعبئته، لذلك تراهن الأسطورة بشكل عام على تلك الصور العامة التي تفتقر للشحن الدلالي، لتقحمها في غياهب الموروث الأنثروبولوجي.
تأخذ المصارعة الحرة بالنسبة لـبارت[51]، وضع علامة أسطورية، إذ يسعى ضمنها "التصور" إلى تشويه معنى المصارعة الحرة عبر نقله من سياقه الأصلي ( المصارعة الإغريقية) إلى سياق الفرجة والعرض، حيث يأخذ السياق الأول وضع معنى غائب لكنه في الوقت نفسه معبأ بالظروف المشهدية التي تفترضها المصارعة الحرة (العراك، الصراخ، القوة، صخب الجمهور، الخ)، بينما يتحدد شكل الدال الأسطوري ضمن الفراغ والحضور، إذ يحاول المتصارعون نقل صورة ألم المتصارعين الإغريق عبر ذلك الألم المصطنع الذي يبدونه، وهو ما يعطي لدال الأسطورة شكلا مفرغا لكنه حضوري، وبين هذا وذاك تبرز العلاقة التماثلية المعللة ويحصل التشويه والتشكيل لدلالة الصراع المفتوح بين الخير والشر.
إن فضح البعد الدلالي في كل نسق سيميائــي يقتضي لدى بارت البحث عن تفاصيل النسـق ذاته عبر الأدوات التحليلية للسانيات. فهو يقـول: »بالنسبة لي¬ ]فإن اللسانيات[ قد منحتني الأدوات الفعالة في تفكيك النص الأدبي أو أي نسق من العلامات[52]«، وذلك انطلاقا من أن مجموع الأشياء المعقدة لا تستطيع أن تدل خارج إطار اللغة؛ إنها بذور الصوت المتناثرة في ثنايا كل نسق سيميائي.
يعتمد إدراك النسقية السيميائية للموضة الملبسية حسب بارت[53] الوعي بخصوصية تمظهراتها، فبين مظهرها المكتوب (الوصف اللساني للباس) ومظهرها التقني (اللباس الواقعي) أو الأيقوني (اللباس المصور) تتولى "المحولات" وصل هذه المظاهر المتباينة وتقديم صورة كلية لهذا النسق عبر التحول من مظهر لآخر، إذ تأخذ هذه المحولات تارة شكل تصميم أنموذجي يسمح بتحويل اللباس الواقعي إلى لباس مرسوم، وأخرى شكل برنامج تعليمي يسمح بنقل اللباس الواقعي إلى لباس مكتوب، أو شكل "عائدات" تحيل متعلم الخياطة مثلا إلى الانتقال من اللباس
المكتوب إلى اللباس المصور. وخشية الوقوع في مزالق إيديولوجية (أو البورجوازية الصغيرة)، فقد عمد بارت إلى اختيار مظهرها المكتوب بوصفه أكثرها حيادا وأقلها إشهارا، إنه المظهر الذي لا يستطيع أن يجاوز حدود تفاصيل الوصف الملبسي.
تفترض الطبيعة المركبة للعلامة الملبسية لدى بارت[54]، وجود تركيب يسمح بملائمة وحداتها داخل التباينات المقطعية بين الدال والمدلول؛ تركيب تمليه تلك التحولات التي تقيمها الكتلة المستعملة (=الكتلة المتكلمة) كالشركة المنتجة وجرائد الموضة وغيرها،وذلك على خلاف بعض الأحداث السيميائية التي تستمد تركيبها من مجموع القيم التي يحددها نسقها القار.إن هذه الخاصية تجعل من العلامة الملبسية علامة اعتباطية كغيرها من العلامات المنتجة داخل الثقافة، ولا ينفي الاعتباط، إذ ذاك، عنها بعض أوجه التعليل التجانسي أو الجوهري أحيانا أخرى.
إذ يقتضي البحث عن الآلية الدلالية للباس، معالجة كل ملفوظ تقرره جريدة الموضة داخل السنن الملبسي المكتوب بوصفه دالا، حتى وإن تجلى ضمن وحدة دلالية وحيدة، وعلى السيميائي ضمن هذا الإطار البحث في مجموع تلك التراكيب المتنوعة للملفوظات واستكشاف شكل ثابت يسمح له بالتحول إلى آلية إنتاج المعنى الملبسي[55]. فإذا ما أخذنا الملفوظ التالي على سبيل المثال:
(سترة للرياضية و للبس العادي بحسب جيبها المفتوح أو المغلق)
فإننا سنلفي الأمر، ضمن هذا المثال، متعلقا بدلالة مزدوجة ناتجة عن تركيب ملفوظين اثنين:
سترة . جيب . مفتوح للرياضة
سترة . جيب . مغلق لباس عادي
إذ يلاحظ بارت[56] أن العلامة- الملفوظ تتألف من وحدتين دالتين ثابتتين (السترة/ الجيب) تتحددان في الواقع بوصفهما جوهرين ماديين، ووحدتين دالتين (مفتوح/مغلق) متغيرتين تحددان التحول الدلالي للعلامة- الملفوظ بوصفهما جوهرين غير ماديين، حيث تأخذ السترة وضع "موضوع مقصود"، والجيب وضع "دعامة"، بينما تأخذ صورة الانغلاق والانفتاح وضع "محــول". إذ يستطيع هذا الأخير تحديد الطاقة الدلالية للملبس ضمن سيرورة دلالية تتخذ
التغاير ( مفتوح/ مغلق) منطلقا للدلالة، على أن يدعم (الجيب) نقلها إلى الوحدة الدلالية للسترة. إن هذا العنصر الفاعل في السيرورة الدلالية للعلامة الملبسية يؤلف بالنسبة لـ: بارت[57] وحدة ملبسية دنيا تسمى بـ:"اللبسم" (vestème).
حملت الحضارة اليابانية ملامح النظرة الجديدة عن عالم العلامات؛ نظرة دعمت رؤى بارت السياسية للعلامة(*)، وأبانت له عن مظهر الفراغ الدلالي في تلك الأنساق السيميائية التي لا تحلينا سوى على علامات فارغة تغيب عنصر المدلـول الأخيـر؛ » إنها ]أقرب إلى[ ذلك الشرخ الذي لا ينفتح إلا على ملامح علامة أخرى»[58]. إذ ينبغي على السيميائي أن يتموقع ضمن هذا الفراغ على مستوى شكلي يحلل عبره تفاصيل النسق من دون أن يقول بدلالة هذا أو ذاك، وانطلاقا من ذلك يمكننا أن ندرك الدلالة بإدراكنا للعبة التي يمارسها النسق السيميائي؛ والكيفية التي تتمفصل بها عناصره المختلفة[59]، داخل حدود المحاثية.