عرض مشاركة واحدة
رقم المشاركة : ( 1 )
 
مصطفى شعبان
عضو نشيط

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

       
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
قوة التقييم :
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان
افتراضي الخليل بن أحمد والكتاب لسيبويه

كُتب : [ 05-12-2017 - 04:42 AM ]


الخليل بن أحمد والكتاب لسيبويه
د.حنّـا حــدّاد (*)

يظهر لكل من يقرأ كتاب سيبويه أو يقلّب صفحاته، أن الرجل قد أكثر من ذكر اسم الخليل بن أحمد والرواية عنه والإشارة إليه، كثرة جعلت عبد السلام هارون محقق الكتاب يحجم عن رصد أرقام المواطن التي ورد اسمه واسم يونس بن حبيب فيها بحجة أن اسميهما قد كثرا في الكتاب كثرة مفرطة(1) .
كما أن علي النجدي ناصف في كتابه " سيبويه إمام النحاة" لم يرصد المواطن التي ذكر اسم الخليل فيها بشكل مفصل ، واكتفى بالقول: " إن جملة ما روى عنه في الكتاب (522) مرة، وهو قدر لم يرو مثله ولا قريبا منه عن أحد من أساتذته" (2).
ولا أذكر - فيما أعلم- أن باحثا قد أولى هذا الجانب من كتاب سيبويه بعض اهتمامه، فقام بعمل فهرس واف لما نقله سيبويه عن الخليل، أو رصد مواطن هذا النقل في كتابه وتحدث عنها. ومن هنا، جاء اهتمامي بهذا الجانب من الكتاب وببعض ما يتصل به من القضايا، فكانت هذه الدراسة.
المتتبع لما نقله سيبويه عن الخليل في كتابه، يتبين له أنّه قد ذكر اسمه صراحة، أو عناه دون تصريح باسمه في (548) موضعا، وهو رقم يزيد عما ذكره ناصف ب(26) موضعا، وقد تنوعت الإشارة إلى الخليل والإحالة إليه وذكر اسمه في الكتاب تنوعا كبيراً فكانت جملة الأشكال التي ورد النقل عنه فيها اثنين وأربعين شكلا تمثلها النماذج التالية:
النموذج الأول: وفيه يذكر سيبويه اسم الخليل ويترحّم عليه، مثل:
وزعم الخليل رحمه الله.
وقال الخليل رحمه الله.
وسألت الخليل رحمه الله.
وروى الخليل رحمه الله. وغير ذلك.
النموذج الثاني: وفيه يغفل سيبويه اسم الخليل ولكنه يعنيه ويترحم عليه، مثل:
وزعم رحمه الله.
وسألته رحمه الله.
وسألناه رحمه الله. وغير ذلك.
النموذج الثالث: وفيه يذكر سيبويه اسم الخليل دون ترحم ، مثل:
وزعم الخليل.
وقال الخليل.
وأنشدنا الخليل. وغير ذلك.
النموذج الرابع: وفيه يغفل سيبويه اسم الخليل- وان كان يعنيه- ولا يترحم عليه، مثل:
وزعم.
وقال.
وسألته.
وأنشدنا. وغير ذلك.
والذي يلفت الانتباه، أن عدد المواطن التي لم يترحم فيها سيبويه على الخليل، تفوق كثيرا تلك التي ذكره وترحم عليه فيها. فقد بلغ عدد المرات التي لم يترحم عليه فيها (419) مرة، مقابل (129) مرة هي التي ترحم عليه فيها.
كما أن الذي يلفت الانتباه، أن عبارات الترحم على الخليل، جاءت جميعها في الجزءين الأول والثاني من تجزئة هارون، أي في القسم الأول من الكتاب. أما الجزء الثالث والرابع، وهما بقية الكتاب فقد جاءا خاليين تماما من عبارات الترحم هذه (3) ، فما الذي تعنيه هذه الظاهرة؟ وما الذي يستفاد منها في تحديد تاريخ تأليف الكتاب ؟
يقول عبد السلام هارون:"لا ريب أنه ألف بعد موت الخليل (160هـ)لأن مخطوطات الكتاب نجد فيها كثرة التعقيب على قول الخليل بعبارة"رحمه الله" (4).
ويقول علي النجدي ناصف : "لا نعرف متى بدأ سيبويه يصنف كتابه، ولا متى فرغ منه لا جملةولا تفصيلا. على أني وجدت في الكتاب جملة عابرة يمكن أن تكون إشارة إلى جملة الوقت الذي كان يصنفه فيه... حيث يقول: ... وهذا قول الخليل رحمه الله.
ثم يتابع ناصف قائلا: وما رأيت سيبويه يدعو لشيخه بالرحمة إلا في هذا الموضع، ولا رأيته يذكره في هذا الباب إلا في هذا الموضع أيضاً... فإن كان النص الذي نقلناه آنفا هو ما خطه سيبويه في الكتاب ولم تكن الجملة الدعائية دخيلة فيه، صح لنا القول إنه رحمه الله صنف بعض الكتاب في حياة الخليل وصنف البعض الآخر بعد موته " (5).
والذي قاله ناصف بهذا الصدد صحيح، فإن جملة "رحمه الله" لم ترد في الكتاب الذي طبع في بولاق (وهي النسخة التي كانت بحوزته عند تأليف كتابه) إلا في الموطن الذي أشار إليه (6). وهذا يؤكد أن النسخ الخطية التي اعتمد عليها هارون في إصدار طبعته التي بين أيدينا، ليست هي النسخ التي كانت أساساً لطبعة بولاق.
وإذا صح لنا أن نأخذ جملة " رحمه الله" إشارة لتحديد تاريخ البدء في تأليف الكتاب، وأن البدء في تأليفه، كما يقول عبد السلام هارون، كان بعد موت الخليل، فإن العرف والمنطق يفرضان أن تكون جملة " رحمه الله" منثورة في الكتاب بأجزائه الأربعة. ولكنا وجدنا هذه الجملة الدعائية في القسم الأول من الكتاب ( الجزءان الأول والثاني)-كما أسلفنا- ولم نعثر عليها البتة في القسم الثاني منه( الجزءان: الثالث والرابع). فهل يعني هذا أن سيبويه كان قد وضع مادة القسم الثاني من كتابه في حياة الخليل، ثم وضع مادة القسم الأول منه بعد وفاته بترتيب معكوس؟
ليست هذه النتيجة مما يطمئن إليه، وليست الجملة الدعائية " رحمه الله" بهذا الوضع الذي جاءت عليه في الكتاب إشارة صالحة لتحديد التاريخ الذي بدأ سيبويه تأليف كتابه فيه، لأنها- في تقديرنا- جملة مقحمة على أصل الكتاب، وضعها الناسخون الذين تعاقبوا على نسخه. والذي نميل إليه أن زمن تأليف الكتاب ما زال مجهولا لنا، إلا إذا صحّ الخبر الذي ذكره الزبيدي في طبقاته، وصورته: " حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي عن إبراهيم بن السري، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: لما أراد سيبويه أن يؤلف كتابه قال لأبي: تعال نحيي علم الخليل"(7). ونصر هذا ، هو ابن علي بن نصر بن علي الجهضمي زميل سيبويه ورفيقه في التلمذة على الخليل (8). فإن صح هذا الخبر فإن سيبويه قد شرع في تأليف كتابه، بعد موت الخليل دون تحديد لسنة بعينها.
والذي نميل إليه، أن النسخة (النسخ) التي اعتمد عليها هارون وجعلها أصلا لنشرة الكتاب الذي نتداوله اليوم، هي نسخة ( نسخ) أحدث عصراً أو أغنى عبثاً وأثرى زيادة من تلك التي كانت أصلاً لنشرة بولاق. ودليلنا على هذا أنا وجدنا سيبويه في نشرة هارون يترحم على الخليل ويونس معاً. والذي لا خلاف عليه أن يونس بن حبيب كان حيّا بعد وفاة سيبويه، وأنه نظر في كتابه، وأنه صدقه فيما نقل عنه. فقد قالوا: " لمّا مات سيبويه قيل ليونس : إنّ سيبويه ألف كتاباً من ألف ورقة في علم الخليل، فقال يونس: ومتى سمع سيبويه من الخليل هذا كله ؟ جيئوني بكتابه. فلما نظر في كتابه ورأى ما حكى قال :" يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل فيما حكاه، كما صدق فيما حكى عني" (9).
وإذا كان سيبويه قد توفي بعد يونس، فكيف نفسر إذن قول سيبويه في غير موضع من كتابه:" وزعم يونس والخليل رحمهما الله (10). وقوله: " وهذا قول يونس والخليل رحمهما الله"(11) وقوله: ولم يجز يونس والخليل رحمهما الله (12). كيف نفسر مثل هذا إلا أن يكون الذي نسخ هذه النسخة قد نسخها بعد موت الرجلين بأمد، وأضاف إليها هذا الترحم عليهما.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الترحم على يونس بخاصة، لم يرد في الكتاب إلا في هذه المواضع التي أشرنا إليها، على الرغم من أن اسم يونس قد ذكر في الكتاب من أوله إلى آخره في (200) موضع (13). كما أن اسمه كثيراً ما كان يقترن مع اسم الخليل في خبر واحد وسماع واحد. ومع هذا، نجد الترحم على الخليل وحده دون يونس مثل قوله:
وزعم الخليل رحمه الله ويونس (14).
أو: وسمعناه من الخليل رحمه الله ويونس (15).
أو: وسألت الخليل رحمه الله ويونس (16).
أو: وهذا قول الخليل رحمه الله ويونس (17).
وغير هذا من التفاوت في النظر إلى الرجلين والتفريق بينهما، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد أن الذين تعاوروا نسخ الكتاب كانوا مختلفي المشارب موزعي الأهواء. وليس من حرج بعد هذا إن ادعينا أن هؤلاء النساخ قد خلطوا بين أجزاء الكتاب الأم، وأنهم قد أضافوا إليه، من جملة ما أضافوا، بعض لشواهد الشعرية بعد أن أسقطوا بعضها الآخر (18)، وأنهم رتبوا بعض مواده ترتيبا عشوائيا، هو أقرب إلى ترتيب الوراقين منه إلى ترتيب النحاة وفقهاء العربية ، فجاءت بعض مواد الكتاب في غير موضعها الذي يجب أن تكون فيه، ومن غير رابط يربطها بما حولها أو موجب يفرضها حيث جاءت. وقد كشف علي النجدي ناصف رحمه الله عن هذا الوجه من اضطراب الترتيب في الكتاب فقال: " على أن ثمة أبوابا تبدو في موضعها غريبة مقحمة لم أستطع أن أجد تأويلا لمقامها حيث تقيم" (19).
كما تحدث عما أصاب الكتاب من تحريف وتصحيف، وما أضيف إليه من زيادة وتعليق فقال: " ولقد تعرض الكتاب لبعض ما تعرضت الكتب القديمة له من تغيير في نصوصها وتحريف. وأول ما أصابه من ذلك، زيادات أضيفت إليه من تعليقات الأخفش على حواشيه، ويظهر أن أمر هذه الزيادات كان معروفا ومسلما، لا يكاد يجهله أحد أو يماري فيه أحد" (20). ومن بين هذه الزيادات ما نسب لأبي الخطاب الأخفش كما هو معروف (21)، ومنها أيضا ما نسب لأبي عمر الجرمي (22).
أما الأخفش، فعلاقة سيبويه به علاقة معروفة ومشهورة. فهو من أساتذته الذين أخذ عنهم وتتلمذ عليهم. وقد ذكره سيبويه وروى عنه في كتابه سبعا وأربعين مرة(23).
وأما الجرمي، فهو صاحب نسبة كثير من شواهد الكتاب الشعرية إلى قائليها. فقد أثر عنه قوله: نظرت في كتاب سيبويه فإذا فيه ألف وخمسون بيتا. فأما الألف فعرفت أسماء قائليها فأثبتها. وأما الخمسون فلم أعرف قائليها (24).
وقد تحدث الإخباريون وكتاب التراجم عن أبي عمر الجرمي، فعرفوا به وذكروا له الفضل في أنه كان مع رفيقه أبي عثمان المازني السبب في إظهار كتاب سيبويه للناس ومعرفتهم أنه له، بعد أن همّ الأخفش بادعائه لنفسه أو كاد.
كما تحدثوا عن إعجاب الجرمي بسيبويه وكتابه، مع أن الجرمي- كما زعموا- لم يلق سيبويه ولم يعرفه معرفة شخصية(25)، وهو ما لا نعتقده، وما لا يجب أن يؤخذ به.
فقد مر بنا أن الجرمي قال: نظرت في كتاب سيبويه... الخ. وليس في هذا الخبر ما يشير إلى أن الجرمي قد لقي سيبويه أو لم يلقه. كما لا يستفاد من هذا الخبر أن الجرمي كان يعرف سيبويه معرفة شخصية أولا. غير أن السيوطي يروي لنا هذا القول المنسوب للجرمي بشكل مغاير يثير غير قضية وتساؤل. فقد قال السيوطي: قال الجرمي: في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتا. سألته عنها فعرف ألفا ولم يعرف خمسين (26).
فضمير الغائب من قوله ( فسألته) والفاعل المقدر بالضمير المستتر لكل من الفعلين ( عرف) و(يعرف) عائد على سيبويه، وهذا يعني أن الجرمي كان يعرف سيبويه معرفة شخصية وأنه اطلع على كتابه في حياته وأنه سأله عن الشواهد الشعرية فيه فعرف سيبويه أصحاب ألف منها ولم يعرف أصحاب الباقية.
والجديد في هذه الرواية للخبر يضعنا أمام احتمالين:
 الأول: أن رواية الخبر كما أوردها السيوطي صحيحة، وأن الجرمي كان يعرف سيبويه معرفة شخصية، وأنه اطلع على كتابه وسأله عن بعض جوانبه. وكان الإخباريون قد زعموا أن الجرمي لم يعرف سيبويه ولم يلقه، وأن الكتاب لم يكن متداولا ولم يعرفه الناس إلا بعد وفاة صاحبه، كما يستفاد من هذه الرواية، أن سيبويه كان يحتج في كتابه بالشعر الذي لا يعرف قائله.
 الثاني: أن السيوطي قد وهم في هذا الخبر فساقه من الذاكرة ونسب للجرمي ما لم يقله، على الرغم من شهرة هذا القول وتداول الناس له. وبهذا، يكون السيوطي قد أساء إلى سيبويه من حيث لم يقدر.
والذي نميل إليه من هذين الاحتمالين هو الأول، إذ ليس عندنا ما يمنع أن يكون الجرمي قد عرف سيبويه معرفة شخصية وأنه التقاه وسأله وناقشه في كتابه.
فكلّ من الرجلين بصري الموطن.
وكلّ من الرجلين من عصر واحد.
وكلّ من الرجلين قد ناظر الفرّاء.
وكلّ من الرجلين قد أخذ بعض علمه عن يونس وأبي زيد.
وكل من الرجلين مشغول بالنحو مهتم بقضاياه.
إلى غير ذلك من الأمور التي يشترك فيها الزملاء والأقران في كل عصر، فكيف يعقل إذن، ألا يلتقي رجلان توافرت لهما هذه المزايا والظروف؟ وكيف يعقل ألا يجتمعا في بعض الدرس عند واحد ممن تتلمذا عليهم، أو في البلد الذي عاشا فيه؟.
لسنا ننكر أن سيبويه أسنّ من الجرمي، فقد أجمع الذين أرخوا للرجلين على أن الجرمي توفي سنة 225هـ، ولكنهم اختلفوا على وفاة سيبويه فجعلوها في واحدة من السنوات المحصورة بين 161هـ-194هـ(27). نقول: لسنا ننكر الفارق السني بين الرجلين، ولكننا ننكر أن يكون هذا الفارق السنّي حائلا دون أن يلتقي الرجلان وهما من بلد واحد، وعقبة تحول دون أن يعرف كل منهما الآخر وهما متعاصران. ولهذا، تكون رواية الخبر كما أوردها السيوطي- عندنا- أكثر دقة وصدقا من تلك التي ذكرها سواه. ويكون الجرمي بذلك قد عرف سيبويه عن قرب والتقاه وسأله وناقشه في كتابه. ويكون سيبويه استنادا إلى هذا قد احتج في كتابه بشعر لا يعرف قائلوه، وما لا يعرف قائله ليس بحجة كما أجمع عليه العارفون بهذه الصناعة.
ولعل ما يدعم هذا الذي ندعيه عن احتجاج سيبويه بالشعر المجهول القائل، أنّا وجدنا سيبويه يسمع الشعر ممن يملكون أن يعرّفوه بقائله، ولكنه لا يسألهم عنه، فكأنه لا يريد أن يعرفه. أو كأن الذي يهمه من الشعر ما جاء فيه لا من قاله. فقد استشهد في كتابه بقول الشاعر:
وهَيَّجَ الحَيَّ مِنْ دَارٍ فَظَلَّ لَهمْ
يوم كثير تَنَادِيه وحَيَّهَلُهْ
ثم علق على الشاهد بقوله: " وأنشدناه هكذا أعرابي من أفصح الناس وزعم أنه شعر أبيه" (28).
فلو كان سيبويه معنيا بمعرفة قائل هذا الشاهد لسأل هذا الأعرابي عن اسم أبيه، ولنسب البيت إلى قائله، ولكنه لم يفعل فبقي الشاهد في كتابه حتى يومنا هذا لا يعرف له قائل، إلا أنه لرجل من بني أبي بكر بن كلاب أو من بجيلة(29).
وأكثر من هذا، فقد وجدنا سيبويه يسمع بعض الشعر من أصحابه الذين قالوه، ثم يستشهد به في كتابه دون أن يذكر اسم من قاله. فقد استشهد في كتابه بقول الشاعر:
فَتَى النَّاسِ لا يَخْفَى عليهم مَكَانُه
وضِرْغَامة إنْ هَمَّ بالحَرْب أوْقَعَا
ويقول الشاعر:
إذا لَقي الأَعداءَ كان خَلاتَهُمْ
وكَلْب على الأَدْنَيْنَ والجَارِ نَابحُ
ثم علّق على الشاهدين بقوله: " كذلك سمعناهما من الشاعرين اللذين قالاهما" (30).
ولو أن سيبويه كان يعرف الشاعرين صاحبي هذين الشاهدين لذكر اسميهما. بل لو كان الشاعران من المشهورين، لما بقي الشاهدان حتى اليوم من جملة شواهد الكتاب التي لا يعرف لها قائل. وهذا ما يشجعنا على القول: إن سيبويه لم يكن يهتم كثيرا بمعرفة أصحاب الشواهد التي يحتج بها، ولم يكن عنده فرق بين أن يكون الشاعر الذي يحتج بشعره مشهورا أو مغمورا. أو هو ممن يجوز الاحتجاج بشعرهم أولا. وهذه قضية تستوجب النظر.
وثمة قضية أخرى في الكتاب تستوجب النظر أيضا، ونعني بها عودة الضمير في قول سيبويه: (وسألته) أو ( وقال) فقد قال أبو سعيد السيرافي: وعامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل، وكلّما قال سيبويه " وسألته" أو " وقال" من غير أن يذكر قائله، فهو الخليل (31).
والصحيح أن هذا التعميم من السيرافي ليس شاملا ولا ينسحب على كثير مما جاء في الكتاب من قوله : " وسألته" أو " وقال" فلو أنا قرأنا- مثلاً- في الصفحة (126) من الجزء الأول من الكتاب (باب الأفعال التي تستعمل وتلغى) لوجدنا سيبويه يقول بالحرف : وسألته عن أيِّهم، لِمَ لَمْ يقولوا : أيَّهم مررت به؟ فقال: لأن أيَّهم هو حرف استفهام... الخ ولم يرد للخليل في هذا الموطن ذكر، بل كان الذكر فيه للأخفش،وهو المعني لا الخليل.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن المتأمل فيما نقله سيبويه عن الخليل، يجد أن بعضه مما لم يسمعه مباشرة من الخليل، بل إنه مما روي له على لسانه أو ذكر له أنه قاله، وهو ما يستفاد من قوله: " وقد ذكر لي بعضهم أن الخليل قال " (32). وقوله : " وحدثني من لا اتهم عن الخليل أنه سمع" (33). وقد يكون في هذين النقلين دليل على أن الرجل قد وضع كتابه بعد موت الخليل، وإنْ لم يكن من القوة بمكان.
تصويب:
لاشك في أن تحقيق كتاب ككتاب سيبويه وعمل الأقاليد له والفهارس المختلفة لما جاء فيه وخدمته بالشكل الذي ظهر فيه، من الأعمال التي لا تطاول. ولا سيما إذا كان الذي نهد لهذا العمل وقام به شيخ المحققين المعاصرين عبد السلام هارون رحمه الله فهو أستاذ الأساتذة وعلم الأعلام في هذا المجال. غير أن الكمال لله وحده، فقد عثرت على تحريف واضح في نص مشترك بين الصفحتين (176) و(177) من الجزء الرابع من الكتاب يجدر ألا يبقى كما هو عليه. أما النص فهو:
" وزعم الخليل أن بعضهم يقول : رأيتُ رَجُلأَْ فيهمز.وهذ حُبْلَأْ. وتقديرهما: رَجُلَعْ وحُبْلَعْ فهمز لقرب الألف من الهمزة حيث علم أنه سيصير إلى موضع الهمزة فأراد أن يجعلها همزة واحدة، وكان أخف عليهم".
هذا هو النص.
أما التحريف فهو في قوله : (رَجُلأْ) وتقديرها ( رَجُلَعْ) إذ ليس في هذه الكلمة ألف لتكون قريبة من الهمزة، كما كانت الألف في (حُبْلَى). وقد ضبطها هارون رحمه الله كما أثبتناها هنا، وقد وردت الكلمة بالضبط نفسه في طبعة بولاق (2/285) ولم يلتفت إليه أحد.
والصحيح أن الكلمة هي ( رَجْلى) بفتح الراء وسكون الجيم، على وزن (فَعْلَى) مثل : عَجْلى وسَكْرى. ويؤكد هذا ما جاء في لسان العرب (34): ... وامرأةٌ رَجْلَى مثل عَجْلَى... الخ.
وبعد هذه الوقفة مع بعض ما يتعلق بالكتاب وصاحبه، فهذا فهرس مفصل بأرقام الصفحات التي ورد اسم الخليل فيها صراحة أو إيماء في كتاب سيبويه الذي حققه عبد السلام هارون رحمه الله، وهو المتداول الآن بيننا، والذي عليه الاعتماد فيما ينشر من البحوث والدراسات نظرا لنفاد طبعة بولاق والطبعة المصورة عنها. وقد وضعته في شكلين:
 الشكل الأول: وفيه سردت أرقام الصفحات التي ذكر اسم الخليل أو أشير إليه فيها وفق ترتيب صفحات الكتاب بأجزائه الأربعة، دونما نظر إلى شكل التعبير الذي تضمن الاسم أو الإشارة.
 الشكل الثاني: وفيه رصدت أشكال التعبير التي تضمنت التصريح باسم الخليل أو الإشارة إليه، دونما تقيد بالترتيب الذي جاءت عليه في الكتاب.

رد مع اقتباس