(كان) وأخواتها:
ذهب المتقدّمون من النّحاة إلى أنَّه إذا اجتمع معرفتان بعد (كان) أو إحدى أخواتها؛ فإنْ كانت إحداهما قائمة مقام الأخرى، ومشبّهة به، فالخبرُ ما تريد إثباته، نحو: كانت عقوبتك عَزلتك، وكان زيدٌ زهيراً، فالعزلة ثابتة، لا العقوبة، والتشبيه بزهير ثابتٌ، ولو قلت: كانت عَزلتك عقُوبتُك، فهو مُعاقبٌ لامعزولٌُ، ولو قلت: كان زهيرٌ زيداً، ثَبَتَ التّشبيه لزهير بزيدٍ، وإن كانت المعرفة هي الأخرى بنفسها، والمخاطب يعرفهما، والنّسبة مجهولةٌ جعلْت أيّهما شئت الاسم، والآخر الخبر ـ وهو ظاهر كلام سيبويه17 نحو: كان زيدٌ أخا عمروٍ، وكان أخو عمروٍ زيداً، ومعرفته إيِّاهما الواحد بالعيان، والآخر بالسّماع، هذا إذا استويا في رتبة التّعريف18، إلاّ إن كان أحدهما (أنْ)، أو (أنَّ) المصدريّتين، فالاختيار: جعلهما الاسم، والآخر الخبر، ولذلك قرأ أكثر القرّاء: فما كان جوابَ قومه إلاّ أنْ قالوا19 بنصب (جواب قومه)20 ، وزعم ابنُ الطّراوة21 : أنّه لايجوز في نحو: فما كان جواب قومه، إلاّ أن يكون الخبر (جواب قومه)، لأنّه يلي النّاقصة، فهو في خبر النّفي، وإنّما ينفي، ويوجب الخبر، وأمّا الاسم فلا يوجب، ولا ينفي، ولكن يوجب له، وينفي عنه22....
يبدو أنّ ابن الطّراوة – في مثل هذه المسألة – يجزم بمجيء الاسم الصّريح (جواب) خبراً، والمصدر المؤوّل بعده بموضع الاسم.... ويذهب في تحديد الاسم والخبر المعرفتين بعد (كان) مذهباً آخر، فيرى بأنّ الّذي لاتريد إثباته منهما، تجعله الاسم، والّذي تريد إثباته تجعله الخبر، نحو قول الشّاعر23 : (الطّويل)
فكان مضلِّي مَن هديتُ برُشدِه فللّهِ مغوٍ عاد بالرّشدِ آمرا
فقد أثبت الهداية لنفسه، ولو عكس أثبت الإضلال24..
( لات ):
ذهب جمهور النّحاة إلى أنّها مؤلّفة من (لا) زيدت عليها التّاء، كما زيدت في (ثمّ)، فقالوا: (ثمّتْ)، فهي للتأنيث، أمّا ابنُ الطّراوة 25، فقد ذهب إلى أنّ التّاء ليست للتأنيث، وإنّما هي زائدة على الحين...
الأحرف المشبّهة بالأفعال:
(إنّ، و أنّ): جاء في (ارتشاف الضّرب) لأبي حيّان الأندلسي، قوله: ((وممّا جاءت فيه (أنّ، وإنّ) مخفّفة قول العرب: أما إنْ جزاك الله خيراً، فالكسر على أنّها لاتعمل جاءت بعدها جملة الدّعاء، والأصل إنّه، وقِيل:
(إنْ) زائدة، والفتح على أنّ الأصل (أنّه)، فلمّا خفّفت كان اسمها ضمير الشّأن محذوفاً، والخبر قولٌ محذوفٌ،
وجملة الدّعاء محكيّة به، ولا يكون الخبر، لأنّها جملة لاتحتمل الصّدق والكذب، وزعم ابن الطّراوة26 أنّ (أنْ) زائدة لاغير...
(لا) النّافية للجنس:
ذهب جمهور النّحاة إلى أنّ خبر (لا) إن كان غير معلوم، فلا بدّ من ذكره، نحو لاأحدَ أغيرُ من الله، وقول الشّاعر27: (البسيط)
وردَّ جازرُهم حرفاً مصرّمةً ولا كريمَ من الولدانِ مصبوحُ
فـ (مصبوحُ)- في البيت السّابق– خبرٌ عند سيبويه28، أمّا ابن الطّراوة29، فزعم أنّه يمكن أن يكون صفة، أمّا الخبر فمحذوف، أي في الوجود.
وذهب صاحب المسائل الحلبيّات30.. وابن الطّراوة31 إلى أنّ قول العرب: (لا أبا لك، ولا أخا لك)، وشبههما أسماء مفردة جاءت على لغة من قصر (الأب، والأخ)، والأحوال كلّها والمجرور باللاّم في موضع الخبر32.... هذا وما ذهب إليه النّحويّون من جواز (لايدي لك)33، إنّما قالوه بالقياس، وقال العرب: ( لاأبا لي، ولاأخا لي )34...
المنصوبات:
المفعول المطلق:
سأل السّهيلي تلميذُ ابن الطّراوة شيخَه أبا الحسين عن العامل في المفعول المطلق، فقال: ((وقد سألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيداً للفعل، والتّوكيد لايعملُ فيه المؤكَّد، إذ هُو هُو في المعنى، فما العاملُ فيه ؟ فسكت قليلاً ثم قال: ما سألني عنه أحدٌ قبلك ! فأرى انَّ العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسماً، لأنَّه لو كان اسماً كان منصوباً بفعلتَ المتضمّنة فيه))35، وهو في ذلك يخالف سيبويه الّذي جعل المصدر المؤكّد منصوباً بفعلٍ هو التّوكيد على الحقيقة، واختزلَ ذلك الفعل وسدَّ المصدر الذي هو معموله مسدَّه كما سدَّت (إيَّاك)، و(رُوَيداً) مسدَّ العامل فيهما، فصار التّقدير: ضَربت ضَربت ضرباً، فضَربت الثّانية هي التّوكيد على الحقيقة، وقد سدَّ( ضرباً ) مسدَّها، وهو معمولها وإنّما يقدّر عملها فيه على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ لاتوكيد36.
ومع ذلك فإنَّ السّهيلي يأخذ برأي شيخِه، يقول: ((والّذي أقول به الآن قول الشّيخ أبي الحسين))، ويلجأ إلى القياس ليؤكّد ما ذهب إليه ابنُ الطّراوة، فيقول: ((فضربتُ يتضمّن الضَّرب المفعول، ولذك تُضْمِرُه، فتقول:من كذب فهو شرٌّ له، أي: فالكذبُ شرٌّ له. وتقيّده بالحال، فتقول: قمْنا سريعاً، فسريعاً حال من القيام، فكما جاز أن تقيّده بالحال، وأنْ تكتني عنه ب (هو)، جاز أن تؤكّده ب (ضرباً)، كأنَّك قلت: (ضرباً ضرباً)، ونصب الأول ضرباً الثّاني، وبه يعمل في الثّاني معنى فعلت))37. ولكنَّ ما عرضه السّهيلي فيما ذهب إليه ابنُ الطّراوة في تحديده للعامل في المفعول المطلق يعرضه أبو حيَّان على غير ماهو عليه، إذ يقول: ((وزعم ابنُ الطّراوة بأنَّ المصدر في قولنا (قعدَ قعودا)ً، مفعول به، والتّقدير: قعد ـ فَعَلَ – قعوداً، فهو منصوبٌ بفعلٍ مُضمرٍ لايجوز إظهاره ))38.
والمهم في كلا القولين مخالفة لما ذهب إليه سيبويه.
المفعول فيه:
• نصب ( الطريق ) على الظرفيَّة: ذهب النّحاة إلى أنَّ (الطَّريق) من الظّروف المختصّة الّتي لايتعدَّى الفعل إليها إلاَّ بوساطة (في)، ولكنَّ بعضَ النّحاة، ومنهم ابنُ الطّراوة39 رأوا بأنَّ ممَّا جاء من وصول الفعل إلى المكان المختص بغير وساطة(في)، دخوله على(الطّريق) ممَّا يؤدّي إلى انتصابِها على الظّرفيّة وذلك يجوز أن يكون في فصيح الكلام ؛ قال وذلك مشهور في الكلام جارٍ على القياس، ومنه قول العرب : (أبعـده اللهُ وأسحـقه وأوقــد نـاراً إثـره)، وقــال : ويقـال : ذهــبتُ طــريقي، ومـُـرُّوا طـُرقـاتــِكُم، وأنشدوا:40(الكامل)
وقد قعدوا أنفاقها كلَّ مقْعدٍ ويهوي مخارمها هُوِيَّ الأجدلِِ
وهذا عند غير ابن الطّراوة ضرورة41.
يُفهم من كلام ابن الطّراوة، أنَّه أحال لفظ (الطّريق) إلى الإبهام، وأنَّه نظر للطّريق على أساس ما قالته العرب (وأوقدنا ناراً إثره)، فأمَّا قولهم (ذهبتُ طريقي، ومرّوا طرقاتِكم)، فلم ينسبْه في الإفصاح إلى العرب، بل قال ممَّا قبسته العامّة من كلام العرب، وأنّهم لايقولون غيره.
• (سَحَر) : مبني على الفتح: النّحاة مختلفون في (سَحر) المراد به وقتٌ بعينه، وقد منعُوها من الصَّرف للعلميّة والعدل.... أمَّا العدلُ: فمن مصاحبة الألف واللاّم، إذ كان قياسه، وهو نكرة أنْ يعرَّف بالطّريق التي تُعرَّف بها النّكرات، وهو (ال)، فعدلوه عن ذلك إلى أن عرَّفوه بغير تلك الطّريق، وهو العلميَّة، فإنَّه جُعل علماً لهذا الوقت.
وقِيل إنَّه مبنيّ على الفتح لتضمُّنه معنى حرف التّعريف، كما أنَّ (أمسِ) بُني على الكسر لذلك، وإلى هذا ذهب صدر الأفاضل ناصر المطرَّزي42 وابنُ الطراوة43..
الحال:
مداً على القياس والسّماع، وقد حكى لنا تلميذه السّهيلي كلامه، فقال: ((أمَّا القياس فكما جاز أنْ يختلف المعاستنكر ابنُ الطّراوة ما ذهب إليه النّحاة من تضعيفٍ لمجيء الحال من النّكرة، إذ هو قد جوَّز ذلك معتنى في نعت المعرفة والحال منها، إذا قلت: جاءني زيدٌ الكاتب، وجاءني زيد كاتباً – وبينهما من الفرق ما تراه – فما المانع من اختلاف المعنى كذلك، فلا بدَّ من الحال إذا احتيج إليها. كاتب، أو برجل كاتباً، وإذا كان كذلك، فلا بدَّ من الحال إذا احتيج إليها، وأمّا السّماع، ففي الحديث: صلَّى خلفه رجالٌ قياماً))44
هذا وقد زعم ابنُ الطّراوة45 أنَّ انتصابَ ( العراك ) في قول الشّاعر46 : ( الوافر)
فأرسلها العراكَ ولم يزُدْها ولم يُشفقْ على نَغَصِ ِ الدِّخالِ
ليس على الحال، بل على الصّفة لمصدر محذوفٍ، أي : الإرسالَ العراكَ47.
التّمييز:
اختلف النّحويّون في التّمييز، أيجوز أنْ يكونَ معرفة أم لا ؟ فذهب البصريُّون إلى أنّ التّمييز لايكون إلاّ نكرة، وذهب الكوفيّون وابنُ الطّراوة إلى أنّه يجوز أنْ يكونَ معرفة48، نحو : سَفهَ زيدٌ نفسَه، وألمَ رأسَه، وبطرت معيشتَها. وذهب السّهيلي وشيخُه ابنُ الطّراوة إلى أنَّ: (عرقاً، وشحماً) في (تصبَّبَ زيدٌ عرقاً، وتفقَّــأ زيدٌ شحماً) انتصب على الحال لاعلى التمييز49.
المجرورات:
هناك حروف لم تخرج عن معنى الحرفيّة عند جمهور النّحاة، لكنَّ ابنَ الطّراوة ونحاةً آخرين اعتبروها أسماءً، ولعلَّ أهمّها: (على)، و (ربَّ).
(على): أنْ ينجرّ ما بعدها، وهي حرف جر مشهور مذهبُ البصريّين، وذهب ابنُ الطّراوة50 وابنُ طاهر51، وابنُ خروف52، وأبو الحجَّاج بنُ معزوز53، والأستاذ أبو علي54 في أحد قوليه أنَّها اسمٌ، ولا تكون حرفاً، وشاطرهم في ذلك الأخفش55 الذي استدلَّ على اسميّتها بقول العرب: (سوَّيتُ عليَّ ثيابي)، ومعناه : سوّيت فوقَ ثيابي56..
(ربَّ): عند البصريّين57 حرف جر، وعند الكوفيّين وابن الطّراوة: اسم58..
الإضافة:
ذهب جمهورُ النّحاة إلى أنَّ إضافة المصدر لمرفوعه، أو منصوبة محضة... وذهب ابنُ الطّراوة59 إلى أنَّها غير محضة، فلا تُعرَّف60.. ومن الإضافة ما سمَّاه ابنُ مالك61 إضافة شبيهة بالمحضة، مِن مثل: صلاةُ الأولى، ومسجدُ الجامع، ودارُ الآخرةِ، وبقلةُ الحمقاءِ، وحبَّةُ الخضراء، وليلةُ القمراءِ، ويومُ الأول.. و.... فهذه كلُّها من قبيل إضافة الاسم إلى صفته، هذا وقد منع البصريُّون هذه الإضافة، وأوَّلوا ما ورد منها، وحجَّتهم أنَّ الشيء لايتعرَّف بنفسه، فالموصوف هو الصّفة، والمترادفان واقعان على حقيقةٍ واحدةٍ. ولكنَّ ابنَ الطراوة يجيز هذه الإضافة لورود السّماع بها، استمعْ إليه وهو ينقدُ الفارسي في منْع هذه الإضافة: ((وذكر إضافة الاسم إلى الصّفة وضعَّفه، ووجه ما جاء في القرآن منه إلى غير وجهة، حتَّى أدّاه سوء النَّظر إلى قوله: دار السَّاعةِ الآخرة، فإنْ أراد بقوله: السّاعة القيامة، فلا تأقيت لها، وإنْ أراد الواحدةَ مِن السّاعات فلا نهاية فيها، ولا آخر لها إلاّ بانتهاء المخلوقات وطيّ السّموات. وقد بيَّنت هذا الفصل في المقدّمات، وهو إضافة التّخصيص، ومنه: باسمِ اللهِ، ومكرَ السيّئ ِ... وحبّ الحصيدِ، وحبلَ الوريدِ، ونحوه ممَّا لايُحصى..
ومثله في النّعت: (غرابيبُ سود) وفي العطف : أقوى وأقفر، وفي التّأكيد : أجمعون أكتعون))62..
من ينظر إلى ماسبق يرى كيف أفاد ابنُ الطّراوة من هذه المسموعات ومن القياس، فما سُمِعَ في الإضافة له نظائر في أبواب النَّحو، من النّعت والعطف والتّوكيد، وغير ذلك...
النّكرة والمعرفة:
ذهب سيبويه63 إلى أنّ النّكرة هي الأولى، والمعرفة طارئة عليها، وأنّ النكرة أصل، والمعرفة فرع.
أمّا الكوفيّون، وابن الطّراوة، فقالوا بأنّ من الأسماء مالزم التّعريف كالمضمرات، وما التّعريف قبل التّنكير، نحو: مررْت بزيدٍ وزيدٍ آخر64، وما التّنكير فيه قبل التّعريف، وهذا التّقسيم عندهم، قالوا يبطل مذهب سيبويه65 إلى أنّه لايجوز اتصال ضمير المخاطب في (أعطيتهوك)، وحُكي عن طائفة جوازه... وقد أجازه الكوفيّون في التّثنية والجمع، فقالوا: (أعطيتُها كُما، وأعطيتهمُوكُم)..... أمّا إذا كان الفعل ناسخاً، نحو، (كان) فالانفصال أحسن خلافاً لابن الطّراوة66.... وقال ابن عقيل في شرحه للتّسهيل: (وكهاء أعطيتُكَهُ هاء نحو كُنتُه)، هو المختار، وهذا اختيار الرّمّاني وابن الطّراوة67...
ضمير الشّأن:
ذهب أبو حيّان في كتابه (ارتشاف الضّرب) إلى أنّ ضمير الشّأن، لايُعطَف عليه، ولا يُؤَكَّد، ولا يُبدَل منه، ولا يتقدّم خبره عليه، ولا جزء من خبره خلافاً للسيّرافي، فإنّه أجاز في قول الشّاعر68: (الطّويل)
أسكرانُ كان ابنَ المراغةِ إذ هجا تميماً بجوفِ الشّامِ أم مُتساكِرُ
أن يكون في ( كان ) ضمير الشّأن، و ( ابن المراغة )، و ( سكران ) مبتدأ وخبراً، يفسّر ضمير الشّأن، ولا يًفَسَّر بمفرد.. وهو اسم يحكم على موضعه بالإعراب على حسب العامل، وزعم ابن الطّراوة69 أنّه حرف، فمثل ذلك: كان زيدٌ قائمٌ، وليس زيدٌ قائمٌ، فإلغاء لـ (كان)، و( ليس)، وأخواتهما، وأيضاً في قول الشّاعر:70 ( الخفيف)
إنّ مَنْ يدخُلِ الكنيسةَ يوماً يلق فيها جآذراً وظباءَ
( إنّ ) ملغاة....
الضّمير العائد على الموصول:
اختلف النّحاة في (أيّ) في قوله تعالى: ثمّ لننزعَنَّ من كلّ شيعةٍ أيّهم أشدّ 71، فهي عند الخليل72 ويونس،
استفهاميّة بقول محذوف – عند الخليل – أو يعربها، فيقول: (أيَّهم أشدُّ)، ومنصوبة المحلّ الجملة الّتي هي فيها عند يونس، وعلى سبيل تعليق (شيعة) عند الكوفيّين، أي: من كلّ من يتشيّع، أي: ينظر في أيُّهم أشدُّ، ثمّ حذف (في)، فارتفع على الابتداء، والجملة في موضع نصب على زيادة (مِن)، و (كلّ شيعة) مفعول لـ (ننزعنَّ)، و (أيُّهم أشدُّ) جملة مستأنفة عند الأخفش73، أو على أنّها مبنيّة لقطعها عن الإضافة، و (هم) مبتدأ، و (أشدّ) خبره عند ابن الطّراوة74.... وأبو الحسين فيما ذهب إليه اقرب إلى رأي الكوفيّين في إعرابهم لما بعد (أيّ)...
الممنوع من الصّرف:
ما جاء من الصّفات على وزن ( أَفْعَل ) : ذهب صاحب ( ارتشاف الضّرب )75 إلى أنّ الغالب في ( أفْعَل) يُمنَع مع الوصفيّة الأصليّة، وعدم قبول مؤنّثه تاء التّأنيث، نحو : أحْمَر، فإن عَرَضَ فيه الوصفيّه، نحو : مررْتُ برجلٍ أرنب ( أي ذليل )، ونسوة اربعٍ، وبرجلٍ أرملٍ76، انصرف.. أمّا ابن الطّراوة77، فزعم أنّ ( أحمر ) منعه
من الصّرف كون التّنوين معدوماً في أصله، إذ كان وصفاُ لاينوّن فرقاً بين ما يعمل من الصّفات، وما لايعمل...
وذهب ــ أيضاً ــ إلى أنّ ( أَدْهم، وأسود، وأخْيَل ) صفات، فمنعها الصّرف، وأنّ ( أَجْدل ) اسم ينصرف،وردّ سيبويه في جعله صفة مع أنّه يمنع ( أفْعَى ) مِن الصّرف، وفي ( التّرشيح ) : قولهم للقيد ( أَََََدْهم )، وللحيّة : أسْود
وأَرْقم، الأقيس ألاّ تصرف لأنّها صفات عند ابن النحّاس، وقوله : هذا يؤدّي إلى تَرْك الصّرف لغة فيها، وزعم سيبويه لم تختلف في تَرْك صرفها، لأنّها صفات.....
هذا وبالنّظر إلى موقف ابن الطّراوة من مسألة ماجاء من الصّفات على وزن ( أفْعَل )، وموقف سيبويه منها،
نرى تبايناً في الصّرف ومنعه....
مَنْع تنوين الفعل المُسَمّى به، وما جاءَ جَمْعاً مُتناهياً :
ذهب ابن الطّراوة78 ــ تابعا للكوفيّين ــ من أنّك إذا سمّيت بـ ( يغزو )، لم تقلب الواو ياءً، ولا الضمّة كسرة، بل تقول : ( جاءني يغزو، ورأيت يغزو، ومررْت بيغزو )... وهو في ذلك مخالف لقول الجمهور، وياء الجمع المتناهي إذا قلبت ألفاً كـ ( عذارَى، ومدارى، وصحارَى )79، وكلّها لم تنوّن باتفاق80