لا يحتكر اللسان وحده آلية التركيب والترابط، بل تمتد هذه الآلية إلى أنساق سيميائية أخرى تقوم على خلاف اللسان بتدعيم مبدأ الهيمنة بين العلاقتين، وذلك إما على أساس استعاري؛تهيمن فيه علاقة الترابط، وإما على أساس مجازي؛ تهيمن فيه علاقة التركيــــب. إذ نستطيع عبر هذين المبدأين أن نميز حسب رومان ياكوبسون (Roman Jakobson) بين الرسم التكعيبي والسريالي، أو بين أفلام شابلنChaplin) ) وأفلام غريفث ( Griffith).
يفترض رولان بارت[12] ضمن مجال التحري عن آلية اشتغال الأنساق السيميائية، ضرورة إخضاع تمظهراتها للتقطيع التركيبي الذي يستطيع أن يمدنا بالوحدات المؤلفة لمحور الاستبدال، فاللباس بوصفه نسقا سيميائيا لا يتمظهر إلا في صورة أزياء أو بدلات تتجاور ضمنها جملة من القطع الملبسية المختلفة، مثلا: قميص +معطف+سروال (علاقة تركيبية)، حيث يرتبط كل اختيار من الاختيارات بمجموع القطع الملبسية التي تتناسب معه في موضع اللبس وفي الوظيفة، مثلا: قبعة / طاقية / عمامة، الخ. (علاقة استبدالية). و بذلك تتزامن تحولات التركيب مع تحولات المعنى الملبسي. وينطبق الأمر نفسه على الوجبات الغذائية، فباختيارات الفرد بين: المقبلات/ الأحسية/ التحلية،الخ. (علاقة استبدالية) تتحول سلسلة الأطبـــاق المختارة (علاقة تركيبية) إلى وجبة كاملة مثلما ينطبق الحال على فن التأثيث، فالمؤثث لا يعمل إلا على تركيب جملة من الاختيارات الأثاثية، مثل: سرير +خزانة +كرسي (علاقة تركيبية)، حيث يفترض الأثاث الواحد-أو كل اختيار- جملة من التغيرات التي تسمح بتحويل أسلوب التأثيـث (علاقة استبدالية)، وهو حال عديد الأنساق السيميائية المعمارية وغيرها.
إن الطبيعة التواصلية لغالبية الأنساق الدالة، دفعت ثلة من السيميائيين إلى الربط«بين السيميائيات بوصفها علما يدرس أنساق العلامات الدالة وبين وظيفتها التواصلية مقتدين بما قررته اللسانيات من أن التواصل هو عصب الوظيفة اللسانية ومن ثمة فهو أساس الخطاب»[13]، وقد كان لهذا الاقتداء أثر استثمار المفاهيم اللسانية للتواصل وتعميمها على مجموع الأنساق الدالة.
يرتبط التصور العام للعلامة اللسانية في الفكر السوسيري بدارة الكلام، إذ يمكن لهذه الدارة أن تقودنا إلى مكونات العلامة وقوانينها، وبذلك تبدو السيميائيات بشكل عام أحوج إلى تطوير هذه الدارة وتحويلها إلى أنموذج عام أساسه التواصل. تتحدد العلامة اللسانية داخل دارة الكلام بوصفها كيانا نفسيا مجردا يتألف من تلاحم الصورة الآكوستيكية (الدال) مع التصور (المدلول)؛ تلاحم يترجمه مبدأ التداعي في أثناء كل عملية تواصلية.
وتأخذ هذه العملية التواصلية صورتها المبسطة، ضمن التصور الآلي الذي يستند إلى المرجعية السلوكية ( بلومفيلدBloumfield )، حيث تتحول العلامة إلى كيان سلوكي ذي وجهين يستدعي أحدهما الآخر في أثناء عمليات التواصل. إن التصور السلوكي لا يعمل سوى على تغييب مركزية العلامة بوصفها إنتاجا تواصليا، إذ إنه يحدد التواصل بين الوضعين السابق واللاحق عن إنتاج العلامة (مثيراستجابة)[14]، و يلغي قيمة العلاقة التمثلية ليحولها إلى مجرد فراغ.
بظهور أعمال كل من شانونShannon) ) وويفرweaver)) تحددت الملامح الأنموذجية للاتصال عامة، عبر تحديد تلك الأدوات التقنية التي تحرك سيرورة المعلومة ضمن مجال السيبرنيطيقا. إذ يحتاج كل بث إعلامي -حسبهما -إلى وجود مصدر للمعلومة (ولتكن الإذاعة المسموعة مثلا)، حيث تقتضي عملية البث تدخل المرسل (المذيع) الذي يسعى إلى تسنين الرسالة بحسب طبيعة القناة (مكبر الصوت)، فتغدو ملائمة للاستقبال (سلسلة من الإشارات الفيزيائية تنتقل في شكل موجات ارتدادية)، وبذا تصل إلى الناقل المستقبل ( المذياع) فيفك تسنينها ليجعلها قابلة للتلقي من قبل المرسل إليه (المستمع) [15].
يفترض التواصل الإنساني في مقابل الاتصال الآلي حســب أمبرتو إيكو[16] Umberto Eco))، ضرورة استخلاف الإنسان للآلة ضمن وضعه كمرسل ومرسل إليه، حيث المجال الرحب لتعددية الأسنن بين المتواصلين ، وكثيرا ما يغدو السنن نفسه محلا للنقاش بين المرسل والمرسل إليه .
بذلك تتحول الشبكة التواصلية إلى سيرورة دلالية، بتحول الإشارة من سلسلة من الوحدات الملموسة إلى شكل دال يلزم المرسل إليه بتعبئتها بمدلول، وذلك انطلاقا من السنن القاعدي الذي يحتكم إليه؛ سنن يتضمن بدوره أسنن أخرى فرعية ذات وظيفة إيحائية في الغالب[17]. فالظرف كفيل بتحديد اختيار السنن المناسب بوصفه سياقا للتواصل السيميائي.
تتغاير نوعية العلاقة بين المرسل والمرسل إليه ولا تقف عند حدود النقل المباشر بل تتعداه داخل إطار البنية العامة للتواصل إلى نمـاذج متباينة تختلف باختلاف طبيعة التواصــل وغاياته
إن السيميائيات في مقابل هذا كله، لا تهتم سوى بآثار المعنى الناتجة عن انتظام الرسائل؛ أي بشكل الرسالة، وبآلية اشتغالها التي تستطيع أن تمظهر الاستراتجيات الخطابية والتواصلية[18]. لقد « كادت السيميائيات تعرف بأنها علم يختص بمدارسة السنن طورا وبمدارسة جميع الأنساق الدالة طورا آخر؛ ولهذا انكبت السيميائيات الواصفة على تتبع سماته العامة وعلاقته بالسيرورة العامة للتواصل، ودوره الحاسم في عملية التفاوض »[19]. إن هذا الاهتمام لا يعمل إلا على حصر »السيميائي ضمن مجال مختزل شيئا فشيئا،...، يتخلى ضمنه عن كل ما هو واقعي ، لصالح الانتظام الوحيد الذي تخضع له المرسلات [20]«، وإذا كانت الأنساق الدالة هي من تحدد صور الانتظام ومادته، فإن الأسنن هي من تتولى المصادقة على قابليتها التواصلية.
لقد كان لانفتاح العلامة اللسانية على المرجع مع أوغدن ( Ogden ) وريتشاردز Richards ) )، أثر ظهور الخطاطة التواصلية عند ياكبسون، فقد قادته فرضية التحري عن وظائف اللغة إلى تطوير أطروحة بوهلر (Buhler)، مستندا إلى الخطاطة القاعدية للتواصل الآلي لدى كل من شانون وويفر. تلغي خطاطة ياكبسون مركزية المرسلة داخل الواقعة التواصلية، وتسعى إلى تقديم عناصر الشبكة التواصلية ( المرسل، المرسل إليه، المرسلة، السياق، القناة، السنن) مقترنة بالوظائف المنوطة بها في أثناء عمليات التواصل ( الوظيفة الانفعالية، الوظيفة الإفهامية، الوظيفة الشعرية، الوظيفة المرجعية، الوظيفة الاتصالية، ووظيفة اللغة الواصفة). لقد حاول أحمد يوسف انطلاقا من تفعيل مبدأ الحوار في سيميائيات التواصل، تقديم قراءة نقدية لمشروع هذه الخطاطة، ومن ثم دأب على مناقشة الوظائف التواصلية بالنظر إلى الأركان التواصلية الملازمة لها وذلك سعيا منه لأخلقت النزوع الوحشي للتواصل إلى الانفصال .
يرتبط مفهوم السنن(code) لدى سوسير بمفهوم الكلام*؛ أي بكل ما هو إنجاز واستعمال، ومن ثم بمفهوم التواصل، ذلك أن الكلام تحدده دورة تضم فردين على الأقل. فالسنن هو المخزون الذي يتخير منه الفاعل المتكلم مجموع الوحدات التي تؤلف الملفوظ أو الرسالة، ولكنه يتضمن في الوقت نفسه مجموع القواعد التي تسمح لنا بنظم الوحدات فيما بينها، وبهذا المعنى فإننا ننتقل إلى مفهوم النسق[21]. إن السنن « هو مجموعة البرامج التي تضطلع بترجمة المثيرات الطبيعية التي تستقبلها مدارك الحس لتندمج ضمن وحدة عضوية مع المكونات المعرفية الأخرى، فتنتقل من طور الممارسة إلى طور التفكير المجرد، إذ يقوم بتحويل المثيرات الخالية من المعنى والمرجع إلى علامات ذات دلالة داخل المرسلات؛ وذلك بالاستعانة بالخبرات الحسية السابقة واستثمار المعرفة بالعالم التي تؤدي دورا حاسما في تحليل الخطابات وتحديد العالم الدلالي داخلها »[22]. إن للسنن وجودا بالقوة وللنسق وجودا بالفعل.
والواقع أن ارتباط كل وسيلة تواصلية بمفهوم السنن يعني استقلاليتها عن أي تمفصل آخر للتجربة نفسها، وأنها لا تمثل سوى نسخ جزئي لنسق آخر ليس شرطا أن يكون لسانيا[23]. إن آلية التواصل، ضمن وضعها العام، لا تتحدد إلا بوصفها نظاما تحويليا يسمح بنقل تمظهرات الأسنن من شكل لآخر؛ فالكتابة مثلا، هي سنن يتيح للمتواصلين فرضية تحويل الرسالة الخطية إلى رسالة آكوستيكية؛ مثلما يتيح سنن "المورس" تحويل الرسالة الخطية إلى رسالة آلية، إلخ. لذلك يرى جون ديبوا ( Jean Dubois ) أن مجموع الآليات التي تسمح بعملية النقل هذه، انطلاقا من فعل التسنين ووصولا إلى فك التسنين، هي التي تؤلف آلية التواصل.
وحتى وإن ذهب روني مورو ( René Moreau) مذهب التشكيك في قدرة علامات اللسان على تحقيق المظهر السنني تحقيقا تماما، فإن مارتينيه[24] يؤكد على المستويين السنني والدلالي في انبناء اللسان؛ إذ لسننية اللسان دور في إلباس رسائلنا الذهنية لباس الكلام المتمفصل، انطلاقا من فهرس التكافؤات القائمة بين الصور الذهنية والصور الآكوستيكية. في حين تأخذ عملية "الإشباع الدلالي"[25] دورا تسنينيا أساسيا في التواصل، تعمل من خلاله على تحويل الأشكال الآكوستيكية للرسالة إلى نظام جديد من العلاقات؛ إنه نظام الفكرة. لذلك فإن ألجرداس جوليان غريماس[26]Algirdas Julien Greimas)) لا يستبعد إمكانية وجود سنن دلالي.
تراهن السيمائيات العامة على مفهوم السنن بوصفه ذلك الأنموذج النظري لسلسلة من العقود التواصلية التي تسمح باشتمال تلك الإمكانات التبليغية للرسائل، لذلك فهي تسعى إلى تأسيس ذلك الأنموذج السنني (سنن الأسنن)[27] لتغطية العمليات والعلاقات نفسها ضمن كل عملية تواصلية. إن أولى الخطوات لتأسيس هذا الأنموذج، تبدو مقترنة بالتحري عن أصناف الأسنن و تحديد مجالاتها، وهي خطوة نراها من صميم اهتمامات السيميائيات العامة.
ترتبط الـــتباينات النوعية للأسنن تباعا بتباينات في عملية التسنين وفكه، إذ لا يجد أحمد يوسف لهاتين العمليتين تأثيرا في بناء المعنى وتشييده، فقد « يتداخل مفهوم التسنين بالفهم وبخاصة إذا تعلق الأمر بالنسق اللساني الذي أضفى عليه دو سوسير بعدا سيميائيا، ولم يعرفه بأنه سنن. إن المستقبل يتلقى المرسلة عبر متتالية من الإشارات يحاول أن يضفي عليها معنى يقصده المتكلم أو يقترب من قصده؛ لأنه لا تواصل خارج العملية القصدية وهذا ما لا يقوم به إلا الإنسان، ولا تستطيع الآلة في الراهن على الأقل منافسة البشر في ذلك لكونه حيوانا ناطقا ورامزا »[28]. لذلك يقترح برييتو آلية الفعل السيمي سعيا لتبسيط صور التواصل اللساني وتعميمها على الأنساق السيميائية.
يتمحور اهتمام نظرية الإعلام حول الجوهر الكمي للمعلومة، وتراهن على السنن بدل الرسالة في تقييم محتوى المرسلـة وصورتها الإنجازية. ولا يقف الأمر عند ذلك فحسب، إذ للسنن أهمية بالغة في إحصاء مجموع المرسالات الممكنة وتقدير الاحتمالات المتوالية لكل علامة داخل المرسلة التواصلية[29]. لذلك تتوجه السيبرنيطيقا إلى نظام الرقمنة لاستيعـاب زخم الكم. في حين تعمل السيميائيات على تجاوز الوضع الحدسي لمستعمل السنن، إلى إدراك معطيات المرسلة عبر الجرد الكيفي للدوال التي تهيكل المدلولات، وذلك لاعتقادها باستحالة وجود أي نقل للمدلول في غياب وساطة الدال . وعبر هذا التجريد الكلي للمدلول، يستطيع التحليل السيميائي للتواصل حسب جاك. دوران[30]) (J. Durandأن يقودنا إلى إدراك الخصائص الشكلية للمرسلة ضمن إطار مبدأ الملائمة ، ما يجعل أهمية تحديد المدلولات تكمن في ضبط الوحدات الدالة.
تمثل الإشارة (signal) بالنسبة لـبرييتو أداة أولية لنقل المرسلات والتواصل بها؛ بوصفها وسيلة فعالة في إقامة العلاقات الاجتماعية (الإبلاغ، الاستفهام، الأمر)، حيث يأخذ فعل إنتاجها من طرف المرسل وضع إرسال لـ"فعل سيمي". فسائق السيارة عندما يشهر الأضواء الخلفية لسيارته مثلاً، يأخذ وضع مرسل لفعل سيمي، يسعى عبره إلى إبلاغ كل سائق يليه باستعداده لتغيير وجهة المسير، وكذلك هو الحال في الأمر، أوالمنع (الأمر السلبي) أوالاستفهام.
إن اختلاف طبيعة الإشارة عن القرينة لا ينفي اشتراكهما في تزويد المتواصلين بمجالات التوجيه المزدوج إيجابا أو سلبا، فالقرينة حتى وإن بدت في جوهرها استدلالية فهي توجهنا إلى قسم من المعاني الممكنة، وتقصي قسما آخر. فالأثر الحيواني، مثلا، يحيل المقتفي على جملة من المعاني الممكنة، ويقصي عبر خصائصه التمييزية معان أخرى، وكذلك هو الحال بالنسبة للقرائن الجوية وغيرها.
لقد لاحظ برييتو[31] في هذا الصدد، أن القاسم المشترك بين المرسل والمرسل إليه، داخل إطار الفعل السيمي، يكمن في بروز "سيم"(séme) مشترك ينشأ عن التلاحم الثنائي بين الدال والمدلول، فالمرسل لا ينظر لمرسلته إلا بوصفها تمظهرا لمدلول "سيم" معين، فيختار لها من الإشارات ما يستطيع أن يوفر لها شق الدال؛ بينما لا يرى المرسل إليه في الإشارة إلا دالا لـ"السيم" نفسه، ومن ثم فإنه يتخير من الرسائل ما يوفر لهذا السيم صعيد المدلول ويتوافق في الوقت نفسه مع الإشارة.
يعد "السيم" الحلقة المشتركة بين المتواصلين؛ حلقة تبرز في صورة علامة(دال ومدلول) ناتجة عن فعل التواصل، حيث يؤسس كل فعل سيمي لنسق من السيمات التي تستطيع أن تحدد كل سيم جديد إما على صعيد الدال داخل الحقل السيماتيchamp sématique ) )،وإما على صعيد المدلول داخل الحقل النووي (champ noétique )[32]. فإذا ما أبدلنا خاصية من خصائص إشارة ما بطريقة نحصل بها على إشارة من السنن نفسه ، فإن الإشارة الجديدة تكتسب مدلولا مغايرا إذا كانت الخاصية المستخلفة خاصية ملائمة، في حين تحتفظ بالمدلول نفسه إذا كانت الخاصية المستخلفة خاصية غير ملائمة[33]. إن تباين إشارات السنن الواحد لا ينفي عنها الخضوع لبنية أنمودجية مشتركة تحددها الصيغة التمفصلية العامة للسنن.
لقد أثارت فرضية التمفصل نزعة وثوقية ضمن مجال التطبيق السيميائي، فـكلود ليفي شتراوس(Claude Levi-Straus) مثلا، يرهن خصيصة التواصل اللغوي بخاصية التمفصل المزدوج؛ التي تعد في نظره من المقومات الثابتة والقارة في النسق اللساني ومجموع الأنساق الدالة. بيد أن إيكو يقر بوجود أسنن تواصلية تتغاير ضمنها أنماط التمفصل إلى درجة تصبح فيها مستويات التمفصل ذات طبيعة إبدالية، وهو حال سنن لعبة الورق حيث ترتد ضمنه القيم الرقمية و الشعارية بين القيمة الدالة والقيمة الاختلافية بحسب نظام اللعب، وبهذا الارتداد تتغاير صفة التمفصل ضمن كل وضع (أولي/ ثانوي).
يفترض ضبط الآليات المتحكمة في بلورة القصد التواصلي تحديد الحالات العامة لنجاح "الفعل السيمي" وفشله، فالمرسل يختار من الإشارات ما يراه كفؤا لحمل المرسلة التي يبغي نقلها إلى المرسل إليه؛ وموافقا لتقديرات الظروف، في حين تنفتح إمكانيات الإشارة لدى المرسل إليه على حمل مرسلات متباينة فيختار منها ما يراه موافقا لها بحسب تقديراته للظروف.
فإذا ما أخطأت تقديرات المرسل للظرف، بصورة لا تتطابق فيها تلك الظروف التي افترضها مع الظروف الواقعية للفعل السيمي، فإن المرسلة تجد لنفسها موضعين قصديين متباينين ضمن مجال هذه الأخيرة[34]. ويحصل أن تتباين وجهات النظر بخصوص الإشارة نفسها، ضمن حالات الالتباس أو سوء الفهم، فقد يرتبط التوجيه الدال الذي تمارسه الإشارة لدى المرسل بمجال محدد من المرسلات، وذلك في الوقت الذي تتحدد فيه نفس الإشارة بالنسبة للمرسل إليه ضمن مجال آخر من المرسلات أو المقاصد، بالصورة التي لا تتطابق فيها المرسلة التي يريد المرسل إبلاغها مع المرسلة التي يمنحها المرسل إليه للإشارة[35]. ويحدث أن تصير الإشارة محلا للقصد ضمن الوضع الذي يختار فيه المرسل من الإشارات ما يتوافق مع مرسلتين أو أكثر، معتمدا على ظروف التواصل في إجازة مرسلة أكثر من غيرها، ما يجعل المستقبل أمام احتمالين مقصديين[36].
يتباين وضع العلامة التواصلية عن العلامة العفوية لارتباط القصد التواصلي بدرجة وعي المرسل بالعلامات التي يبثها، فإذا كانت الأولى تحمل طابعا قصديا بوصفها مسننة ضمن قواعد تعاقدية يتوافق ضمنها كل دال مع مدلول، فإن الثانية تخرج عن كل قصد تواصلي كونها لا تخضع لأي تسنين ولا تفهم إلا حدسا. بيد أن لإرادة المرسل أهمية قصوى في تحويل العلامة العفوية إلى علامة تواصلية، ومن ثم تحويل كل ما هو عفوي إلى تواصل قصدي، فإرادة الممثل، مثلا، في تقليد مشية رجل غني، تحول صفة المشي بوصفها علامة تعبيرية إلى علامة مصطنعة موكلة بتمرير معلومة خاصة؛ أي إلى علامة قصدية تواصلية مسننة[37]. ولا تقترن مسألة الإرادة بالمرسل وحده أو بالمرسل إليه فحسب، ولكنها تتعدى ذلك إلى الموقف القصدي الذي ينسبه
المرسل إليه للمرسلة. فقد يحدث أن ترسل العلامة وتدرك بصورة إرادية لدى كل من المرسل والمرسل إليه، في حين يعزى القصد من قبل المرسل إليه بصفة لا إرادية. فمثلا، يستطيع رجل ما أن يتظاهر المرض بصفة إرادية أمام شخص آخر فيتلقى هذا الأخير العلامة بصفة إرادية، لكن وضع التمويه يجعله يعزي لهذه العلامة قصدا لا-إراديا، ويحدث العكس إذا ما أخذ هذا التظاهر وضع تمثيلية مسرحية مثلا، فالجمهور يعزي قصده إلى هذه العلامة بصفة إرادية، وهو يعي تمام الوعي أن الأمر لا يعدو أن يكون أداء لدور معين[38]. إن قصد المرسل هو قصد أولي مرتقب من المرسل إليه ويكون تارة إراديا وأخرى لا إراديا، فالمموه مثلا، لا يريد من المرسل إليه قصدا إراديا للعلامة محل التواصل حتى ينجح التمويه، فإذا ما أبان له المرسل إليه عن قصد إرادي، فهو يبين بذلك عن فشل فعل التمويه في حد ذاته. وخلافا لذلك، فإن الأعراض اللاإرادية للمرض، تجعل المريض يرتقب قصـدا إراديا من الطبيـب، على الرغم من إرساله لها بصفـة لاإرادية[39]. بيد أن هناك حالات تستوي فيها إرادة المرسل بلا إرادته في التواصل فينهار القصد بهذا الصراع الداخلي وتنقطع أحبال التواصل لحدة الوساوس ومجاذبات التكهنات.