عرض مشاركة واحدة
 
 رقم المشاركة : ( 4 )
مصطفى شعبان
عضو نشيط
رقم العضوية : 3451
تاريخ التسجيل : Feb 2016
مكان الإقامة : الصين
عدد المشاركات : 12,782
عدد النقاط : 10
جهات الاتصال : إرسال رسالة عبر Skype إلى مصطفى شعبان

مصطفى شعبان غير موجود حالياً

   

افتراضي

كُتب : [ 05-01-2017 - 09:05 AM ]


والحق أنني لا أرى وجها لما قاله الإمام عبد القاهر من أنّ سيبويه (لم يذكر في ذلك مثالاً)؛ لأنه إنْ قصد أنّ سيبويه لم يذكر شاهدا للعناية والاهتمام، فهذا مردود بما ذكرته من أمثلة وشواهد كثيرة أرجع فيها سيبويه التقديم والتأخير إلى ما لدى المتكلم من العناية والاهتمام، فإنّ عبد القاهر نفسه لم يقدّم لنا تفسيرا إلا بما نقله عن النحاة باعترافه(100).
يضاف إلى ذلك أنّ سيبويه لم يكتف بالاعتماد على العناية والاهتمام ناسبا إليها كل ما يعرض له من تقديم أو تأخير، وإنما تعدّى ذلك إلى شرح ملابسات الحال المصاحبة التي تفسّر وجه العناية ومحل الاهتمام كما ظهر في الأمثلة السابقة. وهو ما يظهر أيضا في باب الأفعال التي تُستعمل وتُلغى، وهى (ظنّ) وأخواتها من الأفعال القلبية المتصرّفة، فإنْ ألغيت كان تأخير هذه الأفعال أقوى من تقديمها، تقول: عبدُ الله أظنُّ ذاهبٌ، وهذا إدخالُ أخوك، وفيها أُرَى أبوك. ويعلل سيبويه هذا التأخير بقوله: "وإنما كان التأخير أقوى لأنه إنما يجيء بالشكّ بعدما يمضى كلامه على اليقين، أو بعد ما يبتدئ وهو يريد اليقين ثم يدركه الشكّ،كما تقول: عبدُ الله صاحب ذاك بلغني، وكما قال: مَنْ يقول ذاك تدرى؟، فأخر ما لم يعمل في أوّل كلامه(101). وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعد ما مضى كلامه على اليقين، وفيما يدري"(102). يعنى أنّ تأخير الفعل أقوى ههنا لأن المتكلم يبتدئ كلامه وليس في قلبه منه شك، فإذا مضى كلّه أو بعضه على لفظ اليقين لحقه فيه الشك(103).
ويؤكد سيبويه العلاقة بين التقديم والتأخير وما في نفس المتكلم من يقين أو شك في هذا الباب فيقول: " فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيّته من الشكّ أعمل الفعل قدّم أو أخّر "(104)، أي أنّه إذا كان في نيته الشك من ابتداء الكلام أعمل الفعل سواء قدّمه أو أخره، فيقول: ظننت زيدا قائما، وزيدا ظننت قائما، وزيدا قائما ظننت. وهكذا يظهر أنّ التقديم والتأخير في هذا الباب ليس للعناية والاهتمام كالموضع السابق في تقديم المفعول على الفاعل أو الفعل، وإنما تأخير الفعل هنا لعامل نفسّي طرأ على المتكلم أثناء كلامه وحوّل يقينه إلى شك(105)، فألزمه ذلك المعنى أن يورد كلامه على ما كان في نفسه من يقين أولاً. فلما كان في نفسه الشك من البداية جاز أنْ يورد ألفاظه على أي وجه شاء.
كما أنّ سيبويه لم يقتصر في تفسير سرّ التقديم على العناية والاهتمام، وإنما ذكر أيضا أنّ التقديم قد يكون لتنبيه المخاطب وتأكيد الكلام(106). يقول سيبويه: " فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: زيدٌ ضربتُه، فلزمته الهاء. وإنما تريد بقولك مبنىٌّ عليه الفعل أنّه في موضع (منطلق) إذا قلت: عبد الله منطلق، فهو في موضع هذا الذي بُني على الأول وارتفع به. فإنما قلت عبدُ الله، فنبّهته له(107) ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء "(108).
وهكذا يتضح أن التقديم والتأخير يقع عند سيبويه كثيرا بدافع من العناية والاهتمام على نحو ما نُقل عنه وشاع، كما يأتي أحيانا للتنبيه والتوكيد. وهذا ما نقله عبد القاهر منسوبا إلى سيبويه حيث يقول: " وهذا الذي قد ذكرتُ من أنّ تقديم ذكر المحدَّث عنه يفيد التنبيه له قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قُدِّم فرفع بالابتداء،وبُني الفعل الناصب كان له عليه، وعُدِّى إلى ضميره فشُغِل به، كقولنا في (ضربت عبد الله): عبدُ الله ضربته. فقال: وإنما قلت عبد الله فنبّهته له ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء "(109).ويبيّن مِنْ أين كان تقديم الاسم فيما سبق دالا على التنبيه ومؤكدا للكلام فيقول: " فإنّ ذلك من أجل أنه لا يؤتى بالاسم معرّىً من العوامل إلاّ لحديث قد نٌوى إسناده إليه. وإذا كان كذلك فإذا قلت (عبدُ الله) فقد أشعرت قلبه بذلك أنك قد أردت الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث … فقد عَلِمَ ما جئت به، وقد وطَّأت له وقدّمت الإعلام فيه، فدخل على القلب دخول المأنوس به، وقَبِلَه قَبُول المتهيّّء له المطمئن إليه،وذلك لا محالة أشدُّ لثبوته، وأنفى للشُّبهة، وأمنع للشكّ، وأدخل في التحقيق "(110).
كما أشار سيبويه في مواضع متفرقة إلى طريقة الأداء اللغوي المصاحبة للتركيب، أو ما يطلق عليه التطريز الصوتي، والمتمثلة في " الوقف" و " النبر و التنغيم ".
فأما الوقف فقد اعتمد عليه سيبويه في توجيه المعنى على مستوى التركيب، وجعله ضابطا لصحة التركيب فمن ذلك قوله: " واعلم أنه يقبح: زيداً عليك، وزيداً حَذَرَك؛ لأنه ليس من أمثلة الفعل، فقبح أن يجرى ما ليس من الأمثلة مجراها، إلاّ أنْ تقول: (زيداً)، فتنصبَ بإضمارك الفعل، ثم تذكرُ (عليك) بعد ذلك "(111).
(فعليك) اسم فعل أمر يتعدى إلى مأمور به، و(حَذَرَك) اسم فعل يدل على النهى ويتعدى أيضا إلى المنهي عنه، ولكنهما لا يتصرفان تصرف الفعل، ولذلك قبُح عند سيبويه تقديم معموله عليه في نحو (زيداً عليك) و (زيداً حَذَرَك). إلاّ أنه وجد وجها لجواز ذلك مستعينا بظاهرة الوقف، إذ تقول (زيداً) و تنصبه على إضمار فعل الإغراء أو الاختصاص، ثم تقول بعد وقفة: (عليك) للبيان. وهكذا أسهم الوقف في صحة التركيب وبيان معناه.
ويبرز الوقف أيضا بوصفه عنصرا من العناصر الصوتية في السياق اللغوي، وذلك في قول سيبويه: " وسألته - أي الخليل - عن قوله عز وجل: " وما يُشْعِرُكُم إنها إذا جاءت لا يؤمنون "(112)، ما منعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه لا يفعلُ؟ فقال: لا يحسن ذا في ذا الموضع، إنما قال: (وما يشعركم)، ثم ابتدأ فأوجب فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون). ولو قال: (وما يشعركم أنَّها إذا جاءت لا يؤمنون)، كان ذلك عذراً لهم "(113).
وإنما كره أن يجعل (أنّها) في صلة يشعركم؛ لأنه يصير عذرا لهم، ألا ترى أنه لو قال لك قائل في رجل يقرأ شيئا: إنه لا يفهم ما يقرأ،فقلت: ما يدريك أنه لا يفهم، لكان ذلك عذراً للقارئ - أي أنه يفهم، وكذلك قوله تعالى: " وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون " بفتح الهمزة؛ لأن التقدير: (ما يدريكم أنهم لا يؤمنون إذا جاءت) أي: لو جاءت لآمنوا، وليس معنى الآية على هذا(114).
ففي هذه الآية قراءتان: كسر (إنّ) وفتحها، فمن كسرها فقد تم الكلام بقوله: (وما يشعركم) ووقف على ذلك، ثم أخبر الله عنهم إنهم لا يؤمنون، ومن فتحها فقد تم الكلام أيضا عند قوله: (وما يشعركم) ثم استأنف الكلام وأبهم أمرَهم ولم يخبرهم بإيمانٍ ولا غيره، فقال: (أنها) على معنى (لعلّها)(115). وهكذا اتضح أن الوقف - وهو من عناصر الأداء اللغوي للنص - يسهم بشكل واضح في تفسير النصوص وبيان دلالتها، ولا يفوتنا جهد علماء القرآن والقراءات في بيان مواضع الوقف والابتداء في النص القرآني.
وأما " التنغيم " فيظهر من قول سيبويه في باب الندبة: " اعلم أن المندوب مدعوٌّ و لكنه متفجَّعٌ عليه، فإن شئت ألحقت في آخر الاسم الألف؛ لأن الندبة كأنهم يترنمون فيها … واعلم أن المندوب لابُدَّ له من أن يكون قبل اسمه (يا) أو (وا)،كما لزم (يا) المستغاثَ به و المتعجبَ منه "(116).
فانظر إلى قوله (كأنهم يترنمّون فيها)، والترنّم: تطريب وتحسين للصوت يكسبه النادب لصيغة المندوب؛لأن الندبة تفجّع ونوح من حزن وغمٍّ يلحق النادب على المندوب عند فقده، فيدعوه وإن كان يعلم أنه لا يُجاب لإزالة الشدة،وندبته للدلالة على ما ناله من الحزن لفقده. " ولما كان المندوب ليس بحيث يسمع احتيج إلى غاية بعدِ الصوت، فألزموا أوّلَهُ(يا) أو (وا) وآخره الألف في الأكثر من الكلام؛ لأن الألف أبعدُ للصوت وأمكن للمدّ "(117).
ويعتمد سيبويه على ما يسميه الاجتهاد أو الاحتلاط أو الترنم(118) - في أبواب الندبة و الاستغاثة والتعجب أيضا، مما يذكرنا بمصطلحات ابن جني الواردة في النص السابق كالتطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم، يقول سيبويه: " وأما المستغاث به (فيا) لازمةٌ له؛ لأنه يجتهد: فكذلك المتعجب منه، وذلك: يا للناس، ويا للماء. وإنّما اجتهد؛ لأن المستغاث عندهم متراخٍ أو غافلٌ والمتعجَّب كذلك. والندبة يلزمها (يا) و (وا)؛ لأنهم يحتلطون ويدعون ما قد فات وبعُد عنهم. ومع ذلك أن الندبة كأنهم يترنّمون فيها، فمن ثم ألزموها المدّ، وألحقوا آخر الاسم المدّ مبالغة في الترنم "(119).
فهو في النص السابق يجعل المستغيث والمتعجِّب باذلاً وُسْعَه و المجهود في إطالة الصوت؛ لأن المستغاث به والمتعجب منه متراخٍ أو غافلٌ، فيحتاج لتنبيهه إلى إطالة الصوت بأداة النداء (يا)، فهي لازمةٌ له ولا يجوز حذفها كما هو الحال في باب النداء. أما الندبة فجعلها موضعا للاجتهاد في إطالة ورفع الصوت؛ لأن المندوب فائت بعيد، كما جعلها موضعا للتطريب والتغنِّي والتحسين في الصوت؛ فألزمها (يا) أو (وا) في أولها وألفا في آخرها.
ولا شك أن كلاًّ من الاجتهاد والاحتلاط والتَّرنُّم ضرب من ضروب التنغيم أو التلوين الصوتي عند الأداء الفعلي للكلمة أو التركيب.
وهكذا يتبين للناظر في مثل هذه الأمثلة والنصوص أن النظام اللغوي والاستعمال السياقيّ جميعا في اللغة العربية يستخدمان التشكيل الصوتي في التمييز بين المعاني النحوية، فيُعلم به المندوب وغير المندوب(120) … إلخ.
وكما اهتم سيبويه بجميع عناصر السياق اللغوي فقد اهتم أيضا بعناصر السياق غير اللغوي، أو (الحال) كما يسميه بنفسه(121)، كالمتكلم والمخاطب والعلاقة بينهما وموضوع الكلام وأثر الكلام والحركة الجسمية المصاحبة للحدث الكلامي وغير ذلك من العناصر غير اللغوية المصاحبة للكلام المنطوق.
فمن أمثلة اهتمامه ببيان العلاقة بين المتكلم والمخاطب، وما ينتظره المخاطب من المتكلم، أنّ المتكلم إذا قال: (كان زيدٌ) فإن المخاطب " إنما ينتظر الخبر"(122)، وإذا قال المتكلم: (كان حليما) " فإنما ينتظر - أي المخاطب - أن تعرّفه صاحب الصفة "(123).
ويحمل سيبويه كلام المجيب على كلام المستفهِم، فللمسئولِ أن يورد الجواب على منهاج الاستفهام، فإذا قال " الرجل: من رأيت وأيَّهم رأيت، فتقول: زيداً رأيته … ومثل ذلك قولك: أرأيت زيدا، فتقول: لا ولكنْ عمراً مررتُ به … فإن قال: من رأيته وأيُّهم رأيته، فأجبته قلت: زيدٌ رأيتُه … فإنما تحمل الاسم على ما يحملُ السائلُ "(124)، بل إنه في موضع آخر يبين أن الجواب من المخاطب يكون على قدر ما فهمه من مسألة السائل، فهو يجيب على ما عنده من معنى، فإذا قال المجيب: مررتُ برجلين مسلمٍ وكافرٍ، وجعل
(مسلمٍ وكافرٍ) بدلاً، فكأنه " أجاب من قال: بأيِّ ضربٍ مررت؟ وإن شاء رفع،كأنه أجاب من قال: فما هما؟ فالكلام على هذا وإن لم يلفظ به المخاطب؛ لأنه إنما يَجْرِى كلامُـه - أي جوابه - على قدر مسألتك عنده لو سألته "(125).
كما أولى سيبويه موضوع الكلام - أو ما يطلق عليه مضمون الرسالة - اهتماما واضحا، ويبدو هذا من قوله: " واعلم أنه ليس كلُّ موضع يجوز فيه التعظيم، ولا كلُّ صفة يحسن أن يعظَّم بها. لو قلت: مررتُ بعبد الله أخيك صاحب الثياب أو البزّاز،لم يكن هذا مما يعظم به الرجلُ عند الناس ولا يفخّم به. وأما الموضع الذي لا يجوز فيه التعظيم فأنْ تذكرَ رجلاً ليس بنبيهٍ عند الناس، ولا معروفٍ بالتعظيم ثم تعظّمَه كما تعظّم النبيه. وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالحَ.
فإن قلت: مررت بقومك الكرامِ الصالحين، ثم قلت: المطعمين في المَحْلِ(126) ، جاز لأنه إذا وصفهم صاروا بمنزلة مَنْ قد عُرِف منهم ذلك، وجاز له أنْ يجعلهم كأنهم عُلِمُوا. فاستحسن من هذا ما استحسن العرب، وأحزْهُ كما أجازته.
وليس كلُّ شيء من الكلام يكون تعظيما لله عز وجل يكون تعظيما لغيره من المخلوقين، لو قلت: الحمدُ لزيد، تريد العظمة لم يجز، وكان عظيما. وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرامَ، إذا جعلت المخاطب كأنه قد عرفهم "(127).
وهكذا يشير سيبويه في هذا النص المهم إلى مسألتين(128):
إحداهما: تتعلق بمضمون الرسالة، إذ لابد أن تكون الصفةُ التي يُعَظَّم بها صفةَ مدحٍ و ثناءٍ ورِفْعَة،أو أنْ تكون هذه الصفة مما يليق وقوعها على الممدوح، ومن ثَمَّ لم يُجز: (مررت بعبد الله أخيك صاحبَ الثياب أو البَزَّازَ)؛ لأن وصفه بقوله (صاحبَ الثياب أو البزّازَ) ليست من الصفات التي يتم التعظيم والمدح بها، كما لم يُجِز: (الحمدُ لزيدٍ) إذا أراد(العظمةُ لزيدٍ)؛لأن هذه الصفة لا تليق إلا بالله، ولو وصفت بها المخلوقين كان غيرَ مغتفر. وهكذا سجّل سيبويه تخصيص تراكيب معلومة، بتوجيه ديني خالص، ولقد نفذ إلى ذلك من خلال المراوحة الغنية بين النظر في الأنماط اللغوية والمواقف الدينية، والحكم على التركيب بناء على ذلك(129).
المسألة الثانية: أن يكون المعظَّمُ قد عرفه المخاطب وعَلِم فضله، وذلك إما بأنْ يشتهر عنده ما عُظِّمَ به، نحو (مررتُ بعبد الله الصالحَ) إذا كان عبد الله مشتهرا بالصلاح عند المخاطب قبل التعظيم والمدح.
أو أنْ يرد من السياق اللغوي ما يدل على فضل المعظَّم فيعرفه المخاطب، وذلك نحو قولك: (مررتُ بقومك الكرام الصالحين)، ثم يمدح بعد ذلك بقوله (المطعمين في المَحْلِ)؛ لأنه قد تقدّم من كلام المتكلم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدحٍ وثناءٍ وتشريفٍ في المذكور. ومنه في الشتم والذمّ قول الفرزدق:
كم عمّة لك يا جريرُ و خالةٍ فَدْعاءَ قد حَلَبَتْ علىَّ عِشارِي
شَغَّارةً تَقِذُ الفصيـلَ برجلها فطّـارةً لقـوادِمِ الأبــكار [الكامل]
فنصب (شغّارةً) و (فطّارةً) على الذم و " جعله شتماً، و كأنه حين ذكر (الحلبَ) صار من يخاطب عنده عالما بذلك "(130).
أو أنْ ينزِّل المتكلم المخاطب منزلة من عرف فضل المعظَّم، فيقول: (مررت بقومك الكرامَ)؛ كأنه قد عرفهم وإنْ لم يعرفهم.
كما استعان سيبويه بغرض المتكلم وإرادته في التوجيه النحوي، مما يترك أثره على شكل التركيب،فيقول: " وأما قولهم: مَنْ ذا خيرٌ منك؛ لأنك لم ترد أن تشير أو تومئ إلى إنسان قد استبان لك فضله على المسئول فيُعَلِمَكَه، ولكنك أردت: مَنْ ذا الذي هو أفضلُ منك. فإن أومأت إلى إنسان قد استبان لك فضله عليه، فأردت أن يعلمكه نصبت خيراً منك، كما قلت: مَنْ ذا قائماً، كأنك قلت: إنما أريد أن أسألك عن هذا الذي قد صار في حالٍ قد فضلَكَ بها "(131) فرفع (خيرٌ منك) في قولك: (مَنْ ذا خيرٌ منك) إنما كان؛ لأن غرض المتكلم إنكار أن يكون أحدٌ خيرا منه، كقولك: (من ذا أرفعُ من الخليفة)(132) فجعل (ذا) بمعنى (الذي)، والتقدير: (من الذي هو خيرٌ منك)، وأما نصب (خيرا منك)، فعلى إرادة المتكلم معنى الاستفهام كأنه عندما قال (من ذا خيراً منك) يستفهم عن هذا الذي صار أفضلَ منك، وينصب (خيراً منك) على الحال الذي صار فيها المسئول عنه.(133)
ويهتم سيبويه ببيان الحال المصاحبة للتركيب، أو ما يسمى بملابسات "المسرح اللغوي"(134)، وما يترتب على ذلك من المفاضلة بين التراكيب، أو الحكم على العبارة بالحسن أو الإحالة الدلالية، كما في قوله: " وذلك أن رجلا من إخوانك ومعرفتِك لو أراد أن يخبرك عن نفسه أو عن غيره بأمر فقال: أنا عبدُ الله منطلقا،وهو زيدٌ منطلقا، كان محالاً؛ لأنه إنما أراد أن يخبرك بالانطلاق، ولم يقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية، لأن هو وأنا علامتان للمضمر إذا علم أنّك قد عرفت من يعنى. إلا أنّ رجلاً لو كان خلف حائط، أو في موضعٍ تجهله فيه، فقلت: مَنْ أنت؟ فقال: أنا عبدُ الله منطلقا في حاجتك، كان حسنا "(135).

رد مع اقتباس