التّوابـع:
النّعت : أ جاز بعض الكوفيّين81 الخالفة بين النّعت والمنعوت تعريفاً وتنكيراً، إذا كان النّعت النّكرة لمدحٍ أو لذمّ، وجعلوا منه قوله تعالى :  ويلٌ لكلّ هُمزةٍ لُمَزَةٍ الّذي جمعَ 82، فـ ( الّذي ) وصفٌ لـ ( هُمزَة )، أمّا الأخفش83، فقد اشترط لوصف النّكرة بالمعرفة بأنْ تتخصّص النّكرة قبل بالوصف. وأجاز آخرون وصف المعرفة بالنّكرة، ومن ذلك قول الشّاعر :84 ( البسيط )
لابْنِ اللّعيزِ الّذي يُخـبا الدّخانُ لهٌُ وللمُغنَــى رسولُ الـزّور قــوّادِ
فـ ( قوّاد ) صفة للمغنَى. وزعم ابنُ الطّراوة85 أنّه يجوز وصف المعرفة بالنّكرة إذا كان الوصفُ بها خاصّاً بالموصوف، ومن ذلك قول الشّاعر:86 (الطويل )
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلةٌ من الرّقش في أنيابها السـمُّ ناقعُ
وقال : ( ناقعُ ) صفة للسـمّ87.وخالف في إعرابه هذا سيبويه إذ قال عنها بأنّها خبر.... هذا ومخالفته سيبويه لم تكن وقفاً على الإعراب في هذا البيت فحسب، بل خالفه عندما أجاز أنْ توصف المعارف بالنّكرات إذا كان الوصف بها خاصّاً بالموصوف، ولكنّ سيبويه رأى بأنّ المعرفة لاتوصف إلاّ بمعرفة، كما أنّ النّكرة لاتوصف إلاّ بنكرة88 وإلى مثل ذلك ذهب جمهور النّحاة.....
التّوكيد : ذهب صاحب ( ارتشاف الضّرب ) إلى أنّه لايجوز عطف ألفاظ التّوكيد بعضها على بعض، نحو : ( قام زيدٌ نفسُه، وعينُه، ولا جاء القومُ كلّهم وأجمعون )89 ،وأجاز العطف بعض النّحويّين، ومنهم ابنُ الطّراوة90...
وأمّا إجازته توكيد النّكرة المحدودة بألفاظ الإحاطة، هذا مانُسب إلى الكوفيّين، والأخفش من البصريّين،وقد ذكره في ( الإفصاح ) عندما وازن بين ( كلا، وكلّ )، وممّا قاله عن ( كلا )91 : وأنّها تلي المنكور في نحو قوله :
(.... أولاكَ بنُو خيرٍ وشرٍّ كليهما )
ولا يكون هذا في باب أجمعين إلاّ ماكان اسماً منكوراً لعددٍ معلومٍ، فإنّه يجوز توكيده بـ ( كلّ وأجمعين).... هذا وكثيرة هي الأمثلة الّتي اعتمد عليها ابن الطّراوة لتأكيد ماذهب من جواز توكيد النّكرة المحدودة بألفاظ (كلا، وكلّ، وأجمعين ).....
البدل : أجمع جمهور النّحاة على إعراب ( النّار ) في قوله تعالى :  قُتِلَ أصحابُ الأخدودِ. النّارِ 92 بدل ؛ ولكنّهم مختلفون في تحديد نوع هذا البدل، فـ ( الفارسي )93 قال : إنّ ( الأخدود مشتملٌ على النّارِ )، والفرّاء94، وابنُ الطّراوة95، ذهبا إلى أنَّه بدلٌ منه بدلَ الشّيء الّذي هو هو، لأنَّ ( الأخدود ) إذا تركت فيها النّار تسمّى ناراً كالحطب والفحم، وغيره ممّا تلبس به النّار، لأنّها لاتوجد إلاّ به، ولا تتميّز عنه96، وأمّا ابن خروف97، فعنده بدل إضراب...
من خلال ماسبق نخلص إلى أنَّ ابن الطراوة وإنْ اتّفق مع الفرّاء، فهو مختلف مع جمهور النّحاة الآخرين.
الفعل المتعدّي : زعم ابنُ الطّراوة، وتلميذه السّهيلي98 أنّ ( استغفر ) في قولنا : ( استغفرت اللهَ من الذّنب ) ليس أصلها التّعدية إلى الثّاني بحرف الجر، بل الأصل أن يتعدَّى إليه بنفسه، وتعديته بـ ( من ) إنّما هو بتضمينه طلب التّوبة، والخروج من الذّنب، وزعم علي بن سليمان الأخفش99، وتبعه ابن الطّراوة أنّه يجوز حذف الحرف إذا تعيّن، وتعيّن مكانه قياساً على تلك الأفعال، فأجاز:( بريت القلمَ السّكّينَ، وقبضت الدّراهمَ زيداً )، فإنْ اختلَّ الشّرطان أو أحدهما مُنِعَ، نحو : رغبتُ الأمر لايجوز، لأنّه لايُعلَم هل أردْتَ رغبْتَ في الأمر، أو رغبْتُ عن الأمر100..
هذا وإذا تقدّم معمولا فعل من باب ظننتُ على فعلهما، فابنُ الطّراوة يوجب إلغاء الفعل في هذه الحالة، لأنّ من مذهبه أنّ المعمول لايتقدّم على عامله، فإذا تقدّم أحد الاسمين منصوباً، نحو : زيداً ظننت قائماً، فهو منصوب بالقصد إليه لا بالفعل المتوسّط، فإمّا إذا تقدّما، فإنّه لاسبيل إلى نصبهما،لأنّ القصد لايتّجه إلاّ إلى واحد فقط، ولا مفرَّ من رفعهما على الابتداء والخبر وإلغاء الفعل101. هذا وما ذهب إليه ابن الطّراوة ذهب إليه سيبويه102 وإن أجازه، ولكن على ضعف...
أفعال المدح والذّم ( نِعْمَ وبِئْسَ ) : ذهب سيبويه103 ومعظم البصريين إلى أنّ في ( نِعم )، في قولنا : ( نِعْمَ رجلاً زيدٌ ) ضميراً مستكناً هو فاعل بـ ( نِعم )، و ( رجلاً ) تمييز لذلك الضّمير...... وذهب ابن الطّراوة104 إلى أنّه لا إضمار في الفعل، وأنّ الفاعل محذوف105.... أمّا النّحاة، فقد ذهبوا إلى أنّ ( زيدٌ ) في قولنا : زيدٌ نِعم الرّجل، مبتدأ، والجملة بعده في موضع الخبر، والرّابط هو ( هو ) محذوف، فالتّقدير : زيدٌ هو نِعمَ الرّجلُ، وقال ابن الطّراوة106: ( نِعمَ الرّجلُ ) تحمّل الضّمير، لأنّ التّركيب أصار الجملة اسماً بمعنى الممدوح، أو المذموم، فتحمّل الضّمير الذّي تحمّلاه، ومن قال بأنّ (ال ) للعهد، جعل الرّابط تكرار المبتدأ باسم ( هو ) المبتدأ من حيث المعنى، وإذا قلت : زيدٌ نِعمَ رجلاً، فتجيء هذه المذاهب إلاّ مذهب ابن الطّراوة، فالرّابط هو الضّمير الّذي رفعته ( نِعم وبئس ) ثمّ حذف107. وفي مثل ذلك مخالفة لابن الطّراوة لسيبويه وغيره من النّحاة.....
التّنازع : هو أن يتقدّم معمولاً عاملان أو اكثر من فعل أو شبهه.. وقد اختار الكوفيُّون إعمال السّابق، وأمّا البصريُّون فاختاروا إعمال المجاور... فإذا أعملت الثّاني، فإمّا أن يكونَ الأوّل طالبَ مرفوعٍ، او منصوب، أو مجرور، فإن كان طالبَ منصوب أو مجرور، نحو : ضربتُ وضربني زيد، ومررْتُ، ومرَّ بي زيدٌ،أجاز ذلك بعض النحويّين، ولا يُضمر في الأوّل. ومن النّحويّين108 من يضمر، فيقول : ضربته، وضربني زيد، ومررْتُ به، ومرَّ بي زيد، والإضمار – وإن قبله بعض النّحويّين.. فإنَّ ابن الطّراوة109 لم يجزه في باب ظنَّ.. إذ ليس للمضمر تفسير يعود عليه، فالضّمير متَّصلاً أو منفصلاً عائد على ( قائم )، وليس ( إيّاه ) في قولنا : ظننته وظننت زيداً قائماً، وظننتني، وظننتُ زيداً قائماً إيّاه110.... وهكذا فابن الطّراوة ِ، وإنْ خالف غيره من النّحويّين في رفضه للإضمار في باب ظنَّ، فربّما وافقهم على قبول الإضمار في أفعال أخرى، وهذا مايمكن استنتاجه من خلال تحديده لما لايقبل فيه الإضمار من الأفعال....
الاشتغال : ذهب أبو حيّان في باب الاشتغال إلى أنّه قد ينتصب الاسم السّابق المفتقر لما بعده بعامل يفسّره العامل في ضميره ؛ أو ملابسه لفظاً أو معنى.... ويختار النّصب في صور منها : أن يلي الاسم همزة الاستفهام، نحو : أزيداً ضربته، وأزيداً أنت ضاربه.... سواء أكان الاستفهام عن الفعل أم عن الاسم، نحو : أزيداً ضربته، ونحو : أزيداً ضربته أم عمراً111... وذهب ابن الطّراوة112 إلى التّفصيل، فقال : إنْ كان الاستفهام عن الفعل اختِيرَ النّصب، وإن كان عن الاسم اختِيرَ الرّفع، وهذا الحكم مختصّ بالهمزة على مذهب سيبويه113..... هذا وإن كان يفهم مـمّا سبق بأنّ ابن الطّراوة قد عمّـم في استعمال الاستفهام مع الفـعل أو الاسم، فإنّ صاحب الكتاب قد اقتصر من الاستفـهام على الهمزة، ولكنّه رغم ذلك خالف ابن الطّراوة في نصبه للاسم بعد الاستفهام والسّؤال عن الاسم، وتمثّل ذلك ببيت جرير114: ( الوافر )
أثعلبـــة َالفوارس أم رياحــَا عدلْتَ بهم طُـهَيّـةَ والخشــابَـا
فسيبويه نصب الاسم بعد همزة الاستفهام، والسّؤال عن الاسم لا الفعل مخالفــاً بذلك ما ذهب إليه ابنُ الطّراوة....
التّصغيــر :تصغير ( ذوائِب ) اسم رجل : ذهب أبو حيّان الأندلسي إلى أنّ تصغير الاسم الّذي يكون فيه همزة تلي أخرى، نحو: ( آدم، وأيَّمـة )، لم تَرُدّ الألف، ولا الياء إلى أصلهما من الهمز، بل تُقلَب الألف واواً، وتقرَّ الياء على حالها، تقُول : ( أُوَيدِم، واُيـيَّمـة )115 ، وأمّا نحو : ( ذوائب ) اسم رجل، فتَرُدَّ الهمزة، فتقول : (ذُؤَيئِيب)116... أمّا ابن الطّراوة، فقال بأنّها لاتُرَد، بل تقول : ( ذُوَيئِب)117. إذ لو كان البدل من حرف ليّن حرفاً صحيحاً لم يُرَد إلى أصله، نحو قائم، تقول : ( قُوَيئِم ) على مذهب سيبويه118. وبخلاف قول سيبـويه، قال ابن الطـّراوة :... واتفقوا في جمـع ( قائمة ) على قوائم بالهمزة119 ممّا سبق نرى بأنّ ابن الطّراوة خرج فيما ذهب إليه في هذه القاعدة الصّرفيّة لاعلى سيبويه فحسب، بل على جمهرة النّحاة أيضاً، ولعلّ رأيه هذا من مجمل الآراء الّتي تفرّد بها عن غيره من النّحاة في قضايا نحويّة وصرفيّة كثيرة....
النّسب إلى ( فعُـولة ) : مذهب سيبويه120 في النّسب إلى ( فعولة )، كـ ( ركُوبة، وحمُولة ) حذف الواو، فتقـول: ( رَكـَبي )، إذ قـد سمع من كلامهم ( شَنَئِي ) في ( شَنُوءَة )، ومذهب الأخفش، والجرمي121، والمبرّد122 النّسب إليه على لفظه، فتقول : ( رَكُوبِـيَّ )، ومذهب ابن الطّراوة123 أنّك تحذف الواو، وتُقرَّ ما قبلها على ضمّه، فتقول : ( ركُـبِِـيَّ )، بضم الكاف.....
هذا وإنْ اتّفق ابن الطّراوة مع سيبويه في حذف ( واو ) ( فعُولة ) عند النّسب إليها، فهما مختلفان في حركة عين الاسم بعد التّصغير، فسيبويه ينصبها، أمّا أبو الحسين فيرفعها، وكلاهما يختلف مع ماذهب إليه الأخفش والمبرّد والجرمي في هذه المسألة....
وخلاصة القول، فإنّ ابن الطّراوة من خلال آرائه النّحويّة والصّرفيّة الّتي عرضناها، وهو وإنْ كان قد خالف فيها الكثير من النّحاة، وعلى وجه الخصوص سيـبويه، فإنّ آراءه هذه يستفيد منها كلّ باحثٍ ودارسٍ للّغة العربيّة: نحوها وصرفها، إذ فيها الكثير ممّا يعتمد فيه على القياس حيناً، والسّماع حيناً آخر، بل قل إنّه جمع في بعضها بين السّماع والقياس، وبذلك لم يخرج عمّاهو مألوف عند النّحاة إلاّ بالقليل النّادر، ومن هذا المنظور يمكن أنْ نعدّ النحوي علماً من أعلام اللّغة في الأندلس وشيخاً لتلاميذ مشهودٍ لهم في دراستهم لقواعد اللّغة العربيّة، وآدابها، ولا عجب في ذلك، فهو مَن عرفناه نحويّاً فذاً وأديبـاً بارعاً..... ولعلّي فيما عرضت لهذا العالم من آراء تفرّد بها في النحو والصّرف قد ألقيت بعض الضوء على منهجه الذي خالف فيه كثير من علماء اللغة والنحو....
نتائج البحث:
ــ عرّف البحث ابن الطراوة من خلال الحديث عن : ( عصره، حياته، شيوخه، تلاميذه، أهم مصنفاته )، وهذا بدوره أعطانا صورة مضيئة عن هذا العالم، وما له من مكانة على صعيد اللغة نحوها وصرفها.
ــ إنّ التعرّف على شيوخ ابن الطراوة جعلنا نتعرف على علمه الواسع في اللغة والنحو، إذ هو اعتمد على نحويّين مشهود لهم، واطلع على علوم من سبقه من النحويّين، فقد سمع كتاب سيبويه على الأعلم يوسف بن سليمان فاستفاد منه وأفاد.
ــ نهل تلاميذ ابن الطراوة من علومه، وساروا على نهجه، وهذا ما جعلها أكثر شهرة.
ــ آراؤه التي تفرّد بها على صعيد النحو والصرف كثيرة، وقد خالف في معظمها من سبقه من النحويّين، وعلى وجه الخصوص سيبويه.
ــ يمكن الاستفادة من الآراء التي تفرّد بها ابن الطراوة من جهة أنّها جعلت قواعد اللغة أكثر مرونة، وشمولاً وفائدةً.