عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-10-2017 - 11:05 AM ]


- الانتقائية في التعامل مع مبادئ اللسانيات:

إذا كان الوصفيون يتفقون على بعض الأسس النظرية، فإن الاختلاف قائم بينهم حول الكثير من المفاهيم، ويرجع ذلك إلى الاختلاف في بعض جوانب التحليل، فقد ركز البعض على الجانب الشكلي لمستويات التحليل اللغوي، بينما ركز البعض الآخر على الجانب الوظيفي. وقد استتبع هذا الاختلاف اختلافا آخر على مستوى المفاهيم.
- من البساطة في التعامل إلى السطحية:

يتعامل الوصفيون العرب » مع المبادئ البنيوية بكثير من البساطة، حيث لا يتم عرضها بالشكل الذي يقتضيه البحث العلمي من عمق وضبط ودقة. فالكتابة اللسانية العربية الوصفية تتحاشى الدخول في التفاصيل والجزئيات، وكل ما له علاقة بالأمور الصورية المتعلقة بالمفاهيم و المبادئ المستعملة في التحليل اللساني«(ص:184). وهذا ما جعل تحليلاتها عامة تفتقد إلى الدقة المطلوبة.

- المنهج الوصفي واللغة العربية:

تتلخص السمات التي تميز تطبيق المنهج البنيوي على اللغة العربية في النقط التالية:

- التطبيق الجزئي

- بساطة التطبيق

- استمرار حضور التحليل اللغوي القديم

- غياب الوصف بمعناه المنهج الدقيق

- إسقاط عيوب النحو الغربي على النحو العربي.

- التطبيق الجزئي:

تقصر الكتابة الوصفية مجال اهتمامها على بعض القضايا الجزئية، وهذا ما يجعل الجهود موزعة، مما يحول دون تحقيق نتائج، ولذلك فعلى الرغم من » مرور أزيد من نصف قرن على ظهور المنهج البنيوي لا تتوفر اللغة العربية على أي تحليل وصفي شمولي لبنياتها، ولا حتى على التحليل البنيوي المتكامل لأحد مستوياتها (ص:188)«.

- من التبسيط إلى السطحية:

فضلا عن » تعامل الكتابة اللسانية العربية الوصفية مع مبادئ اللسانيات العامة بالتبسيط، اتسم تعاملها مع القضايا العربية–من الناحية الوصفية– بكثير من السطحية بسبب انعدام التحليل الوصفي العميق وعدم التعمق في سبر أغوار بنيات اللغة العربية«(ص:188). وهذا ما تكشف عنه المتابعة الدقيقة لكتابات الوصفيين أمثال أنيس فريحة، وتمام حسان وعبد الرحمان أيوب وريمون طحان...الخ.

- أي تحليل جديد للغة العربية؟

تلجأ الكتابة اللسانية الوصفية » للتراث اللغوي العربي مستلهمة منه جملة من المفاهيم والمصطلحات بل حتى بعض التصورات، لقد ظل التحليل الوصفي للنظام الصرفي العربي محتفظا بالتسميات الموروثة عن الفكر اللغوي القديم مثل"الماضي"و"المضارع" و"الأمر" بالرغم من كثرة الشكوى من المصطلح القديم بسبب دلالته الملبسة وعدم شموليته«(ص:191).

- أي وصف للغة العربية؟

إذا كانت الكتابة الوصفية العربية تتخذ من المنهج الوصفي منطلقا، فإن الملاحظ أنها لم تتقيد بخطوات هذا المنهج، فمن» المعروف أن التحليل الوصفي يبدأ بتحديد ما اصطلح على تسميته بالمتن Corpus باعتباره مادة البحث اللساني. ويتعلق الأمر بجمع النصوص المنطوقة أو المكتوبة أو هما معا، ويشترط فيه نوعا من التجانس والتمثيلية والتحديد الزماني والمكاني للغة الموضوعة للوصف.

إن كتاباتنا الوصفية لا تأخذ بعين الاعتبار هذا الأساس المنهجي الهام في التحليل الوصفي. ما هي المادة اللغوية التي درس اللسانيون العرب؟ ماذا وصفوا؟ إن الكتابة الوصفية العربية تتحدث عن تحليل اللغة العربية، لكنها لا تحدد منهجيا هذه اللغة العربية التي تنطق منها«(ص:194) على هذا الأساس يكون نقد الوصفيين للنحاة واللغويين نقدا غير مبني على أسس نظرية ومنهجية متكاملة.

- الكتابة الوصفية والنحو العربي:

لقد رأى الوصفيون العرب فيما صح من نقد الوصفيين الغربيين للنحو التقليدي قابلا للتطبيق على النحو العربي » غير أن مجمل ما أخذته اللسانيات البنيوية في أوربا وأمريكا على الأنحاء التقليدية الغربية، لا ينطبق بالضرورة على النحو العربي لاختلاف المرجعيتين الفكريتين الثاويتين وراء الممارسة النحوية العربية واللاتينية–الإغريقية.ومهما يكن، فإن نقد الكتابات اللسانية للتراث اللغوي القديم لم يكن متماسكا ولا مقنعا وبصفة عامة لم يكن له أي مردودية نظرية أو منهجية« (ص:198).

إن الهفوات التي سقط فيها الوصفيون العرب في نقدهم للنحو العربي يمكن تلخيصها فيما يلي: » أولا: إنه نقد لم يكن قائما على رؤية منهجية أو نظرية أو شاملة للفكر اللغوي العربي القديم، وإنما يتعلق الأمر بملاحظات متفرقة تحاكي في حالات عديدة ما ورد في الفكر الغربي من نقد للنحو الغربي التقليدي.

ثانيا: إن نقد النحو العربي لم يكن نقدا موضوعيا، بقدر ما كان دفاعا عن المنهج الوصفي ووسيلة لتبرير اللجوء إليه.

ثالثا: وقوف الكتابة اللسانية الوصفية العربية عند حدود النقد، دون أن تتمكن من تقديم نظرية لسانية بديلة للنحو العربي القديم، أو حتى أن تبلور وتنمي الأفكار اللغوية القديمة، نحو ما هو أفضل لدراسة اللغة العربية.

رابعا: إنه نقد"عجز عن دحض الأطروحات التقليدية" بحيث ظلت الأفكار اللغوية القديمة هي السائدة، واستمر الفكر النحوي العربي القديم مصدرا أساسيا لكثير من الكتابات الوصفية العربية التي اعتمدت بوعي أو بدون وعي تصورات القدماء ومصطلحاتهم ومفاهيمهم في أسلوب جديد« (ص:199).

ثانيا- الكتابة التوليدية العربية:

عرض مصطفى غلفان بتفصيل للأطر النظرية التوليدية، والتغيرات التي عرفتها في نظمها الأصلية، ليصل إلى الكشف عن خصوصيات الكتابة التوليدية في الثقافة العربية.

إن المتتبع لمسار الدرس التوليدي في الثقافة العربية يلاحظ أن الكتابة التوليدية العربية قد تمكنت » من تقديم جملة من الاقتراحات الجديدة المتعلقة بطبيعة البنيات العربية صوتا وصرفا وتركيبا ودلالة ومعجما. وجاءت بعض هذه الكتابات مضاهية شكلا ومضمونا لنظيرتها الغربية أمريكية وأوربية من عدة أوجه، في مقدمتها تقيدها المطلق بشروط وقواعد البحث العلمي اللساني و خطابه «(ص:223).

لقد عرفت النماذج التوليدية تطورات متلاحقة، فرضت على كل باحث في إطار البحث اللساني التوليدي مواكبة المستجدات والمتغيرات الطارئة، فقد» أصبحت دراسة اللغة العربية محكومة بجملة من الأصول والمفاهيم النظرية والمنهجية المضبوطة، فبدون معرفة الإطار الذي تندرج فيه هذه الكتابة أو تلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال إدراك طبيعة تحليل المقدمة ونتائجها النظرية. فلم يعد ينظر للغة العربية نظرة حرة اعتباطية قائمة على التأمل والانطباع، وإنما تتقيد المقاربة بالإطار النظري للنموذج الذي تشتغل فيه وتحاول تطبيقه على اللغة العربية مستعملة مجموعة من وسائل الاستدلال والبرهنة على ما تقوم به«(ص:223).

لقد كان ذلك دافعا جعل الكتابة التوليدية العربية تحقق مجموعة من الأهداف منها:

- تمكنها من صياغة قواعد للظواهر اللغوية المدروسة تتسم بالبساطة والوضوح والأناقة، على غرار ما هو معروف في النحو التوليدي.

- تقديم قواعد عامة تفسر المعطيات تفسيرا شموليا، وهذا ما نجده في كتابات عبد القادر الفاسي الفهري وداود عبده مثلا. إن مواكبة الكتابة اللسانية التوليدية العربية لمستجدات النظرية التوليدية، جعلها تخضع لتعدد النماذج اللسانية؛ وهو تعدد له إيجابياته.ومن هذه الإيجابيات:

- إثراء البحث اللساني العربي

- تقريب الدرس اللساني العربي من واقع البحث اللساني العالمي

- تعميق المعرفة العلمية باللغة العربية

- إثارة إشكالات جديدة واقتراح الحلول المنهجية الممكنة

- التحليل العميق والشامل للغة العربية

بيد أن هذه الإيجابيات لا تخفي بعض الصعوبات التي مازالت تحد من فعالية الكتابة التوليدية العربية، وهي صعوبات يمكن إجمالها فيما يلي:

- عدم تقديم بحث توليدي متكامل للغة العربية،

- تناولها التجزيئي لقضايا اللغة العربية والخلط بين النماذج اللسانية،

- عدم التدقيق في فرضياتها ومدى ملاءمتها للغة العربية.

وقد تمخض عن هذا الوضع » أن التعامل مع النماذج التوليدية تسم برؤية مرحلية لا تبحث عن المعالجة الشمولية لظواهر اللغة العربية، وإنما عن تقديم أشتات و"منوعات"من التحليل التوليدي الذي ينحصر في الاشتغال بمواد لغوية منتقاة من اللغة العربية أو مترجمة غليها من لغات أجنبية تلائم النموذج المقترح. وتكون الحصيلة وجود فراغات وقفزات في نحو اللغة العربية التوليدي، الذي تظل أجزاؤه تبحث باستمرار عمن يتممها ويملأ هذه الفراغات«(ص:235).

أما فيما يخص الموضوعات والقضايا التي يقترحها التوليديون، فيلاحظ أنهم يكتفون بتقديم اللبنات الأولى، وهي لبنات أشبه ما تكون بتقارير عامة عن برامج العمل التي يرومون البحث فيها مستقبلا. لكنهم سرعان ما يتحولون إلى موضوعات جديدة مطبقين ما ظهر من افتراضات جديدة في البحث اللساني التوليدي دون أن يعودوا–إلا نادرا- لتعميق البحث والتحليل فيما تم وضعه من لبنات أولى والدفع بها نحو صياغة، لا نقول نهائية، ولكن شاملة وعامة تأخذ بعين الاعتبار الظواهر المدروسة في تكاملها.

- إشكالية المعطيات في الكتابة التوليدية العربية:

رأينا آنفا عند حديثنا عن الكتابة اللسانية الوصفية العربية أن منطلقات الوصفيين كانت من محاورتهم للتراث النحوي العربي. غير أن التوليديين رأوا في هذا الشكل من المحاورة اجترارا لأصول ومبادئ النحاة، ولذلك حاول تجاوزه من خلال اقتراح حلول وتصورات أخرى.

لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: ما هو الأساس النظري للمعطيات اللغوية في النظرية التوليدية؟

من المعروف أن موضوع اللسانيات التوليدية هو المتكلم المستمع المثالي الذي يعرف لغته جيدا ويعيش في عشيرة لسانية متجانسة كليا.غير أننا إذا» استثنينا موقف الفاسي الفهري في مسألة المعطيات وطبيعتها وما يرتبط بهذا الموضوع الهام من إشكالات، فإن الكتابات التوليدية العربية الأخرى لم تحدد طبيعة هذا المتكلم السامع المثالي، وكأن الأمر لا يطرح أي إشكال بالنسبة إلى اللغة العربية، صحيح أن مفهوم المثالية مفهوم منهجي، ولا علاقة له بالدلالة العادية للكلمة، لكن واقع اللغة العربية استعمالا أو اكتسابا ليس هو واقع الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية «(ص:238).

ثالثا- الكتابة التداولية الوظيفية العربية:

اهتم الدكتور مصطفى غلفان بتتبع مسيرة اللسانيات الوظيفية، وعرض لمصادرها الأساس، فوجد تلك المصادر موزعة بين المنطق والفلسفة اللغوية وبعض النظريات الحديثة.

ومن خلال عرضه لتلك المصادر والأسس استنتج غياب أي اهتمام حقيقي بالدراسات التداولية العصرية في الثقافة العربية، والمحاولة الوحيدة التي وقف عليها هي محاولة طه عبد الرحمن، وهو أحد المفكرين العرب الأوائل الذين حاولوا التعريف بالفكر التداولي، وتطبيقه في بعض مناحي الثقافة العربية الإسلامية.

فقد اهتم طه عبد الرحمن بالقضايا التداولية من وجهة نظر منطقية وفلسفية مستمدا وسائله النظرية والمنهجية من علمين حققا نتائج باهرة، هما: اللسانيات والمنطق. وهذا ما اكسب هذه النظرية رؤية منهجية ناقدة تنم عن وعي كبير بأهمية المنهج العلمي.

ولقد عرفت اللسانيات الوظيفية تطورات متلاحقة تمثلت في أعمال مدرسة براغ، وأعمال اللسانيين التشيكيين المعروفة بالوجهة الوظيفية للجملة والمدرسة النسقية (لندن)، وهذا ما عرض له الباحث بالدرس والتحليل، كما عرض لمبادئ النحو الوظيفي وبنيته العامة، المتمثلة في البنية الحملية، والبنية الوظيفية، والبنية المكونية، وتبنى هذه البنيات بتطبيق ثلاثة أنواع من القواعد: قواعد الأساس، وقواعد إسناد الوظائف التركيبية والتداولية، وقواعد التعبير.ليصل بعد ذلك إلى نحو اللغة العربية الوظيفي ممثلا له بكتابات المتوكل، التي تنم عن " متابعة" دقيقة لتطورات نظرية النحو الوظيفي الذي وضعه سيمون ديك. كما تتسم كتابات المتوكل بوحدة الرؤية النظرية والمنهجية، المحددة بأصول اللسانيات الوظيفية وتكييفها مع معطيات اللغة العربية، وترتب على هذه الوحدة في الأسس النظرية النظرة الشمولية لظواهر اللغة العربية المدروسة والتكامل فيما بينها. وقد مكنه ذلك من وضع جزء هام من نحو اللغة العربية الوظيفي.

هذه بعض السمات النظرية والمنهجية التي وسمت البحث اللساني العربي، وهي سمات تكشف عن اختلاف وتفاوت واضحين بين اللسانيين العرب؛ فبينما عجزت بعض الكتابات(التمهيدية والتراثية والوصفية) عن تحقيق أهدافها، نجحت كتابات أخرى، إلى حد بعيد، في السمو بالدرس اللساني العربي وتوجيهه وجهة صحيحة تتسم بالدقة والضبط، وهذا ما تعبر عنه كتابات عبد القادر الفاسي الفهري ذات السمة التوليدية، وكتابات أحمد المتوكل ذات التوجه الوظيفي، على سبيل المثال لا الحصر، وقد » تأتى لها ذلك بفضل ما تزودت به من أسس وأصول منهجية واضحة المعالم بشروط النظرية اللسانية العلمية من اشتغال بالمعطيات وتحديد الإطار النظري وصياغة صورية. وكان من النتائج المباشرة لهذه الدراسات، أن تغيرت النظرة إلى اللغة العربية، التي أصبح ينظر إليها، في ضوء الدراسات اللسانية، على أنها لغة طبيعية لا تختلف في شيء عن باقي اللغات العالمية الأخرى. كما لم يعد التجديد في البحث اللساني العربي مقصورا على الباحثين المستعربين، كما كان عليه الأمر في بداية القرن العشرين، بل إن بعض الكتابات (الفاسي الفهري والمتوكل) ساهمت بشكل ملحوظ في إغناء بعض النماذج الغربية نفسها، وبالتالي تبين أن الممارسة اللسانية العربية لم تعد مجرد تطبيق حرفي أعمى كما يدعي البعض ذلك «(ص:282).

بذلك كله يكون الدكتور مصطفى غلفان قد تتبع بالبحث والتحليل والتقويم مختلف اتجاهات البحث اللساني العربي بالكشف عن موضوعاتها ومناهجها وغاياتها. وهي أمور تدخل في عمق التحليل الإبستمولوجي.

إن تحديد موضوع اللسانيات تحديدا دقيقا شكل منطلقا حاسما في تغيير وجهة الدرس اللساني الحديث، إذ إن أول ما قام به سوسير هو تحديد موضوع اللسانيات، بحصر ما يدخل في طبيعة الممارسة اللسانية، وما ينأى عنها ليتاخم ممارسات أخرى. وبذلك حدد للسانيات أسسها وموضوعها وجهازها المفاهيمي حتى تتميز عن غيرها من الممارسات المحاقلة لها، يقول سوسير: » إن مهمة اللسانيات تتجلى في:أ.....ب.....ج: تحديد موضوعها وتعريف نفسها بنفسها «[45]. كذلك فعل تشومسكي عندما حدد موضوع الدرس التوليدي في الاهتمام بالنحو عوض الاهتمام باللغة.

وعلى هذا الأساس فقد أصبحت اللسانيات مع سوسير وبعده تشومسكي ممارسة صامتة للإبستمولوجيا من داخل اللسانيات، وهو ما يدخل في إطار تقليد علمي يقوم على تفكير تأملي في العلم وتنظيم داخلي للأسس بمراجعة مستمرة لمبادئه وأدواته المعرفية.


رد مع اقتباس