التوصيات المقترحة:
1-حصرُ الحسابات اللغوية الجادة، ودعمُها بوسائل الدعم المتاحةِ من قبل مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية أو وزارة التعليم العالي، أو أيِّ جهةٍ حكوميةٍ أو خاصة، ولعلَّ المركزَ يتبنّى هذا الأمرَ، وَفْقَ ما تتيحُه لوائحُه المنظمة.
2-إيجادُ رابطةٍ رسميةٍ للحسابات اللغوية والأدبية على مواقع التواصُل، بمبادرةٍ من مركز الملكِ عبدالله الدولي، ولعلَّ المركزَ يتولّى الإشرافَ عليها.
3-أقترحُ عقدَ اجتماع تعارفٍ للمشرفين على تلك المواقع، للتعاون وتبادل الآراء، ولعلَّ ذلك يكونُ تحت إشراف المركز.
4-حثُّ الجامعات والمؤسسات التعليمية لأعضائِها على الانخراط في النشاط اللغويِّ التفاعليِّ، وجعْلِه جزءاً من نشاطهم في نقاط خدمة المجتمع عند تقديمِهم أعمالَ الترقية.
5-استثمارُ التقنيةِ وعقولِ الناسِ وهم في بيوتِهم من خلالِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ ومن خلالِ (فلاتر) لغويةٍ عديدةٍ تتمثلُ في الأكاديميين المتخصصينَ في اللغة، الذين ينتقونَ ويهذبونَ ويحلّلونَ ويؤصّلونّ ويُعرّبونَ المصطلحات.
6-البحثُ مع الشركاتِ الحاضنةِ عن حلولٍ فنيةٍ للخطِّ العربي، والتعاونُ مع المواقعِ المتخصصةِ في هذا الشأن، وأقترحُ إلغاءَ احتسابِ علاماتِ الترقيمِ وضبطِ الحركاتِ من العددِ المتاحِ للتغريدة، إن كان ذلك ممكنا فنياً.
7-على مركز الملك عبدالله الدولي أن يستثمرَ مستجداتِ التقنية، ونأمل أن يتجاوزَ من سبقوه من مجامعِ اللغةِ التقليديةِ التي وقعتْ في أخطاءٍ حدّتْ من نشاطِها، وألجأتْها مؤخراً إلى أن تتقوقعَ في زوايا النسيان.
وهنا أطرحُ أسئلةً وفي جوفِها مقترحاتٌ مستترة:
فأقول:
1-هل يمكنُ أن يكونَ لمركزِ الملك عبدِالله الدولي لخدمةِ اللغةِ العربيةِ دوراً ريادياً في تجميعِ الجهودِ المتناثرةِ واحتوائِها وتوحيدِها وضبطِها وتمويلِها، ولعلَّ هذا يكونُ نواةً لشيءٍ أكبرَ وأعظم، وهو محاولةُ لـمِّ شتاتِ المجامعِ العربيةِ المتفرقة، وربطِها بهذا المركز، وتنسيقِ جهودِها، وبلادُنا أولى البلدانِ للقيامِ بهذا الدورِ القيادي؛ لأنَّ العربيةَ نبعتْ من أراضيها.
2-وهل يمكنُ تحويلُ تلك المواقعِ الفرديةِ إلى فروعٍ للمركز؟ بأن يضعَ المركزُ أهدافَها وضوابطَها وآليةَ عملِها، ويتركَ لأصحابِها إدارتَها ويكتفيَ المركزُ بالإشرافِ والتوجيهِ والدعم؟
3-وهل يمكنُ للمركزِ أن يتبنّى فكرةَ إنشاءِ عدّةِ مراكز لغويةٍ سعوديةٍ صغيرةٍ يشرفُ عليها المركز، كـ (مركز المدينةِ اللغوي) ويُعنى بالمعاجمِ واللهجاتِ و(مركز مكةَ اللغوي) ويُعنى بالنحوِ والصرف و(مركز الرياضِ اللغوي) ويُعنى بالترجمةِ والتعريب.. وهكذا..
وفي الختام أرجو أن يكون مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية نواة لمجمع لغوي سعودي كبير يقوم بشأنه اللغوي، ويسعى إلى التنسيق مع مجامع اللغة في الوطن العربي وأتمنى تحويل الحسابات اللغوية الجادة والمواقع الخادمة للغة إلى فروع مجمعية صغيرة متنوعة التخصصات، نسميها مراكز لغوية، تكون تابعة للمجمع الأم.. ويتخصص كل مركز في فن من الفنون اللغوية، لتركيز عمله والإبداع فيه..والله ولي التوفيق.
* رأيه في حروف الزيادة اللغوية:
قدم البصريون خدمة جليلة للعلوم العربية، فقد أنهجوا القياس، ووضعوا أسس العلم للعربية نحوها وصرفها، فترسّخ مذهبهم وانتصر على غيره، وتعلمت الأجيال اللغوية منذ القرن الرابع الهجري أن قول البصريين قول لا يردّ، وأنّه يعلو ولا يُعلَى عليه، فأضرّ هذا الاعتقاد بالعلم، لأنه عطّل العقول، وربما تمرّد عليه أفراد، وما أجمل قولة أبي حيان في البحر المحيط (( ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون)).
ومن مذهب البصريين أن حروف الزيادة عشرة يجمعها قولهم (سألتمونيها) وأنه لا يكون حرفٌ زائدٌ في الكلمة من غير هذه العشرة، وهم يسخرون من بعض الكوفيين حين يقولون بزيادة حرف ليس من هذه العشرة، والكوفيون يتوسعون في حروف الزيادة ويطلقون القول فيها بغير قيد، ولا يفرقون بين زيادة صرفية وغيرها.
والذي يظهر لي في حروف الزيادة يختلف عن رأي البصريين أو الكوفيين، فأرى أنه يجب أن نفرق في البدء بين حروف الزيادة الصرفية المطردة وحروف الزيادة اللغوية الأحفورية غير المطردة، وأرى أن الزيادة نوعان:
1-زيادة صرفية قياسية، وحروفها ثمانية (أ ت س م ن و ا ي) وليست عشرة، فقد استبعدتُ اللام والهاء؛ لأسباب سأذكرها لاحقا، وقد جمعها بعض الفضلاء حين طرحت الفكرة في حسابي في تويتر بقوله: (أمستويان) واقترح بعضهم: (أيتناسون) أو (أنستُ يوما) وغير هذا.
2-زيادة لغوية سماعية معجمية أحفورية، وحروفها الحروف جميعا. وهذا النوع الثاني من حروف الزيادة يخدم البحث المعجمي، ويفتح آفاقًا واسعة للدلالة، ويعين على تتبع تطور الجذور والكشف عن علاقاتها بعضها ببعض.
ولستُ مقلدًا لأحدٍ فيما ذهبت إليه في هذا التقسيم، إنما هو ثمرة دراسة وتأمّل للتصريف العربي ومعجمات اللغة بدأت معي في تداخل الأصول اللغوية عام 1414هـ. فالحروف الثمانية زوائد (صرفية مطردة قياسية) وباقي الحروف زوائد لغوية جذرية موغلة في القدم غير مطردة في الاستعمال اللغوي، وهذا النوع الثاني نراه كثيرًا عند ابن فارس في المقاييس.
وعلّةُ استثنائي اللامَ والهاءَ من حروف الزيادة الصرفية أنهما لم تُزادا في موضع تصريفيّ مطرد كاطراد الحروف الثمانية «أمستويان» وأمثلة البصريين فيهما محل نظر ونقد، فاللام - باعتراف الصرفيين القدامى- لا تطَّرد زيادتُها في موضع تصريفي، ومثلوا لزيادتها بـ ((ذلك وتالك وهنالك وأولئك)) وهذه أمثلة مرفوضة؛ لأنها ليست زوائد تصريفية، بل وقعت في المبنيّات، فلا يعتدّ بها، ومثلوا بزيادة اللام في نحو زيدل وعبدل والعَثْوَل.. وهذه لا تختلف عن زيادة الراء في سِبَطر ودِمَثر، خلافا لابن جني.
أما الهاءُ فتزاد في فعل الأمر نحو فِهْ وارمِهْ، وفي الوقف على ما الاستفهاميّة، إن جُرّتْ بحرفٍ؛ نحو لِمَهْ، وفي النُّدْبَةِ والاستغَاثَةِ عند الوقف؛ نحو وا زيداه.. وهي زوائد غير صرفية. ولذا نُقل عن المبرد أنه كان يخرجها من حروف الزيادة، وهو على حق، لكنه تراجع فأعادها لحروف الزيادة في المقتضب تقليدا لأصحابه.
وقَسم الصاعدي الزوائد قسمين، كما يلي:
1- زيادة صرفية قياسية، وحروفها ثمانية يجمعها قولك: (أمستويان) وليست عشرة، فقد استبعدت اللام والهاء؛ لأسباب ذكرتها في المقالة السابقة.
2- زيادة لغوية سماعية معجمية أحفورية، وحروفها الحروف جميعًا. ولهذا النوع أهمية بالغة في الدراسات المعجمية الدلالية.
والهاء لا تزاد في موضع تصريفي مطّرد، كاطّراد الحروف الثمانية المجموعة في قولك: «أمستويان» وكذلك اللام، وأمثلة البصريين فيهما محل نظر ونقد عريض، ولن تضارّ العربيةُ في شيء حين نستبعد حرفي اللام والهاء من حروف الزيادة التصريفية، ونجعلهما من الزوائد اللغوية الأحفورية كالراء والباء وباقي الحروف.
والعجيب أن البصريين مع جمودهم يسخرون من مخالفيهم الكوفيين سخرية لاذعة، ويروون أقوالهم على سبيل التندر، وكان أبو علي الفارسي شديد السخرية بالفراء، ومثله تلميذه ابن جني الذي سخر من ثعلب، لأنه عد الباء من حروف الزيادة، قال ابن جني في سر الصناعة: ومن طريف ما يحكى من أمر الباء أن أحمد بن يحيى قال في قول العجاج:
يَمُــدُّ زَأرًا وهَدِيـرًا زَغْـدَبًا
إن الباء فيه زائدة، وذلك أنه لما رآهم يقولون هدير زغد وزغدب، أعتقد زيادة الباء في زغدب، وهذا تعجرف منه، وسوء اعتقاد ويلزم من هذا أن تكون الراء في سبطر، ودمثر زائدة لقولهم سبط ودمث، وسبيل ما كانت هذه حاله ألّا يحفل به، ولا يُتشاغل بإفساده.
قلت: ما الذي يمنع من أن تكون الباء من حروف الزيادة اللغوية؟ وكذلك الراء؟ وما الفرق بينهما وبين اللام والهاء؟ فالأمثلة اللغوية متقاربة، ولا اعتداد بهاء السكت أو لام ذلك وتالك، لما قدمت في المقالة السابقة، وزيادة الباء في زغدب والراء في سبطر زيادة لغوية أحفورية قديمة، وليست زيادة صرفية مطردة، ولو كانت المساحة تكفي لأثبت أن الراء أحق بالزيادة من الهاء أو اللام.
وقد كان كراع النمل يعد الغين، والقاف، والحاء، والفاء، والرَّاء، والزَّاي، والطَّاء، والدّال، والجيم، من حروف الزيادة، وعقد لها بابًا سمّاه: (باب الزَّوائد من غير العشرةِ).
ونحا ابنُ فارسٍ منحى كُراعٍ في المقاييس، وخطا خطوة لغوية عظيمة، لم يلتفت لها للأسف، بسبب تأصل الفكر البصري الجامد في عقول الأجيال، وقد سبق لي أن حللت الزوائد في معجم المقاييس في كتابي (تداخل الأصول اللغوية) فوجدت فيه 249 كلمة رباعية أو خماسية؛ ممَّا جعله مزيدًا بحرفٍ أو حرفين من غير حروف الزِّيادة العشرة. فقال بزيادة الرَّاء في 35 كلمةً، ويليها العين في 20 كلمة، فالباءُ في 19 كلمة، فالدَّالُ في 11 كلمة، فالفاءُ في 6 كلماتٍ، فالحاءُ في 5 كلماتٍ.
وأرى أن الذي أضر بفكرة الكوفيين في الزوائد هو أنهم لم يفرقوا بين زيادة تصريفية، وزيادة لغوية جذرية قديمة فخلطوا النوعين.
وهذا النوع الثاني من حروف الزيادة يخدم البحث المعجمي، ويفتح آفاقًا واسعة للدلالة، ويعين على تتبع تطور الجذور والكشف عن علاقاتها.
* رأيه في رأيُ القدامى في ضياع شيءٍ من اللغة:
قد يظنّ بعض أهل العلم من غير المتخصصين أن لغة العرب وصلت إلينا كاملة مدونة في المعاجم القديمة، بدءًا بالعين للخليل وانتهاء بالتاج للزَّبيدي، لكنّ الحق أن ما وصل إلينا من اللغة ما هو إلا جمهرتها وثمرتها القريبة القطاف، وأن قدرًا صالحًا من فصيحها ولهجاتها وشواهدها وشعرها ونثرها قد ضاع وذهب بعضه بذهاب أهله، وبقي بعضه مختبئًا في لهجاتنا في جزيرة العرب خاصة، وفي غيرها، يندثر منه بين الحين والحين ما يندثر، بسبب زحف اللغة البيضاء، لغة الإعلام العامة، التي قاربت بين اللهجات، وأدت إلى هجر كثير من الظواهر المغرقة في الخصوصية لكل لهجة.
وقد أدرك علماؤنا أنهم أمام لغة واسعة، كمحيط لا ساحل له، وأن جهودهم ووسائلهم محدودة، فاعترفوا صراحة بأن اللغة لم تجمع أو (تُمعجم) كاملة وأنه ضاع منها شيء غير قليل.
فهذا ابن سلام يروي في طبقات الشعراء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن شعر العرب حفظ منه القليل وذهب منه كثير. وقال ابن سلام: ((وممَّا يدل على ذهاب الشّعر وسقوطه قلَّة ما بقى بأيدى الرواة المصححين لطرفة وعَبيد... ونرى أن غَيرهما قد سقط من كَلامه كَلامٌ كثير))
وتواتر النقل عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقلُه ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير.
وذكر ابن قتيبة في مقدمة الشعر والشعراء: إنه ليس لأحد أن يحيط بشعر الشعراء وشعر القبائل، وأن الضائع منه كثير. وروى عن الأصمعىّ أنه قال: كان ثلاثة إخوة من بني سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب رجزُهم، يقال لهم: منذر ونذير ومنتذر.
ولابنِ فارس في الصاحبي بابٌ اسمه: (باب القولِ على أن لغةَ العرب لم تنتهِ إلينا بكلّيتِها، وأنّ الذي جاءَنا عن العرب قليلٌ من كثير، وأنّ كثيرًا من الكلام ذهبَ بذهاب أهله) وقال: قال بعض الفقهاء: "كلام العرب لا يحيط بِهِ إِلاَّ نبيّ". وقال: وهذا كلامٌ حَرِيٌّ أن يكونَ صحيحًا.انتهى.
ونقل ابن جني رواياتٍ تدلُّ على ضياع قدر من الشعر واللغةُ، وعلق عليها بقوله: وهذا ونحوه مما يدلّك على تنقّل الأحوال بهذه اللغة، واعتراض الأحداث عليها، وكثرةِ تغوّلها وتغيّرها، فإذا كان الأمر كذلك لم نقطع على الفصيح يُسمَع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ ما وُجِد طريقٌ إلى تقبّل ما يورِده إذا كان القياس يعاضده، فإن لم يكن القياس مسوّغا له كرفع المفعول وجرّ الفاعل ورفع المضاف إليه فينبغي أن يُردّ، وذلك لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا، فلم يبقَ له عِصْمة تُضيفه ولا مُسْكة تجمع شعاعه.
وكان أبو العلاء المعرّي يدافع عن كلمة (الأطروش) بمبدأ سعة اللغة وعدم الإحاطة بها، قال: ((ويجوز أن يكون من أنكر هذه اللفظة من أهل العلم لم تقع إليه؛ لأن اللغات كثيرة، ولا يمكن أن يُحاط بجميع ما لفظت به القبائل))
وفي الختام أقول: أن ثمة أملًا ينبعث في النفوس في أن نرى حركة لغوية في بلاد الفصحى ترتكز في أساسها على إحياء عصر الرواية، يتبعها التأصيل اللغوي العلمي تجمع شيئا من تلك الفوائت المخبوءة في لهجاتنا قبل أن يندثر وتبتلعها اللهجة البيضاء.
*حاجة العربية لمعجم تاريخي
الألفاظ كائنات حية تولد وتشبّ وتهرم وتموت، ومنها ما يُعمّر طويلا، ومن الألفاظ ما يُعمّر فلا يموت، ولو مضى عليه آلاف السنين، لما فيه من ضروب المناعة الداخلية كقوّة المعنى ودوامه، ورشاقة اللفظ وعذوبة جرسه، أو المناعة الخارجية، كألفاظ القرآن الكريم التي تكفّل الله - عز وجل - بحفظها، وما صحّ من ألفاظ الحديث النبويّ الشريف، ومن الألفاظ ما يمرض فلا يحيا ولا يموت، ومنها ما تتغير دلالتها، فـ(طول اليد) كان قديما وصفا للسخاء والكرم، فانحطت دلالته وأصبح اليوم يدل على السرقة، أو البطش، وهناك ألفاظ جاهلية قديمة، وألفاظ أو دلالات ولدت في الإسلام، وثمة ألفاظ أموية أو عباسية أو مولدة أو محدثة وهي كثيرة جدا يصعب حصرها.
وللألفاظ سير ذاتية كالناس تماما، ولها أنساب، وأقارب وآباء وأبناء، وفي معاجمنا شيء يسير جدا للتأريخ للألفظ، ولكنه تاريخ غامض ومشوش؛ لأن معاجمنا العراقية لم تكن في الأصل معاجم تاريخية، ولا يطلب منها ذلك، فهي معاجم تقليدية، والمعجم التاريخي يختلف عن المعجم التقليدي، والعربية تفتقر إلى معجم تاريخيّ.
ولم يزل المعجم التاريخيّ حلمًا يراود خيال الكثيرين من العرب، وثمة عقبات تحول دون ظهوره.. فهل من سبيل إلى إنجازه؟ وما المعجم التاريخي؟ وهل يمكن لفرد أن يصنع معجماً تاريخياً؟ وهل من وسيلة عملية واقعية تساعد في إنجازه ليتحقق هذا الحلم القديم الجديد؟
المعجم التاريخي هو: المعجم الذي يرصد كل لفظ منذ ظهوره وما يطرأ عليه من تحولات صوتية أو صرفية أو دلالية ويدونه عبر تاريخه الاستعمالي. وهو كما يراه الدكتور محمد حسن عبدالعزيز ((ديوان للعربية يضم بين دفتيه ألفاظها وأساليبها، ويبين تاريخ استعمالها أو إهمالها، وتطور مبانيها ومعانيها عبر العصور والأصقاع، ويقدم مدخلا لغويا وفكريا للحضارة العربية والإسلامية)) وليس المعجم التاريخي معجما معياريا تقليديا، لذا يجب أن يحتوي على كل كلمة تداولتها الألسن في اللغة.. ويترك الحكم والدراسة للغيره.
وأتمنى أن يتبنى (مركز الملك عبدالله الدولي لخدكة اللغة العربية) في الرياض فكرة المعجم التاريخي، ويحيي مشروع (فشر) أو يجعله نواة للمشروع، ويتعاون مع الباحثين والمجامع التي خطت خطوات في ذلك، وأن يفيد من أبحاث (أعمال ندوة المعجم التاريخي للغة العربية) التي أقيمت في فاس بالمغرب في 1431هـ الموافق 2010م وكذلك المشروع القطري للمعجم التاريخي، لكيون للمركز دوراً ريادياً أو تكاملياً مع غيره في هذا.
ويستطيع المركز أو غيره أن يضع خطة طموحة للمعجم التاريخي، ويرفع شعار 1455هـ 2033م ونحو ذلك، ويضع كذلك خطوات علمية محكمة ومفصلة يشترك في تنفيذها عدد من الدول والجامعات، ويجب أن يعقد للمشروع ورش عمل لمناقشة مفهوم المعجم التاريخي، ووظيفته، وآليات صناعة ( المدونة العربية أو الذخيرة اللغوية) التي تعد نواة المعجم وأساسه، ثم صناعة المادة لكل جذر مستخلصةً من مخزون المدونة، ويجب حل المشكلات والصعوبات العلمية والفنية والمالية التي يتوقع أن تواجه العمل.
ويمكن توجيه الرسائل العلمية في أقسام اللغويات لخدمة المعجم التاريخي، وكذلك بعض أبحاث الترقية، فعلى سبيل المثال: يُعطى لكل طالب جذرٌ واحد فحسب، ويجمع الباحث ما جاء فيه من لغة منذ العصر الجاهلي إلى هذه اللحظة.